كان إميل دوركهايم من أوائل الذين استعملوا مفهوم “التمثلات الاجتماعية” حين تحدث عن العصبية القبلية، ورفضه لها، وحسب دوركهايم، يُعتبر الدين والمعتقدات، واللغة، والعلم والأسطورة، تمثلات جمعية واجتماعية. ( مجلة علوم التربية – العدد 7، ص ص 28 -29).
وحسب التحليل النفسي، فإن اللاشعور هو المنطقة الخاصة من الجهاز النفسي التي تنتج وتختزن وتورّث تلك التمثلات وغيرها، فالتحليل النفسـي، كمــا يقول “فرويد“، لا يستطيع أن يعتبر الشعور جوهر الحيـاة النفسية، بل هو يرى في الشعور كيفية واحدة من كيفيـات “الحياة النفسية”، وما زالت لليوم تستخدم مصطلحات “فرويد” والآليات التي أوضحها لبناء التمثلات الاجتماعية، وآليات الدفاع النفسية الأولية التي تتم وفقها.
هذا الحقل قد يفيدنا في تفسير وفهم العديد من أوجه السلوك الاجتماعي لجماعة ما، وخاصة إذا ما عدنا بالتفصيل لعناصر آليات الدفاع الأولية، والتي يُمكن تشبيهها بجهاز المناعة على سبيل المجاز، وبالمعنى النفسي، فإن الأفراد والجماعات، يبنون أنواع معينة من التكيفات، ويحافظون على توازنهم من خلال تلك الآليات، ومن أبرزها: ( النكوص، الكبت، الأحلام، أحلام اليقظة، التسامي، الإسقاط، التماهي، النكران، الاستدماج وغيرها)، وجميع هذه الآليات النفسية تأخذ أبعاداَ اجتماعية عندما تقوم بها “الأنا” الفردية” لخلق حالات توزان و تكيف مع الجماعة، ومن ثم تُصبح لاحقاً نسقاً اجتماعياً يخص” أنا الجماعة” أو ما يُسمى في التحليل النفسي ب” النحن”، وتصبح تلك أحد أشكال التكيف الاجتماعي للمجموعة، وفي العلاقة مع الزعيم، تتوضح تلك الآليات الفردية والاجتماعية بشكل جلي.

الأسطرة وعبادة الزعيم
تُسقط الجماعة على زعيمها كل الصفات التي تحلم بها، وبنوع من التسامي ترفعه إلى مرتبة القداسة، فتصبح ” الأسطرة” أيضاً وجهاً آخر من أوجه التمثلات الاجتماعية العامة التي تعيشها الجماعة وتتمثلها في سلوكها، فيُصبح الزعيم بمثابة الإله المعبود، أو أقله وكيل الإله على الأرض، وهنا تقوم الجماعة بإصباغ القدسية عليه، و”التعالي على التاريخ البشري الأكثر مادية ودنيوية والأكثر عادية وشيوعاً”. ( أركون، 1996، ص ص 91-92).
من خلال سلوك الجماعة حيال الزعيم يختلط الجانب الأسطوري بالجانب الواقعي، وتبدأ الزعامات تتجذر في الوجدان الجمعي، وذلك من خلال مخيال الجماعة الذي يعمل على زرع بذورها، وترسيخها في الأعماق السحيقة للنفسية الجماعية وزيادة شحنتها العاطفية.( أركون، 1996، ص29)، وتصبح معه تلك الزعامات ذات نفوذ لا يُستهان به، حيث عمقتها ودعامتها تلك التمثلات اللاشعورية المكبوتة عند جماعة ما، ( ابراهام، ت: أسعد، 1998،ص 23).
كلّما غرقت الجماعة في الأسطرة ( سبغ صفات أسطورية على الزعيم)، أغلقت على نفسها الأبواب، وعاشت ضمن منظومة قيمية واحدة، وبذلك تضع من تلقاء نفسها التحديات والصعوبات أمام تقدمها وانفتاحها، وتضيف من آفاق تحررها، وتصنع مستبدها بأيديها من حيث تعلم أو لا تعلم.

المنظور النفسي لعبادة الزعيم
يمثل الزعيم (البطل) من المنظور النفسي (الأنا القيمية العليا) للجماعة، فتلحق به كل الصفات الجيدة والخارقة ويكون محصناً من العوامل الطارئة. ( فرويد وآخرون، ت: أسعد، 2002، ص 73).
كما يظهر النكوص ( العودة إلى سلوكات طفولية)، كأحد أهم التمثلات اللاشعورية للجماعة في هذا السياق، فالآلية النفسية التي تتجسّد من خلالها ظاهرة الزعامة هوامية طفلية، تخضع إلى (امتثالات لا إرادية) تهاجم أفراد الجماعة في الأحلام الليلية وأحلام اليقظة، حيث لا يستطيعون مواجهتها، لأنها تنطلق من جذور عميقة مؤطرة بتصورات ملأت نفوسهم، وطغت على حياتهم بقوتها وحضورها فترة طويلة، ففي المجتمع البطريركي، يعيش الإنسان أسير شبكة اجتماعية محكوم بها منذ نشأته الأسرية (داخل العائلة)، وتعلم من خلالها الوضعية الاتكالية، فهو غير قادر على مواجهة الواقع بقدراته الذاتية، فيبحث عن أبطال يتصرفوا نيابة عنه، في حاضره ومستقبله ومصيره وقدراته، فهو مثل الطفل الذي يطمئن إلى استبداد أبيه في ساعات الضعف، ليطلب منه حاجة يتمناها مع فارق في نوعية الحاجة والمتطلبات. ( حجازي، 1998، ص 107)

يٌمثل الزعيم رمزاً بالنسبة لأبناء جماعته (شعبه)، سواء كان وجوده شرعياً وبإرادة الجماعة، أو خارج إرادتها ولاشرعياً، و تخضع الجماعة للزعيم بكامل قراراتها المصيرية منها والثانوية، وتعيش معه تبعية كاملة، إلا أن هذه العلاقة والتبعية تشوبها (جدلية مشوهة)، بين الزعيم وجماعته، وهذا يضع الطرفين في موقع متأزم وإشكالي بشكل مستمر.( حجازي وآخرون، 1989،ص 175).
مهما فشل الزعيم في إدارة الجماعة فإن غالبية أعضائها يُنكرون هذا الفشل، ويسبغون على كل فشل تفوق صارخ بالتناقض مع الفشل الواقعي، وإن شعر الزعيم بأن جزء من الجماعة أو بضعة أفراد منها قد أدركوا مواطن فشله، وحاولوا الاعتراض، فإنه يستخدم سلطته المُطلقة، ويقوم بقمعهم بشكل عنيف غالباً، وهنا تشهد الجماعة أكبر مآزقها حين انقلب عليها من احتضنته، و نمّت فيه بذور الطغيان، وبات من المستحيل عليها التمرد والمواجهة، بعد أن أسلمته كل مفاتيحها.
* هذا الموضوع جزء من بحث منشور في مجلة “نفسانيات” بعنوان: (في سيكولوجية الجماعة وبناها الاجتماعية كجزء من صناعة الطغاةكيف تصنع الجماعات الطغاة)، د. خولة حسن الحديد.
