الحلم وطبيعته وفق منظور التحليل النفسي

الحلم، ضرب من التفكير – وإن يكن تفكيراً بدائياً- وهو تفكير أثناء النوم، وأدواته الصور البصرية بدلاً من الكلمات والخطوط، كما في اليقظة، والأفكار فيه لا تكون مجردة، ولكنها تتجسد في أشكال مرئية، والحالم يرى في النوم أفكاراً وصوراً، فإذا استيقظ عاد يصوغ الصور أفكاراً في كلمات ينقلها للآخرين سارداً ما رأى في الحلم، ولعله لهذا السبب كان تعبير العرب عن الحلم بأنه (تعبير يفوق أي لفظ آخر بأي لغة من اللغات).

يظهر العالم للحالم في صورة ليست له في الواقع، ولكنها في ذهن الحالم وتكشف الأحلام عن مفهوم الحالم للعالم وصراعاته تجاهه، لذلك فالحلم له نكهة درامية خاصة تتمثل في (عقدة الحلم)، وفي الشد والجذب الذي يتعاود الشخصيات والحوار، والجو الدرامي الذي يخيم على صوره من حيث توزيع الأضواء، وظهور العتمة، أو الظلمة، والتخللات الضوئية والصوتية وكأننا نشهد فيلماً حقيقياً، له كل مقومات الأفلام ومع نهاية الفيلم، أو القصة لا تكون النهاية حاسمة، وإنمَّا هي مفتوحة نظراً لطبيعة المادة التي يتألف منها الحلم: (صراعات لم تحسم، رغبات لم تحقق في الواقع، حصر نفسي/انفعالي، استعادة أحداث يوم سابق، تنبؤ بأحداث مستقبلية..الخ).

آلية عمل الحلم

يقوم عمل الحلم على إلباس المحتويات الباطنية صورة تنكرية، قبل إخراجها إلى المحتوى الظاهر، حتى لا تقف الرقابة في سبيل خروجها، ولذلك يقول “فرويد” بالظاهر الحلمي، والمعنى الباطن الذي للظاهر، وتستخدم الأحلام ضمن ما تستخدمه (التكثيف والنقل)، إذ يبستر الحلم ويتكثف ويتصاغر حتى لتستطيع أن تحكيه في كلمات، أو سطور، مع أنه في الواقع يتحدث عن حوادث تستغرق أزماناً قد تبلغ السنوات، والحلم من أهم صفاته أنه مقتضب وهزيل، ومليء بالثغرات، إذا ما قارناه بسعة أفكار الحالم وغناه، وتذكر الحلم عملية تخضع كذلك للكبت، والتحريف، والنسيان، وما لا نستطيع تذكره قد نلفقه تلفيقاً، ولو طلب منَّا أن نوضح لزدنا الكلام حتى نملأ صفحات، ونأتي بحكايات وذكريات وأفكار خاصة كثيرة لا تنتهي، ثم إن حوادث الحلم قد تنقلنا إلى التفكير في أمور أخرى نهتم بها ونؤكد عليها ونتريث عندها ويطول شرحنا لها، وهذا ما يعنيه “فرويد” بالنقل.

إن كل ما ذكر سابقاً عن “الحلم” يتناول “الحلم الحقيقي”، ولكن ماذا عن الأحلام (التي لم تحلم قط) أي الروائية/ القصصية، تلك التي يرويها الأدباء على لسان أبطالهم؟ وهنا يحضر السؤال هل الحلم داخل النص الأدبي هو حلم المؤلف مدوناً؟ أم أنه حلم البطل داخل القصة؟ وهنا أيضاً جدير أن نذكر أن الأحلام تلهم أعمالاً أدبية كبيرة، كما عند دانتي و(الكوميديا الإلهية)، وقد كتب كوليردج قصيدته (Kubtakhan) مباشرة من الحلم، وقد استغرق الأمر طويلاً ليتحول الملهم في الحلم من روح أو إله، أو أحد الأسلاف، أو الشيطان.. إلى القول باللاشعور.

إن إخضاع الأحلام التي يعزوها الروائيون إلى أبطالهم الخياليين للدراسة والتمحيص قد تبدو فكرة باعثة على الدهشة، وغير ذات جدوى، ولكنها لن تبدو بلا مسوغ إذا نظرنا إليها من زاوية معينة، هي الكيفية التي استخدم بها الأدباء الحلم، وحتى وإن لم يزودنا البحث في هذا الاتجاه بأي عنصر جديد بخصوص ماهية الحلم، فإنه يسلط لنا قليلاً من الضوء على طبيعة الإنتاج الأدبي .

…..يُتبع

*بتصرف، من كتاب “الحلم والذاكرة في نثر بورخيس”، خولة حسن الحديد، دار الطليعة، دمشق، 2006م

*الأعمال الفنية للفنان المصري – الكندي وجيه يسي.

Leave A Comment