أذكر كما الحلم البعيد، وتختلط في رأسي الصور لدرجة أني غير متأكّدة أن ذلك كان يحصل، وقد شهدته بنفسي، أم أنه إحدى حكايات أمي التي جسّدتها وكأنّها حقيقة، وليست إلا صورٌ مُتخيلة مما تختزنه ذاكرة الحكايا، أنه عندما كان المطر يحتبس لأيام و شهور، وتعطَش الأرض والدواب و يضج الناس، كان العم: “أبو محمد”، أحد أقاربنا، يصنع دمية كبيرة بعصاة طويلة، وجهها من قماش أبيض يرسم لها عيون وفم وأنف، و يُلبسها قماش أخضر، على شكل ثوب موشى بألوان قوس قزح، و كان يلف حارات الضيعة – القرية الصغيرة التي تحولت لاحقاً إلى مدينة صغيرة – حارة حارة حاملاً الدمية، وخلفه الأطفال يرددون دعاء المطر الأشبه بأنشودة وابتهال، وكلّما مرّ من حارة، كان يخرج الأطفال من البيوت، ويتبعون الجمع الغفير الذين يتقدمه العم أبو محمد باكياً، و ما زلت أحفظ الأنشودة التي كنا نرددها، و لم يبقَ منها الآن في ريفنا إلا بضع عبارات، وكانت الأنشودة – الدعاء تبدأ ب ( ريّا ريّا غيثينا تانسقي أراضينا )، ونردد خلف العم: (يا الله الغِيتْ يا الله الغِيتْ ، بجاه محمَّد وأهلْ البيتْ، ياغيمة غيثينا، يا ريّا غيثينا ، اسقي الزرع واسقينا، اسقي المريجة الخَضرا، تتسرحْ سواقِينا، يا ربَّنا، يارّبنا، تبعتْ مَطرْ لزَرعِنا، لزرعنا ودوابنا ، هنّي الكِبَار خَاطيين، نحنا الصّغار شو ذَنبنا، يا ربّنا يا ربنا أرضنا عطشانه ، يارب تصبّح غرقــانة)..و كنا نتوقف هنا على أحد البيادر و نصطف بشكل دائري و يقف العم “أبو محمد” في منتصفها رافعاً يديه وبصره إلى السماء، و دموعة تسيل، ويردد ونحن نردد خلفه:

( أم الغيث يا ريّا عبي جبابنا ميّا، أم الغيث غيثينا تانسقي أراضينا، شتي شتي على الدروب حتى تفرح ها القلوب، شتي شتي بالجورة تانسقيي العجّورة ) .. و بعد أن ينتهي الدعاء يوزع علينا العم أبو محمد بعض السكاكر، أوالقضامة ( الحمص المملح ) .

انتهى هذا الطقس في الضيعة منذ سنوات طفولتي الأولى، وما زلت أذكره كما الحلم البعيد، والعم أبو محمد أصبح مؤذن في المسجد المقابل لبيتهم، واستُبدل هذا الطقس بصلاة الاستسقاء، و قبل وفاته بسنوات، و بعد أن كبرت وعرفت أنّ “ريّا ” المقصودة كانت آلهة المطر في بلاد الشام خلال حضارات متعاقبة مرت عليها، سألت العم أبو محمد:

هل تعرف من هي ريّا، و لماذا توقف هذا الطقس ؟؟

أجاب: نعم، إنها أم المطر والغيوم، والتي ضحت بنفسها ليهطل المطر بعد احتباسه طويلاً،  وبعد توسلها لكبير الآلهة بإرسال الغيوم، قطعها أشلاء، فتحولت إلى بروق فجّرت الغيوم مطراً وخيراً، أما لماذا انتهى هذا الطقس قال:

 قالوا أني مجنون، وأني أعلم الأطفال ما لا يجب أن يتعلموه، و بعدها أصبحت مؤذن الجامع، ولا يجوز أن أقوم بذلك وأصبحنا نصلي صلاة الاستسقاء، لكني أحنُّ إلى ذلك الطقس، وأعرف ريّا جيداً في قلبي.

** زمن “أبو محمد المجنون” ، كان زمن الجنون الجميل … زمن الجنون الذي يثبت أن للريف روحه الخاصة، قبل أن يحاولوا تمدينه قسراً وفق معاييرهم للتمدن، و قبل أن يصحّروه، ويشردوا أبنائه إلى أحزمة الفقر في المدن الغريبة، ويقتلوا روحه المبدعة الأسطورية، وقبل أن يصبح الريف في نظرهم مجرد أشخاص يعملون ويأكلون و ينامون و يتناسلون … كان أهل الريف أكبر من ذلك بكثير، وهذا ما لم يعرفه الكثيرون ولن يعرفوه !!

 *ريا، إحدى الآلهة التي كانت تُعبد في ديانات سوريا القديمة، وتتنوع الأساطير والمرويات حولها، ولكنها جميعاً تقول أنها آلهة المطر، وهي ابنة الإله بعل الذي عُبد في بلاد الشام على أنه إله الرعد والبرق والعواصف والأمطار، وريا واحدة من بناته، اللواتي كانت كل واحدة منهن مسؤولة عن جانب من هذه الجوانب، والمرتبطة كلّها بنزول المطر.

الإله بعل حدد بجوار الآلهة عشيرة، كما تصوّره المنحوتات الأوغاريتية

يقول بعضهم إن الإله بعل الذي يتكرر اسمه في الديانات القديمة لسكان سوريا وبلاد الرافدين، هو ذاته الإله بعل حدد الذي تمت عبادته في الحضارة الأوغارتية السورية المعروفة، والإله بعل هدد – حسب المصادر – كما تصوّره المنحوتات الأوغاريتية، هو سيّد الأرض وربّ العواصف والخصوبة في الدين الكنعاني القديم، وتظهر قربه في الصورة أعلاه الآلهة الأمّ عشيرة، خالقة الكون ووالدة كل المخلوقات والآلهة.

*بقلم: د. خولة حسن الحديد.

*صورة الغلاف من موقع عربان نت/ “أم الغيث”،من طقوس المطر في الجزيرة السورية.

**نُشر هذا الموضوع في موقع جريدة الأيام الإلكتروني منذ سنوات مضت، وأعيد نشره هنا مع بعض التعديل الطفيف.

Leave A Comment