
الملل والضجر
امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالشكاوى من حالة الملل والضجر، التي بدأت تظهر لدى كثيرين ، وخاصة لدى الرجال بعد إجراءات الحجر الصحي الذي فرضه انتشار “وباء كرونا” على الجميع، وذلك بسبب التغيير الكبير الذي حدث لنمط المعيشة، وإحساس بعضهم بأنهم مقيّدون.
يُعزي المتخصصون الاختلاف بين الجنسين بهذا الأمر إلى أسلوب الحياة، والطبيعة المتباينة ما بينهما، مما يجعل من تأثير الحجر في المنازل أكثر تأثيراً، وأكبر ضغطاً على نفسية الرجال مقارنة بالنساء، إذ فرض عليهم وبشكل مُفاجىء تغيير روتينهم ونموذج حياتهم الاعتيادي، حيث يعاني معظمهم بعض المشاعر المتضاربة، التي تتراوح ما بين الشعور بالكآبة والملل الشديد، وبين القلق والتوتر والعصبية، كما يُعاني بعضهم من البعد والانقطاع عن الأصدقاء وفقدان التواصل المعتاد معهم، مما يجعلهم يعيشون في جو من الرتابة والسكون، إضافة فقد القدرة على تفهم الأطفال في المنزل، وهو الأمر الذي تعتاده النساء بشكل طبيعي.

كما يُعاني العديد من المراهقين وطلبة المدارس هذا الشعور ذاته بالملل والضجر، بسبب طبيعة نموهم والمرحلة العمرية التي يمرون بها ومتطلباتها، وحاجتهم لتفريغ طاقاتهم الحركية الكبيرة، وهذا كله أدّى إلى حدوث العديد من المشكلات خلف الأبواب المغلقة لبيوت الأسر التي تعيش في ظل الحجر المنزلي، مما استدعى تقديم المتخصصون والجهات العامة المعنية، العديد من النصائح والإجراءات والاستراتيجيات، للتخفيف من وطأة هذه المشكلات.
الإدمان على الكحول والطعام
يهرب بعض الناس من مواجهة المشكلات، ولقتل الوقت إلى الشراب والطعام بشكل مفرط، ويُعتبر شرب الكحول والتدخين أيضاً أحد أكثر استراتيجيات الهروب هذه، والتي تُحقق المتعة والنسيان في آن معاً، وغالباً ما يلجأ إليها الناس خلال الأزمات وفي مواجهة الظروف الصعبة، مما جعل كثيرون يحذرون من أن يُصبح هذا الإدمان نمط حياة ما بعد انتهاء هذه الأزمة الطارئة، ويقول الطبيب النفسي والمتخصّص في معالجة الإدمان ورئيس قسم الإدمان في شارانت في جنوب غرب فرنسا ” فيليب باتيل”: (إن الروابط بين حالات الإجهاد بعد الصدمة وتناول الطعام راسخة تماماً، إذ يردّ الجسم عبر اللجوء إلى الوسائل المعتادة أي المهدئات والكحول والمخدّرات).

كما حذر باتيل من تفاقم هذا الأمر، بتأكيده من أنه كلّما طالت فترة العزل المنزلي، ازدادت الآثار السلبية التي سنشعر بهن، موضحاً أن: (استهلاك هذه المواد يأتي نتيجة لفترة الانتظار: نقول لأنفسنا إنه سيساهم في التهدئة، لكن مع الوقت، يقل تأثيره المهدئ، وتتحوّل منافعه المتوقّعة إلى كآبة وتحفيز على القلق من الاستهلاك المفرط للكحول).

كما تناولت منظّمة الصحّة العالمية في توصياتها للتعامل مع الإجهاد أثناء الوباء هذه المسألة، وحذرت منها وأشارت إلى أهمية مواجهتها.
العدوانية والسلوك العنيف
أكّدت التجارب العملية الطويلة أنه في ظروف العزلة قد تظهر لدى الإنسان أكثر أحد أشكال الأنماط السلوكية البدائية، ومن ضمنها العدوان والتصرف بعنف مع المحيط، وفي أبسط تعاريف السلوك العدواني هو( إلحاق الأذى بالآخرين جسديا ونفسياً، واستخدام القوة والسلطة بشكل غير مشروع).
يُساهم التوتر عالي المستوى، والعصبية الزائدة، والتي تجتمع مع الضغوط النفسية والاجتماعية إلى فقدان سيطرة الإنسان على أعصابه، وتغيب الحدود بين العقل والعاطفة، ويتخذ الانفعال أشكالاً مختلفة للتعبير، قد يكون أحدها التعدي على الآخر أو الأشياء، والتصرف بعدوانية مع أفراد الأسرة والمحيطين، وسجلت العديد من التقارير حالات مختلفة من العنف المنزلي بين الأزواج أو حيال الأبناء، أو فيما بينهم خلال فترة الحجر المننزلي التي استدعاها انتشار وباء كورونا.

يرتبط السلوك العدواني بحالة فطرية غريزية، هذّبها الإنسان عبر قرون طويلة من التربية والتمدن ، ويعود للواجهة في الظروف الضاغطة، ويتسبب هذا السلوك بإلحاق الأذى النفسي والجسدي بالآخر، بما يعني تدميره وإذلاله، وترك آثر بعيدة المدى على حياته، وخاصة على الأطفال.
