الحلم كلغة

يقول “فرويد”: (إن الحلم كلمة)، وتكوّنه من صور مرئية لا يخرجه عن كونه كذلك، وإذا كنا أكثر تحديداً فسنقول: (إنه كلمة أو نص مكتوب بكتابة مصورة لم تفك رسومها من قبل)، حتى أن “فرويد” يجد في الحلم ما يُضارع التفاصيل في الكتابة الهيروغليفية، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن تكون هناك لغة هي اللغة المستعملة في الأحلام، وهذه اللغة يجب أن تدرس من النواحي الثلاث التي تدرس منها اللغة عادة، أي في نحوها وبلاغتها ومفرداتها.

  • نحو الحلم

يُبين لنا “فرويد” إن الحلم لا يكاد يعرب عن علاقة من العلاقات سوى علاقة الشرط أو العلية، وهو يتوسل إلى الإعراب عنها بالتعاقب، فإن ورد حلم في أعقاب آخر غلب أن يكون الحلم الأول معادلاً لجملة شرط يكون الثاني جوابها، وهناك عدا هذا علاقة التشابه التي تعرب عنها لغتنا العربية بالكاف، أما سائر العلاقات كالاحتمال والنفي والضدية فهذه لا يكاد يعرف الحلم طريقة ما في الإعراب عنها بل يغفلها إغفالاً، ومعنى هذا أن الحلم فقير كل الفقر في (نحوه) وهو في ذلك يشبه كثيراً من الكتابات المصورة التي تقصر جلَّ اهتمامها على الإعراب عن (دوال) المعنى مغفلة (دوال) النسبة.

  • بلاغة الحلم

يعوض الحلم عن الفقر في النحو بثراء بلاغي يفوق التصور، فما من صورة من الصور البلاغية التي تعرفها اللغات النهارية إلا وجدناها في الحلم (الاستعارة، ضروب الكناية، المجاز المرسل، الرمز، المقابلة، التشبيه، الحذف، إطلاق اسم العلم في مجرى الصفة واستعمال القليل للدلالة به على الكثير)، حتى أن الحلم بوجه عام يسرف في استخدام الصور البلاغية إسرافاً هو الذي يؤدي إلى ذلك العطل الظاهري من المعنى، وإذا  كان هناك أسلوب للحلم فهو أسلوب (الحذف المخل)، وعلى مفسر الحلم (المحلل) المعرفة برمزية المحذوف بما لا يقل أهمية عن المذكور، والسر في هذا الإسراف البلاغي هو (الرقابة)، فإذا أنت تحدثت وشعرت بأن ثمة رقيباً على كلماتك، فإن أول ما تعمد إليه هو الحذف، واستخدام الألفاظ في غير مواضعها، وإذا كان هناك تعريف يجمع بين ضروب الأشكال البلاغية (كالمجاز المرسل، والكناية.. الخ)، فذلك هو كونها استعمالاً للألفاظ في غير مواضعها.

  • مفردات الحلم

وهي ما تُسمى ب (دوال المعنى)، وهنا أول ما يصادفنا هو الرموز التحليلية بالمعنى المحدود، فهذه الرموز هي الدوال الأساسية في لغة اللاشعور، وإنّا لنسمعها دائماً في حديث الإنسان الليلي (أي الحلم)، كما في أعراض مرضه وشعره وأساطيره.. الخ، ولا حد للمعاني التي يمكن أن تحملها صورة الحلم وهو ما أسماه “فرويد” – كما ذكرنا سالفاً – بظاهرة (التكثيف).

بالمجمل يُمكن القول عن لغة الحلم: إنها لغة تتميز بالفقر النحوي، مع الاستعمال المفرط للحذف في ترتيب السياق، ثم بالثراء البلاغي، فالتكثيف المعنوي .

*بتصرف، من كتاب “الحلم والذاكرة في نثر بورخيس”، خولة حسن الحديد، دار الطليعة، دمشق، 2006م.

Leave A Comment