الحلم كنص
يُقدم الحلم نفسه كنص، وهو جمل مسلسلة تعرض سلسلة متوالية من السلوكيات والإحساسات والأفكار الملموسة (إنها التمثيلات)، هو متتالية مصبوغة باللذة أو بالانزعاج، أو بنسبة متغيرة منهما معاً (إنه الانفعال).
إن الحلم لا يتكلم ولا يفكر، و”فرويد” يقول بشدة إنه (عمل) ويقارنه باللغز الرمزي قائلاً: (إن أسلافنا وقعوا في خطأ عندما أرادوا تفسيره باعتباره رسماً)، في حين أن هذه الرسوم الصغيرة تمثل، (تحضر هنا على أنها) حروف ومقاطع وكلمات مطلوبة للتعيين والجمع في جملة، وليس هناك من يفك اللغز الرمزي – إلا إذا اهتم المُحلل – بل هناك الرغبة التي ليست لها علاقة كبيرة بالحاجة، وإلا كان ممكنناً إشباعها وإسكاتها، هناك رغبة مستعدة لانتهاز فرصة تسمح لها بشق الطريق حتى الأمكنة التي ستحظى فيها بإسماع صوتها، وبدقة فرغبة الحلم تتكلم حين تجد طريقها إلى التعبير، من أجل ألا نقول شيئاً فهي تحاكي وتحكي قصصاً، وفعل الكلام (التلفظ) هو الذي يقوم مقامها بعد فوات الأوان حجة على وجودها، وعندما يحصل لها الكلام (الاشتغال) تكون بذلك انهت مصيرها، وأحرزت شكلاً واحداً من الإشباع (عبرت عن نفسها وظهرت إلى الوجود مفرغة من عصارتها)، والأهم بالنسبة للاشعور يكمن في الطريقة التي يلاعب بها ممثليه، وفي قوة الإلقاء وفي البهلوانيات التي يفرضها عليهم، وفي طريقة التعجيل بنصهم الذي يحفظونه عن ظهر قلب، ولهذا ينبغي أن نرى فيه قوة وشكلاً.

خطاب نص الحلم/ الحلم – النص
لو تركنا التحليل النفسي وذهبنا إلى اهتمامنا الأساسي، وهو (عمل الحلم) وإذا صح القول – ما بين رغبته ومحكيها – رغبة لا توصف ولا تُصاغ أبداً، محكيها هو من يبتكرها في النهاية لأنه إلى هذا الحد نتعرف على اشتغال نفسي لم ننته بعد من محاولة قياس التأثيرات، والنص (كما نفهمه اليوم) تكون من هذا العمل وبه، إنه نوع أصيل من العمل، كما المواد الأولية التي تظهر كلما حولتها الصناعة وجمعتها للحصول على نتاج نهائي (وهذا ما يسمى بأثر مما بعد فوات الأوان)، إنه نوع أصيل من النص، الذي يقدم للقراءة خطاباً، والأصح بعضاً من الخطاب بدون عنوان، بدون قصد سابق، بدون محتوى محدد، وبهذا نكون على صلة بخطاب يبدو مشوهاً، وذا فجوات، وهو بالفعل محول ومنبَّر بوجه آخر .
تتطابق مع النظرة السابقة للحلم (كلمة ونص وخطاب) وجهة نظر عدد من الحداثيين الجدد وعلماء السيمولوجيا في قراءتهم للنماذج المختلفة للخطاب، فها هو “بريات سافاران” يرى في الحلم أنه (شكل حياة مستقلة ونوعاً من الرواية المطولة)، كما أنه التقط جيداً تناقض الحلم والذي يمكنه أن يكون لذة مكثفة وخالية مع ذلك من الشهوة الواقعية، ولا توجد في الحلم رائحة، ولا ذوق، ولذا فالأحلام عبارة عن ذكريات أو عن تركيب بين الذكريات (ليست الأحلام سوى ذاكرة المعاني)، وإن مثلها مثل اللغة، إنها تنشأ فقط من بعض الإشارات المختارة والتي تبقى معزولة عن لغة أخرى، ومن هنا، فإن الحلم، يمثل قصة، متهدمة، وإنه ليصنع من خرائب الذاكرة، ولقد قارنه (سافاران) بالتذكر المبهم للحن والذي نؤدي بعض منه من دون أن نصنع التناغم فيه.
*بتصرف، من كتاب”الحلم والذاكرة في نثر بورخيس”، خولة حسن الحديد، دارالطليعة، دمشق، 2006م.
