إنّ الحديث عن موضوع “الاغتصاب” في مجتمعاتنا العربية، يُعتبر من المحرمات الاجتماعية، والتي يتم الحديث عنها بمواربة من مختلف الفئات الاجتماعية، نظراً لما تشكلّه هذه القضية من حساسية اجتماعية، وما تتركه من آثار سلبية على من وقع عليها الفعل، أو على عائلتها ومحيطها الاجتماعي.

على الرغم من أنّ المغتصبة هي “الضحية  الأولى” لاعتداء مباشر على جسدها وكيانها وروحها كإنسان، فإنّ تعامل المجتمع مع قضيتها بذلك النوع من التجاهل، أو الإنكار والتغطية  والتستر، لا يرتبط  بهذا الاعتداء المباشر الذي وقع عليها فقط، وإنّما يرتبط بمنظومة اجتماعية متكاملة عملت منذ قرون، وما زالت، على ممارسة العنف ضد المرأة تحت مسميات وذرائع متعددة منها العادات والتقاليد، ومنها ما يلصق بالدين، ومنها ما يأخذ من ضرورة حمايتها حجة وذريعة إضافية لمزيد من العنف الممارس ضدها ومزيد من الوصاية عليها. ولو أردنا تحليل موقف المجتمع من المغتصبة، فإننا لن نكون بمعزل عن مناقشة وتحليل كل تلك القضايا التي أنتجت ذلك الموقف من قضية الاغتصاب عموماً.

إنّ الآليات الاجتماعية التي أنتجت موقف المجتمع والبيئة الاجتماعية المحيطة بالمغتصبة وبناها المتجذرة، بنيت خلال عقود بل قرون طويلة على مجموعة من الأفكار والعقائد المتوارثة، والتي باتت تشكل جزءاً أساسياً من البنية الذهنية وآلية التفكير التي تحكم السلوك الاجتماعي عموماً، مع اختلاف بالتفاصيل بين بيئة وأخرى. تلك البنية التي أنتجت بدورها نماذج مختلفة وأشكالا من السلوك الاجتماعي تبرر العنف ضد المرأة وتشرعنه، بل لا تُعتبر الكثير من الممارسات اللإنسانية بحد ذاتها عنفاً.

إن تفكيك تلك البنى والآليات الاجتماعية لا يتوقف على مناقشة وتحليل موضوع “التمييز ضد المرأة”.

كما إنّ الحديث عن التمييز، ليس مجرد حديث عن نظام جماعي يصيغ العلاقة بين النساء والرجال بصيغة مؤسسية، يظهر من خلالها العقل الجمعي الذي يرتب الفوارق بين الرجل والمرأة، ويمنح مميزات لجنس دون آخر، أو إنّ العنف مجرد سلوكاً فردياً يشكل أزمة أو حدثاً استثنائياً مخالفاً للعادة أو القانون، ويتمظهر في شكل اعتداء على جسد الآخر؛ إنّما التمييز هو بحد ذاته عنفاً مؤسِّساً لأشكال مختلفة من العنف تحافظ آلياتها أيضاً على التمييز. فالتمييز هو العنف الأساسي الذي يجب تفكيكه كونه لا يستهدف ملكية الآخر، بل يستهدف ماهية وجوده، والاعتداء ليس اعتداءً على ملكية الآخر بل اعتداء يستهدف وجوده كإنسان، ونفياً لجوهره الإنساني، وهو كالعنصرية تماماً، فيه نفي للإنسانية الكاملة  للمرأة، وإنكاراً ونفياً لمبدأ المساواة الذي يؤسس لكل الحقوق والواجبات المفترض أن تكوّن للجميع.

العنف والتمييز ضد المرأة

العنف والتمييز كلاهما يؤدي إلى الآخر، لأنّ العنف آلية للحفاظ على التمييز، من خلال فرض أدوار نمطية تقليدية على المرأة تمنعها من حرية الحركة وحرية التصرف حتى بجسدها، فالمرأة غير مالكة لجسدها، وذلك يظهر في تبعيتها  للأب أو الزوج، وعدم ملكيتها لجسدها هو الذي يؤدي إلى مراقبة دقيقة لحياة المرأة الجنسية، وهو الذي يؤدي إلى جرائم الشرف.

عدم ملكية المرأة لجسدها يعني في الوقت نفسه عدم الفصل بين جسد المرأة والجسد الرمزي للمجموعة (القبيلة، العشيرة، الأمة)، كما يعني نفياً تاماً للمرأة ككيان مستقل، ولذلك كلما تعرضت المجموعة لأزمة وضع جسد المرأة في قلب الأزمة، واقترحت الحلول التي تزيد من مراقبة جسد المرأة وتتجنب الحلول الأخرى التي تواجه الواقع. وهذا يجري في مجتمعنا الذي نجد فيه فاعلين أساسيين لا يرون حلولاً للفقر والبؤس السياسي والتبعية إلّا في مزيد من مراقبة جسد المرأة، أو المزيد في حجبه.

أحياناً يصبُّ العاجزون عن الفعل السياسي كل غضبهم على المرأة، لسهولة عملية الإسقاط هذه، ولقبولها وشرعنتها من قبل المجتمع، لأنه لم يتم الفصل بين جسد المرأة وجسد الأسرة أو القبيلة أو الأمة، فبقيت المرأة “حارسة الهوية”، والشرف الاجتماعي، ولذلك يكون الاعتداء على جسدها اعتداءً على كل تلك الأسرة أو القبيلة وحتى الأمة. هذا ما يفسر انتشار حالات الاغتصاب بكثرة خلال الحروب، إذ يتخذ العدو من النيل من جسد المرأة واغتصابها طريقاً للنيل من المجتمع الذي يقع عليه الاعتداء كله، وإهانة له ولكرامته ولشرفه، لذلك يبادر هذا المجتمع إلى إخفاء الجريمة التي تعرضت لها المرأة تجنباً للفضيحة والعار الذي قد يلحق به إن تمّ الإفصاح عنها.

يعمد المجتمع أحياناً يعمد إلى ردود فعلية انتقامية، تكون المرأة “الضحية” أيضاً جزء منها، إذ قد يبادر البعض إلى قتل المغتصبة، أو الضغط عليها وإخفاءها بعيداً عن العيون، مما يدفع بعضهن لقتل أنفسهن لتصبح ضحية مرتين. في أحيان أخرى يبادر البعض الآخر إلى تزويج المغتصبة العازبة، أو الأرملة، أو المطلقة، زواجاً ليس فيه أي اختيار أو تكافؤ حقيقي، ينتج عنه العديد من الأمراض النفسية والاجتماعية لتزيد المشكلات والأمراض الاجتماعية، من حيث يُظن المجتمع أنه يجد لها الحلول، لأن زواج المغتصبة هو حل مفرح وسليم كما يراه الكثيرون لأنّه يعيد للمرأة وظيفتها الأساسية التي تمنحها مكانة اجتماعية كـأم وزوجة ومنجبة للأطفال، والذي قد يمنع اغتصابها عنها هذا الدور الاجتماعي الهام، والقيمة الاجتماعية المنتظرة لها ولأسرتها ومحيطها الاجتماعي، وبذلك يتجنب الجميع الفضيحة، ويسعدون بهذا الستر الاجتماعي، بغض النظر عن نتائجه على المرأة كجسد وكيان وجوهر، وبالتالي انعكاس ذلك لاحقاً على المجتمع.

الأشكال التي تتخذها جريمة الاغتصاب:

  • الاغتصاب الغضبي: وفي هذا النوع من الاغتصاب، يكون الجنس وسيلة للتعبير وللتخلص من مشاعر الغضب والثورة والانتقام والثأر. ويتميز هذا النوع بما يلي:

أ- يتميز بالقوة الجسدية، حيث تكون قوة الجاني تزيد على قوة الضحية بدرجة ملحوظة.

ب- يعتبر الجنس في هذه الحالة وسيلة يهين بها الجاني ضحيته، بالحط من شأنها واحتقارها.

ج- إن هذا النوع يكون غير مخطط له واندفاعياً ومتهوراً، حيث يكون الجاني في حالة من الغضب ويعاني من الإحباط.

د- يستخدم الجاني لغة بذيئة مع ضحيته، وعبارات فاحشة.

هـ- إنّ الاعتداء في هذا النوع لا يستغرق إلا وقتاً قصيراً نسبياً، وأحياناً يتم خلال دقائق قليلة، ولكن مع ذلك يتخلص المغتصب من الغضب المكبوت بداخله، وتفريغ حقده وغضبه .

– الاغتصاب بالقوة: تعتبر القوة عاملاً بارزاً يدفع المجرم إلى ارتكاب الجريمة، ولكن قصده لا يتجه إلى إيذاء الضحية بل إلى إخضاعها جنسياً، كما بينّا سابقاً وعموماً يتميز هذا النوع بما يلي:

–  الاغتصاب من أكثر الجرائم بشاعة لأنها تعتدي على المجتمع وتنال من إنسانية أفراده وتجرح كرامته.

–  ما تحدثه في نفس الفرد من قسوة وعنف وعدائية اتجاه الآخرين، فهي تعبير عن الكره والبغض، وعن ترجيح كفة القوة الغاشمة على كفة العقل والعواطف النبيلة.

–  الآثار الاجتماعية: إن الكثير من الحالات الاغتصاب تكون فيها الضحية معرضة للفقر والضياع، لأنّ الكثير من العائلات، خاصة في البيئات المحكومة بعادات وتقاليد ، ترفض قبول من تعرضت للاغتصاب  فيها، مما يفاقم من مشكلة المغتصبة ، وفي ظل تخلي المجتمع عن الضحية مما قد يؤدي إلى انحرافها فيما بعد.

*جزء من موضوع نُشر سابقاً في موقع “الجمهورية” عام 2012م، بعنوان:

(الاغتصاب كوسيلة للخضوع و إذلال الجسد الاجتماعي في الثور السورية ..الأبعاد وأساليب المواجهة …)، بتصرف، د.خولة حسن الحديد.

ملاحظة: تمّ الاستناد في إعداد هذه المادة على كتاب: بنيان الفحولة، أبحاث في المذكر والمؤنث، تأليف د.رجاء بن سلامة، دار بترا للنشر والتوزيع، سوريا، دمشق ، 2005م.

*الأعمال الفنية للفنان الاسكتلندي “بيتر هوسو” في تصويره لمذبحة سربرنيتشا.

Leave A Comment