مثل كل الأحداث الطارئة المأساوية في حياة الإنسان، جاء انتشار وباء كورونا ليُشكل حدثاً استثنائياً في حياتنا، أفراداً وجماعات، محولاً الكثير من أشكال وأسباب المعاناة الفردية غير المرئية للعديد من الأشخاص الذين يعيشون بيننا إلى معاناة جماعية، وفي هذا الظرف الاستثنائي الذي نمرُّ به جميعاً، من المفيد متابعة ورصد أهم الآثار النفسية المترتبة على انتشار الوباء، في محاولة للتخفيف منها واقتراح سُبل مواجهتها.

قلق الموت وفراق الأحبة

تبرز إلى الواجهة في هذه الظروف العديد من أشكال القلق، يتصدرها جميعاً “قلق الموت”، فالموت الذي تحول إلى أرقام نتابعها يومياً بالمئات، مع غياب وجود علاج سريع للشفاء من المرض يُعطي أمل ما بخلاصٍ قريب، أو لُقاح وقائي، يرفع من الشعور بهذا النوع من القلق إلى أعلى مستوياته، سواء أدركنا ذلك بشكل واعٍ أو لم ندركه، ويظهر “قلق الموت” هذه المرة مركّباً وأكثر تعقيداً، لأنه لم يبقَ أمراً يخص المرء وحده وتفكيره في مصيره الفردي، بل أيضا هو قلق على حياة الأحبة من أبناء وآباء وأصدقاء وأحباب، مما يُضاعف من آثاره ويزيد وتيرة الخوف والحذر المتأتي عنه.

وفقاً لقاموس علم النفس الطبي، يُعرّف القلق على أنه: ( ألم وإجهاد داخلي ناتج عن شعور الفرد بالخوف من مجهول غير حاضر، إضافة إلى توقع خطر خارجي لا يملك أمامه الفرد أي وسيلة للدفاع )*1.

في حين يتجلى “قلق الموت” على شكل انفعالات مزعجة وغير سارة، محورها الموت وما يرتبط به، متمظهراً بالخوف من الاحتضار والآلام الجسدية التي قد ترافقه والتعرض للإذلال بسببها، والخوف من مصير ما بعد الموت والعقاب الإلهي، والخوف من توقف الحياة وفراق الأحبة وأثر غيابه على حياتهم، الخوف من العدم، فحسب تعبير“أحمد عبد الخالق”: ( الموت مصطلح لا يوجد له تمثيل على المستوى الفكري، لأنه مجهول المعالم )*2، ولطالما خشي الإنسان لحد الرُعب من كل ما هو مجهول وغامض، وغير مفهوم بالنسبة له.

أعراض قلق الموت

ترتبط الأعراض المرتبطة ب“قلق الموت” بشكل وثيق وقوي مع خطر متصور (مرض ، حادث) ليست مرتبطة فقط بالذات ولكن أيضا بالآخرين، وخاصة الأمور والأشخاص الذين نحب والخوف من فقدانها، وتتمثل في ثلاث أعراض أساسية: أفكار الوسواس، الاجترار/ تكرار الأفكار والسلوكات ذاتها بشكل مفرط، الرهاب (المرض ، الغذاء ، البكتيريا ، التلوث ، وساوس مرضية خاصة أو عامة).

الخطر “المتصوّر” سابقاُ، هو اليوم خطر ماثل أمامنا، خطر واقعي لكنه غامض ويستدعي العديد من الإجراءات غير المعتادة التي علينا القيام بها، وما يجعله خطيراً كذاك “المتصور” هو عدم معرفة المآل، وغياب العلاج والوقاية الجذرية، وأيضا متاهة الوقت، الوقت الذي سنقضيه في الانتظار على أمل وجود العلاج.

على الصعيد النفسي والجسدي، تتمثل مؤشرات “قلق الموت” بعدة مظاهر، أبرزها (سيطرة الانفعالات السلبية والتي قد تترافق مع نوبات بكاء، التشاؤم والنظرة السوداوية للحياة، الأرق وفقدان القدرة على النوم، الانطواء والعزلة، الكآبة، الانفعال الزائد، الهلع، اختلاط التفكير وتشوش الفكر، زيادة الميل العدواني، تجنب المواقف التي ترتبط بالموت مع كثرة الحديث عنه وعن أسبابه، أعراض جسدية تتمثل في ضيق بالتنفس، صداع وآلام جسدية مختلفة والشكوى من أمراض لا وجود حقيقي لها، التعرق الزائد، آلام في المعدة والقولون العصبي، سرعة ضربات القلب).

صراع الحياة والموت.. من يفوز؟

لاشك أن الخوف من الموت وما يرافقه من انفعالات وردود أفعال، جزء من طبيعة الكائن البشري، لكنه يتصاعد خلال الأزمات والكوارث كالحروب وانتشارالأوبئة، كالوباء الذي نشهده اليوم، لكن الأهم هو الإدراك الواعي لهذا القلق ووضع حدا له لألا يُصبح قوة معطلة للحياة، ومن الجيد أن التحليل النفسي قد أنبأنا بقدرة الإنسان على تجاوز هذا النوع من القلق، ذلك التجاوز الذي صنع الحضارة، فحسب “فرويد” تتصارع لدى الإنسان غريزتان: غريزة الحياة “إيروس” وغريزة الموت “ثاناتوس”، الأولى تبحث عن الاستمتاع والسعادة والبقاء وتجميع الأجزاء، والثانية تعمل نحو التدمير وتفكيك المترابط، ويظهر عملها فى سلوكين محددين هما الرغبة فى إيذاء الغير “السادية” والرغبة فى إيذاء النفس”المازوشية”، وتقاوم غريزة الحياة  تلك النزعة من السادية التدميرية، غير الواعية بأشكال مختلفة، وغالباً ما تنتصر عليها، وبهذا الانتصار تتقدم الحضارة الإنسانية، إلا إذا تحول هذا الصراع إلى “قلق الموت” وأصبح الإنسان مضطرباً، ولا يستطيع التمييز في تمثلاته الحياتية بالمسافة بين الواقع وما يشعر به وما ينتابه من خيالات وأحلام، وهنا يستدعي الأمر العلاج، فحسب “فرويد”: (لغز الحياة يكمن في هذين الميلين المتصارعين فيما بينهما، مفترضاً أن تطور الحضارة ينبغي أن يمثل الصراع بين ايروس وثاناتوس، بين نزوة الحياة ونزوة التدمير). واليوم أمام هذا الوباء “كرونا” الإنسان أمام تحدٍ كبير في حسم هذا الصراع الذي يتصدر مفردات يومياتنا.

المصادر

 1- Nobert Sillamy, 1999, Dictionnaire de la psychologie, Larousse, Paris

2- أحمد محمد عبد الخالق، قلق الموت، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت،  1987، العدد 111.

بقلم : د. خولة حسن الحديد

4 Comments

  1. Raghida alattrash April 11, 2020 at 8:27 pm - Reply

    روعة يا دكتورة في الشرح و الاسلوب و المحاكمة

    • kmarabia April 21, 2020 at 2:37 am - Reply

      تحياتي سيدة راغدة. أتمنى أن ينال إعجابكم وتستفيدوا. ومنكم نتعلم. جميعنا نتعلم من تجارب بعضنا بعض. الموضوع عبارة عن سلسلة مقالات .أتمنى تتابعيها. شكرا لحضورك وتفاعلك

  2. مهيدي الكبع April 11, 2020 at 11:51 pm - Reply

    اضافة لقلق الموت، هنا قلق آخر..
    الموت بكورونا يعني ان تموت بدون احبة واصدقاء حوالك،
    اتذكر قرات مرة.. ان احد المصابين بكورونا وقبل وفاته اراد ان يشاهد عائلته واولاده.. لكنهم رفضوا خوفا من ان يعديهم..
    …
    شكرا لفتح ملف مهم .. واعتقد انه ستسجل مستقبلا متلازمات مرضية نفسية بالهلع من كورونا والحجر الصحي.

    • kmarabia April 21, 2020 at 2:36 am - Reply

      فعلا .معك حق .الموت وحيدا وبعيد عن الأحبة وجو الأسرة الدافىء. وحتى عدم امتلاك فرصة لتودعيهم. الأمر برمته مؤلم. وهذه إضافة مهمة من حضرتك. أشكرك.

Leave A Comment