أولاً- الصوم في حضارات بلاد الرافدين
البابليون الكلدان
عرفت الحضارة البابلية الصيام الذي ارتبط تحديد مواقيته بعلم الفلك الذي برع فيه البابليون، وعُرف الصيام لديهم باسم“شبتو”، وهو اسم يطلقه البابليون في تقويمهم على الأيام الحرم، التي يحرم فيها أي شيء عدا الصوم والعبادة، كما سمى اليهود به أعيادهم وأيام السبت المقدسة.
لم يكن الصيام فريضة مُلزمة في بابل ولكنه كان مُستحباً، وكانوا يصومون ثلاثين يومًا متفرقة، بعدد ما تقطعه الشمس في كل برج من بروجها، وكان صيامهم بالامتناع عن الطعام والشراب من شفق شروق الشمس إلى غسق غروبها، ويفطرون على اللحوم من الألبان والنباتات إلا بعضٌ مما حُرّم منها، وحسب الدورة الفلكية صام البابليون الكلدان وفقاً لثلاثة أنماط:
* الصوم أربعة عشر يومًا متتالية في فصل الشتاء، موافقة لأعداد الكواكب السبعة المعروفة قديمًا وأفلاكها.
* الصوم سبعة أيام في الربيع، موافقة لأعداد الكواكب وحدها.
* الصوم تسعة أيام في أواخر الصيف موافقة لحركة الأفلاك.

الحرانيون
تقع مدينة حرّان حالياً جنوب شرق تركيا، وكانت ضمن بلاد الرافدين قديماً، وقد عبد سكانها الكواكب، ففيها عُرفت عبادة الإله “سين”/ إله القمر، ويُعتقد أن الحرانيين هم أوّل مَن صام بالشّكل المتعارف عليه الصوم اليوم، أي الامتناع عن الطعام والشراب وممارسة الجنس.
كان صيام الحرانيين يبدأ منذ شروق الشّمس حتى مغيبها، فكانوا يمتنعون عن الأكل والشرب والجنس، وبعضهم يمتنع عن الكلام، ويتزامن صومهم أحياناً مع تقديم الأضاحي الحيوانية للإله “سين” كي يعاود الظهور عليهم، وقيل أن الحرانيين نقلوا عبادة الإله”سين” إلى شبه الجزيرة العربية عندما احتلّ شمالها، الملك البابليّ “نابونيدوس” عام 552 ق.م، فصام العرب أيضاً صيام الحرانيين ذاته.

الصابئة
يعود تاريخ الصائبة إلى حوالي ألفين عام قبل الميلاد، وقد عاشوا في جنوب العراق منذ ذلك الحين لليوم، وُعرفت هذه الديانة بانفتاحها على شعائر الأديان الأخرى وتأثرها بها، وقد صام الصابئة صياماً شبيهاً بصيام البابليين الكلدان، أي ثلاثين يوماً لكنها فرضاً وليست نفلاً، موزعة على مدار العام، ويرتبط صيامهم أيضاً بالكواكب والأفلاك، وهذا ما يُسمى ب( الصوم الكبير)، وهو عبارة عن الامتناع عن جميع مظاهر الأذى بكل صوره وأشكاله، كالامتناع عن ارتكاب القبائح والرذائل والمنكرات، ويصوم بعضهم نفلاً خمسة أسابيع، ما يُمسى ب( الصيام الصغير) بالامتناع عن أكل اللحوم المُباحة لهم وغير ذات الذنب، ويأكلون ويشربون كل ما عداها، ولديهم صوم آخر في اليوم الخامس من شهر أيلول، قبل عيد الخليقة (البنجة)، وفيه تقع مراسيم التعميد والصلوات، وتقديم النذور والأضاحي على أرواح الموتى.
الموحدون في أور
قبل الميلاد بحوالي ألفي عام، ظهر في “أور” جنوب “بابل”، نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام، وفُرض الصيام في شريعته، فقد صام ثلاثة أيام من كل شهر، ودرج على نمط صيامه أتباعه أيضاً.

ثانياً- الصوم
في ديانات الهند القديمة
الهندوسية
يعتبر الصيام من الشعائر والطقوس المهمة لدى الهندوس، وهو عبارة عن تطهير وتقشف، وامتناع عن الطعام والشراب، ولصيامهم عدة أشكال وأنماط:
* صيام الكهنة: له أوقات خاصة في كل من الفصول الأربعة، وعند كسوف الشمس، واليوم الأول والرابع عشر من كل شهر قمري.
* صوم براك: يتناول الصائم طعامه وقت الظهيرة ثلاثة أيام متوالية، ثم يحوله إلى وقت العتمة ثلاثة أيام متوالية، ثم يصوم ثلاثة أيام متوالية لا يفطر فيها أبداً، ومنهم من يصوم ما يزيد عن ساعة فلكية، تبدأ بغروب الشمس وتنتهي بغياب الشفق الأحمر.
*صيام النساء المتزوجات: تصوم النساء في أوقات خاصة كما في عيد “كارفا شوت”، وهو عيد سنوي لمُدَّة يوم واحد، تحتفل به نساء الهندوس المتزوجات في شمال الهند وولاية غوجرات وأجزاء من باكستان، حيثُ يصمن من شروق الشمس حتى رؤية القمر في الليل، وذلك هذا ابتهالاً للإله “سوريا” و”آلهة القمر”، من أجل صحة وطول عُمر أزواجهن.
كما يوجد نوع من الصيام القاسي في الدين الهندوسي، يصل إلى حد إلحاق الضرر بالجسد، وقد يؤدي إلى الموت.

البوذية
يرتبط الصيام في الفكر البوذي بالتأمل الملازم للامتناع عن الطعام والشراب باستثناء الحليب، ويبدأ منتصف النهار حتى طلوع الفجر من اليوم الثاني، ويأخذ عدة أوقات، منها ثلاثة أيام متفرقة على طول السنة من يوم ميلاد بوذا في شهر مايس حين اكتمال القمر، وفي شهر حزيران والذي يعتبر أول يوم في أداء فريضة الصيام في الديانة البوذية، ويختم الصيام في شهر تشرين الأول، كما يصوم بعض البوذيين يوماً من كل شهر، عند اكتمال القمر في الرابع عشر من كل شهر قمري.
السيخ
لا يصوم السيخ الصيام المُعتاد بالامتناع عن الطعام والشراب، فالصّيام ليس فرضاً بهذا الشكل، وإنما هو صياماً عن الرّغبات والانصراف للتأمل، إذ يعتقدون أن الصيام عن الطعام والشراب يسبب الضرر للجسم، ويلتقي السيخ مع الزرداشتية في هذا الأمر، فالصيام عند زردشت إضعافاً للفلاح في مزاولة العمل، والمطلوب أن يكون أتباع هذه الديانة القوة، إلا أن الفيلسوف الفارسي (ماني بن فاتك) المولود سنة 215م وضع بعد وفاة زرداشت برنامجاً للصيام، ولكنه كان شاقاً ومتعباً، فأبقي غالبية الأتباع على مبادىء زرادشت بعدم الصيام.
ثالثاً- الصيام لدى قدامى اليونانيين والرومان
قيل أن اليونانيّن أخذوا عادة الصّوم عن المصريّين القدماء، وكانوا يصومون عدة أيامٍ متتاليةٍ قبل الشّروع في الحرب، كنوعٍ من التدريب على قوة التحمُّل، وطلبًا للنصر من الآلهة، كما ارتبط الصيام عند اليونان بشعائر وضعها الكهنة، فأسبغوا عليه طابع الغموض والسرية، وقسموها إلى أسرار صغرى وأسرار كبرى، فالأولى تقام في فصل الربيع بالقرب من أثينا، ويغمر فيها طلاب الأسرار أنفسهم بالماء، فيستحِمون ويصومون، وعند طلب الأسرار الكبرى وهي الفترة التي تدوم أربعة أيام لمن حاز الأسرار الصغرى، يُعاد عليهم الاستحمام والصيام، والذين سبقوهم في الأداء في مثل ذلك الموعد من العام الماضي، كانوا يؤخذون إلى الاندماج حيث الاحتفال السري، وهناك يفطر المبتدئون الصائمون بأن يتناولوا عشاء ربانيًا إحياء لذكرى الإله (رملتر)، كما كان صوم اليوم الثالث من شهر (تهسموفيريا) اليوناني خاصاً بالنساء.

كان شعب الإغريق يقبل على أنواع مختلفة من الصيام خلال تعرضهم للخطر والكوارث، كما كانت هناك مدن تستقل بصيام خاص بها، فكانت مدينة “تورنتم” تصوم في كل عام شكراً للآلهة على النجاة من حصار تعرضت له، فلما تخلصت منه، التزمت هذا الصيام بشكل دوري.
تأثر الرومان بالصيام على الطريقة اليونانية، فالصيام لديهم كان يشبه صيام اليونانيين بالامتناع والحرمان الممزوج بتعاليم مبهمة وضعها الكهّان، وكانوا يصومون قبل الحرب ليعتادوا على الصبر والتحمل راجين النصر، كما اتبع رجال الدين ممارسات خاصة في الصيام كالتي سادت لدى اليونانيين.
*تمت الاستعانة لكتابة هذا الموضوع بالراجع التالية: ( (صلاح الدين عبدالله: شعيرة الصيام عبر التاريخ، رافد علاء الخزاعي: التطور التاريخي للصيام، د.أحمد شلبي: مقارنة الأديان، أديان الهند).
