
كتبت السيدة اللبنانية “سيلفانا خوري” Sylvana Khoury في صفحتها على الفيس بوك يوم 29 فبراير الماضي:
(الأمومة فكرة ذكورية. شغلتها تأسر النساء بأدوار نمطيّة حتى يضلّوا متأرجحين بين التضحية والشعور بالذنب. كل الثقافة الشعبية عن سموّ الأمهات وعظمة الأمهات تزيد طردياً كلما المجتمعات كانت أكثر ذكورية. كل ما المجتمع احتقر المرأة أكتر كلما عظّم دور الأمهات أكتر. نعم لتحرير الأمّهات من الأمومة كجوهر ثابت. ونعم لأمومة لا مُضحّية ولا مذنبة، أمومة متحرّرة من الصور النمطية، أمومة فردية غير جوهرانية هي وحدها القادرة على إسقاط منظومة الهيمنة الذكورية. لأنو ما فينا نحارب المنظومة الذكورية ونحنا متبنّايين صورة عن نفسنا هي نتاج وصنيعة هالمنظومة نفسها).

فتح هذا المنشور أبواب النقاش على مصراعيها، وشاركته العديد من السيدات، لأنه لا شك لامسهن من الداخل، فنحن ك“أمهات” فعلياً ضحايا التنميط، وضحايا الصورة النمطية للأم والمتوارثة عبر أجيال، بحيث يغيب الشخصي والإنساني، وتغيب الحاجات الشخصية والرغبات الإنسانية لنا ك“أفراد”، وتحضر صورة الأم المقدّسة، المُضحية، المُهملة غالباً لنفسها وشكلها، ويرفع الجميع أمامها سيوفهم، في حال خرجت عن تلك الصورة المرسومة لها اجتماعياً، وتبدأ بتلقي سهام النقد التي لا ترحم.

تلك الصورة المكرّسة في أذهان الأبناء والأزواج وحتى تعامل الأهل مع ابنتهم المتزوجة، والتي أصبحت أم، أو حتى لم تصبح بعد، وذلك بتركيزهم على دورها الأمومي، وسؤالهم المتكرر عن الإنجاب، تُحمّل الأم الكثير من الضغوطات، والتي تعرضها للاحتراق النفسي بكل أبعاده العميقة.
أحد أهم أشكال “الاحتراق النفسي” الذي نجده في الحياة الاجتماعية، هو ما تعيشه غالبية الأمهات في مجتمعاتنا الأبوية، فالأم هي الإسفنجة التي تمتص كل ما حولها وما يُلقى عليها، وهي الأرض المنخفضة التي تتشرّب كل ما هو فائض عما أعلى منها، وهي النهر الجاري على سفح جبلٍ يؤول إليه كل ما يلفظه الجبل، وما إن يجف حتى يتحول إلى مكب للنفايات.

تحمل الأم من المسؤوليات فوق طاقة البشر أحياناً، وعليها أن تصمد أمام كل صعوبات وتحديات الحياة، ليس حياتها فقط، بل حياة كل فرد من أفراد العائلة، وممنوع عليها أن تتعب أو تشتكي، فعليها أن تعيش احتراقها بصمت، ولا أحد ينتبه لهذا الاحتراق إلا عندما يُصبح رماداً، رماد يجب التخلص منه، وتنظيف مكانه لأنه يُصبح عبء على المكان، فالشمعة التي تحترق لتُضيء، سينتهي فتيلها، ومع آخر شعلة مضيئة ودافئة، ستتحول إلى رماد بارد ومُعتم.

كثيرة هي أشكال الاحتراق النفسي في الحياة الاجتماعية، لكن قد تكون حياة الأم والصورة المرسومة لها، مصدراَ لأحد أهم أسباب الاحتراق الذي تعيشه ملايين الأمهات، وهذا ما يجب البحث فيه، ورفع الصوت عالياً لتوعية المجتمع والعائلات، وطلبة المدارسوالجامعات، بأهمية الانتباه إلى حياة “الأم”، وأهمية مشاركتها المسؤوليات، والأهم: تقديرها ك“شخص”، ك”إنسان” لديه حاجات ورغبات، وميول وحياة نفسية خاصة، ويمتلك حد مُعين من الطاقة، على الجميع أن يحافظ عليها، لا أن يعملوا على استنفازها.
- سيتم استكمال هذا الموضوع في سلسلة مقالات لاحقة، حول الاحتراق النفسي للأمهات وأسبابه وسبل معالجته.
بقلم: د.خولة حسن الحديد
