الصوم لدى بعض القبائل البدائية

تعددت أشكال الصوم وطقوسه لدى القبائل البدائية في مختلف أنحاء العالم، وفي كل تلك الثقافات ارتبط بطقوس العبادات والتقرب من الآلهة، وبالموت على وجه خاص، وكوسيلة لترويض الجسد وتهذيب النفس والتكفير عن الخطايا، وطلباً للرؤية لمزيد من السيطرة على الطاقة الروحية، وفي بعض الحضارات القديمة كان الصوم وسيلة لرفع غضب الآلهة، أو لإعادة بعث آلهة بعد موتها.

في حين مورس الصوم قبل وأثناء طلب الرؤية لدى هنود شمال أمريكا من سكان السهول الكبرى وشمال غرب الباسفيك،  وكان الشامانيون ( أتباع الديانة الشامانية) يعتقدون بالقدرة علي الشفاء بالاتصال الروحي مع الشخصيات الدينية القادرة علي الرؤية، والتي اكتسبت هذه الصفة بعد إصابتها بأمراض لا يمكن معرفة أسبابها، وهذا ما كانت تعتقد به شعوب “الفنك/ الإيفينك” الذين يسكنون في سيبريا، إذ اعتاد أصحاب الرؤى الصوم بعد الرؤية الأولى للتدريب على رؤى أكثر تمنحهم عمق أكبر للسيطرة عل قدراتهم الروحية، وتكشف لهم ما خفي عن الآخرين.

كما مارست قبائل الهنود الحمر في جنوب غرب أمريكا الصوم، كجزء من طقوس الاحتفال بتغيير الفصول الموسمية، وبعض المناسبات الدينية الكبرى.

في الصين القديمة يصوم الناس قبل وخلال الاقتران الخريفي في أول كل عام، وبقي هذا الطقس معروفاً في الصين حتى مطلع الخمسينيات من القرن العشرين، فكان هناك أيام محددة للصوم والانقطاع قبل التضحية في ليلة الانقلاب الشتوي، قبل أن يبدأ الإلهة يانج ( القوة الموجبة ) دورة حياة جديدة .

أشار عالم الانثربولوجيا “جيمس فريزر” في كتابه (الغصن الذهبي) إلى أن طقوس الصوم في معظم المجتمعات البدائية تسبق رحلات الصيد أو الحروب، وذكر نماذج عدة من بعض المجتمعات الإفريقية.

الصيام عن الكلام (الصمت)

لم يقتصر الصوم عند البدائيين على الامتناع عن الطعام والشراب ومعاشرة النساء، بل كان له أشكال أخرى، كالصوم عن الكلام لدى بعض القبائل الإفريقية، ففي قبيلة كوتو التي تسكن الكونغو، تصوم الأرامل عن الكلام حداداً على أزواجهن مدة ثلاثة شهور قمرية، و خلالها يحلقن شعورهن ويجرّدن أنفسهن من كل ملابسهن تقريباً ويطلين أجسادهن بالجص، وتنتشر هذه العادة أيضاً لدى قبيلة سيهاناكان التي تسكن مدغشقر، كما  عُرف هذا التقليد لدى السكان الأصليين لأستراليا، إذ كان من ضمن طقوس الحداد، فعلى المرأة أن تصوم عن الكلام لمدة قد تصل إلى العام، إذا مات زوجها.

الصيام عن الكلام تمارسه لليوم بعض فئات من المسلمين، ففي كل أول يوم أحد من شهر شعبان من كل عام، يصوم بعض العراقيين يوم ما يُسمى ب“يوم زكريا” أو “صوم زكريا” إحياءً لطقس النبي زكريا عليه السلام عندما صام وطلب من ربه أن يرزقه ابناً، ويتم ذلك ضمن طقس ديني اجتماعي، إذ يترافق الصوم عن الكلام بتقديم النذور، واضاءة الشموع في أوعية وتركها تجري مع الماء في نهري دجلة والفرات، ورغم الفتاوى الدينية بحرمانية هذا الصوم وهذه الطقوس، ما زال بعضهم يمارسها، وبكل حال، الإمساك عن الكلام هو طقس معروف ومرتبط بكثير من حالات الزهد والتصوف والاعتكاف واعتزال الناس، لدى معظم ثقافات شعوب العالم قديمها وحديثها.

الصيام عن المأكولات الحيوانية وأنواع من الخضار

بعض الديانات تفرض على أتباعها الصوم عن المأكولات الحيوانية، كالديانة “الجاينية / اليانيّة”، وهي إحدى ديانات الهند القديمة، والتي تقوم شعائرها على أسس من الزهد والتحكم بالنفس وتحرير الروح من المادة من أجل الارتباط الإلهي، ومن ذلك عدم تناول الطعام إلى درجة الشبع،  وفي صيام أتباعها تفرض قواعد نباتية معينة، انطلاقاً من مبدأ اللاعنف (آهيسما) تجاه جميع المخلوقات الحية، والذي يُمثل جوهر هذه الديانة، فيمتنع معتنقوها عن جميع المأكولات الحيوانية بما في ذلك أكل البيض، ويُسمح فقط  بشرب الألبان مع شرط عدم تعريض أي حيوان للعنف أثناء عملية إنتاج الحليب.

من تعليمات الديانة الجاينية / نص قديم

يصوم الجاينيون في أوقاتٍ محددة من السنةِ، خاصةً خلال المهرجانات، وتُدعى هذه الممارسة “أوبافاسا، تاباسيا” أو “فراتا”، ويصوم الرهبان الجاينيون عن الخضراوات الجذرية كالبطاطا والبصل والثوم، وذلك لتعرض المخلوقات الحية الدقيقة للأذى خلال عملية قطاف هذ النوع من الخضراوات، كما يُنظر إلى قدرة الدرنات أو البصلات على التبرعم على أنها ذات مرتبة أعلى بين الكائنات الحية.

لليوم يوجد ما يقارب الأربعة إلى خمسة ملايين متّبع  لهذه الديانة حول العالم، معظمهم يتواجدون في الهند، وأكبر تجمّعات للديانة الجاينية حول العالم بعدَ الهند هي في كندا وأوروبا وكينيا وبريطانيا، ويلتزم غالبيتهم بتعاليمها الخاصة بالصيام وغيرها من طقوس.

*تمت الاستعانة لكتابة هذا الموضوع بالراجع التالية: ( جيمس فريزر: الغصن الذهبي، جيمس فريزر: الفلكلور في العهد القديم).

2 Comments

  1. Zidon jondy May 15, 2020 at 7:14 pm - Reply

    مشكورين
    معلومات جديدة علي 🌹

    • kmarabia May 15, 2020 at 7:34 pm - Reply

      شكراً للمتابعة، ونتمنى متابعة هذه السلسلة عن الصيام لدى مختلف الثقافات، في مقالات قادمة.

Leave A Comment