الصدمة النفسية

 في مواجهة الكوارث والأوبئة يتعرض بعض الأشخاص لمستويات عالية من الضغط النفسي نتيجة الخوف والإجهاد والتوتر، مع تهديد العوامل الظرفية، وضعف الإمكانيات الفردية للتغلب عليها، والتي ترافقها مشاعر العجز والhستسلام الأعزل، وهكذا تتسبب هذه الحالة في اهتزاز فهم الذات والعالم لديهم، و يحدد الدليل الأمريكي التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية معايير الصدمة بما يلي:  

  • إذا أدرك الشخص أو واجه حادثة أو عدة حوادث، شكلت تهديداً أو مواجهة للموت، أو شملت تهديداً أو مواجهة لسلامته الشخصية أو أشخاص آخرين.
  • إذا تضمنت ردة فعله فزعاً شديداً، أو العجز عن المواجهة، أو الرعب.*1

تتماشى المعايير المذكورة مع ما نعيشه اليوم، ومع الفروق الفردية بين الناس في البنية النفسية وأساليب التنشئة الاجتماعية، والظروف المحيطة وحجم الأعباء التي تترتب عليهم، قد ينهار بعضهم نفسياً، ويعلنون استسلامهم، حتى أن بعض الأشخاص يفكرون بالانتحار، ومنهم من فعلها، كالممرضة الإيطالية التي اختارات الانتحار بعد إصابتها بالمرض خوفاً منها من انتقال العدوى منها لأفراد عائلتها وآخرين، و أيضا انتحر وزير مالية ولاية ألمانية ( ولاية هيسن )، بعد أن ترك رسالة إلى أبنائه عبر فيها عن خوفه من عدم القدرة على مواجهة المتطلبات التي يفترضها وجود الوباء، والاجراءات اللازمة لمواجهته.

إن انهيار نظم العيش أو تغييرها بشكل مفاجىء وفي وقت قياسي، يُمثل حالة ضغط وشدة نفسية قصوى للعديد من البشر الذين لا يملكون بنى نفسية قوية وثابتة، والذين يتعرضون لعوامل متعددة تدفع إلى القلق، كما أن بعض الشخصيات بطبيعتها قلقة ومُفرطة الحساسية، ولا شك أن هؤلاء يحتاجون للمساعدة، وهذا ما التفت إليه العديد من الدول كالصين وأمريكا، عندما أنشأت مراكز للمساعدة النفسية، وخطوط ساخنة تتلقى المكالمات على مدار الساعة لتقديم الدعم النفسي ورفع سوية الصحة النفسية للأفراد.

الخوف من الموت جوعاً ( حمى الشراء المذعور)

الإنسان الذي اعتاد الوفرة، ويعيش وفق أنماط استهلاكية معينة، تضعه الظروف الراهنة في حالة قلق من نقص الأغذية الأساسية، ومواد التعقيم اللازمة والمنظفات، وقد تجلى هذا الأمر بشكل واضح من خلال التهافت الكبير للناس على شراء المواد التموينية الأساسية والمنظفات والمناديل الورقية، والتي لا تغطي فترة الحجر الصحي المُعلن عنها فقط، بل تفوق احتياجاتهم في تلك الفترة بأضعاف، وبحيث تم إفراغ أرفف كاملة من المحلات التجارية في كبرى مدن العالم، وكل هذا يعكس حالة من القلق وردود الفعل غير الإرادية، إذ لا يسيطر الناس على مخاوفهم بل العكس، كانت مخاوفهم تقودهم وتدفعهم لهذا السلوك، وهذا ما يٌسميه علماء السلوك ب”حمى الشراء المذعور”.

الاكتئاب ومظاهر الحزن والكآبة

لا يستطيع كثيرون التآلف مع الوحدة والكف عن الخروج إلى الشوارع والمقاهي ودور السينما، وصحبة الأصدقاء وغيرهم، والاضطرار للخضوع للحجر الصحي، وضع هؤلاء في عزلة غير مرغوية وقسرية، ولأن كل ممنوع مرغوب، ومع تضافر عوامل التهديد التي رافقت انتشار وباء كورونا، تكون ردود الفعل على هذه العزلة  لدى بعضهم مبالغ فيها، بإظهار حالات من الحزن والكآبة، والانعزال الاجتماعي بعيدا عن مواقع التواصل أو الهاتف المحمول، والانسحاب الاجتماعي والكف عن ممارسة نشاط مشترك كمشاركة الألعاب أو حفلات المشاهدة الجماعية وغيرها، وعدم مخالطة أفراد الأسرة، ويغرق المرء في جو من الكآبة مبدياً كل أعراض الاكتئاب المرضي، والذي قد يحتاج إلى علاج أو مساعدة نفسية عاجلة، ولا ترتبط عوامل هذا الاكتئاب بالظرف الحالي فقط، بل لها علاقة بتاريخ الشخصية السلوكي ونمط الحياة التي يعيشها المرء، وأساليب أنماطه السلوكية في التعامل مع مفردات الحياة، إضافة إلى عوامل التربية والتنشئة الاجتماعية.

Leave A Comment