الصوم كطقس وشعيرة من شعائر العبادات، لم يكن وليد ما يُسمى ب“الأديان السماوية”، إنّما عرفت الحضارات القديمة كلها تقريباً هذا التقليد، والذي ارتبط بالعبادات والتقرب من الآلهة، واختلفت وتنوعت الطريقة وعدد أيام الصوم حسب فلسفة كل معتقد وثقافة وديانة.

يذكر بعض المؤرخين أن أول من صام تعبّداً هم المصريون القدماء وانتقل منهم إلى بلاد الإغريق، في حين يذكر بعضهم الآخر أن عادة الصيام بدأت من بلاد الرافدين في بابل وسومر، وانتقلت منها إلى الشعوب الأخرى، ولا أحد يُمكنه الجزم بأقدمية أي شعب أو حضارة قد بدأ شعبها ممارسة هذا الطقس.
الصوم لدى المصريين القدماء
وردت كلمة “صوم أو صيام” فى نصوص اللغة الهيروغليفية (المصرية القديمة)
باسم”صاو”، وتعنى امتنع أو كبح، أما حرف “الميم” فيعني ( من أو عن)، فتكون “صاوم” أو “صوم” معناهما امتنع عن الطعام أو الشراب أو الكلام، حسب قاموس “د. بدوي وكيس”.

يُعبر الصوم لدى قدامى المصريين عن الثقافة التي كانت سائدة، والتي ألغت الحدود بين الدنيا والآخرة، وهذا ما يتجلى في مقابر المصريين وآثارهم، وفي أنماط حياتهم التي وصلتنا من خلال الرُفم والبرديات والآثار، وضمن هذا السياق كان فريضة دينية حيناً وتحبباً حيناً آخر، يتم التقرب بها من أرواح الأموات أو الإله، ولتهذيب النفس وتطهيرها والحفاظ على الصحة، إذ اعتقدوا أن صيام الأحياء يرضي الموتى ويتضامن معهم لحرمانهم من طعام الدنيا، ويرافق الصوم أحياناً طقوس غير مفهومة وغامضة، وكان مفروضاً على كهنة المعابد والشعب، إذ يختلف صوم كل فئة منهما عن الأخرى:
صيام الكهنة وخدم المعابد: يجمع صيام الكهنة بين كونه فرضًا أو استحبابًا، وله مواعيده محددة، وأحياناً ارتبط بحدث مفاجىء فيُمارس بأي وقت.
يبدأ كاهن المعبد حياته الكهنوتية بالصوم عن الماء لمدة سبعة أيام متتالية / مصادر ذكرت ستة أيام/ – كفرض – قبل أن يلتحق بخدمة المعبد، وأحياناً تطول فترة الصيام لتصل إلى اثنين وأربعين يومًا، وبعد التحاق الكاهن أو الخادم بالمعبد كان يمر صيامه بعدة مراحل قبل اعتماده في المعبد، منها صيام عشرة أيام عن أكل اللحم وشراب النبيذ، ثم يعقب ذلك تلقينه واجباته المتعلقة بالمسائل المقدسة وذلك بعد صيام عشرة أيام أخرى.

يبدأ صيام الكهنة قبل طلوع الشمس ويمتد إلى غروبها، يُمتنع خلال هذه المدة عن تناول الطعام ومعاشرة النساء.
مزج كهنة المعابد صيامهم بالأسرار المبهمة، كغيرها من طقوس عباداتهم، ظناً منهم أن ذلك يُضفي القدسية عليهم، ولذلك كانوا يقضون لياليهم في النسك والتطهر والعبادة، فمثلاً كانوا يحتفلون ب” هلال القمر” بأن يحملوا مصابيح زيتية للإضاءة ومباخر التبخير، وينشدون “واح وى واح وى إيإ ياح”، ويستمر هذا الطقس طوال الليل حتى شروق الشمس.
كان الكهنة أيضاً يمتنعون عن شرب الخمر، وعن أكل كل أنواع اللحوم لعدة أيام قبل احتفالاتهم السنوية، وقبل قيامهم بالإفتاء في الشرائع الدينية، وكان لديهم صيام يعرف بـ (الستة أيام البيض)، الذي كان يسبق احتفالات “أوزوريس” من كل عام.

صيام الشعب: ارتبط صوم عامة الشعب بنهر النيل وتقديسه، وبمواسم الحصاد وجنى الثمار، إذ كان هناك صيام في فصل الفيضان (فيضان نهر النيل)، يبدأ عندما يحل اليوم السابع عشر من الشهر الثالث منه، يمتد على أربعة أيام من كل عام، كما كان هناك نوع آخر من الصيام يُحرّم فيه أكل كل شيء من الطعام إلا الماء والخضار، ويمتد لسبعين يوماً، إضافة إلى الصيام في الأعياد، كعيد الوفاء للنيل كونه مصدر الخير والرزق ولتجنب غضبه، إذا كثيراً ما اعتبر فيضانه تعبيراً عن الغضب وعدم الرضا عن حال الناس، وفي مواسم الحصاد وخلال جني الثمار أيضاً.
كما ارتبط الصوم في مصر القديمة بفلسفة الحفاظ على الصحة، إذ تبين النصوص الهيروغليفية، أنهم عرفوا فوائد الصيام وانعكاساته الإيجابية على جسم الإنسان وشجعوا عليه، فكانوا يعتقدون أن صيام ثلاثة أيام فى الشهر، يساعد على البقاء بصحة جيدة، وهذا ما كان يفعله عامة الشعب.

ذكرت بعض المصادر أن المصريين مارسوا الصوم أيام الفتن، تضرعاً للآلهة لإنهائها، واعتراضاً على صُناعها.
تجليات حضارة الفراعنة في سلوك المصريين المعاصر
(وحوي يا وحوي إياحا أو إيوحا)
يستخدم المصريون اليوم بعض الكلمات التي ترتبط بالصيام وشهر رمضان المبارك، والتي تعود بتاريخها إلى عصور الفراعنة، وبعضها يغنيها الأطفال لاستقبال شهر رمضان، من مثل (وحوي يا وحوي إياحا أو إيوحا)، وهي كلمات مصرية قديمة، فكلمة “وحوي” مركبة من “واح + وي”، وفي اللغة المصرية القديمة تعني الظهور، ومنها كلمة “لاح” أي ظهر، وكلمة “وي” تعني نداء أي أن العبارة هي نداء للقمر بالظهور، ومن المعروف أن التقويم المصري كان قمرياً قبل أن يكون شمسياً عام 4241 ق. م، ولكنه ظل قمرياً في الاحتفالات والأعياد.

كلمة “إياحا” هي اسم الملكة “إياححتب”، زوجة الملك “سقنن رع”، التي تُعتبر من أشهر ملكات الفراعنة لأنها وقفت إلى جانب زوجها في حربه ضد الهكسوس والتي انتهت بموته، وأكملت الدور مع ابنها الكبير “كامس” في حربه ضدهم والتي انتهت بموته أيضاً، فكانت بعده هي الوصية على الملك “أحمس” الذي سًمي ب” قاهر الهكسوس”، ولم يتجاوز عمره حينها العشر سنوات، فقامت هي بإدارة شؤون الحكم سياسيًا وعسكريًا، حتى كبر “أحمس” وآل إليه، وخلال حكمها جمعت شمل الجيش ووضعته تحت رعايتها، وقبل حرب التحرير من الهيكسوس، أعلنت “إياححتب” النفير وتجنّد الرجال من كل بقاع مصر، وألقت خطاباً حماسياً، قالت فيه لابنها “أحمس”: (لا تعود إلا بالنصر)، ولليوم يستذكر المصريون هذا الأمربالقول: “وحوي إياحا”.
*تمت الاستعانة بكتابة هذا الموضوع بالمراجع التالية: ( الأديان وفلسفة الصوم: عبد الحكيم صادق،
الريان في مفهوم الصيام بين الأديان: حقائق علمية – صحية طبية – رؤى نفسية، حمد بن علي الصفيان،
الصيام فى الحر والتدين المغشوش: مجاهد خلف).

شكراً لكم بانتظار المزيد
شكرا زيدون. إن شا الله سيتم استعراض الصوم عند مختلف الثقافات. تابعنا. مع الامتنان لاهتمامك
حتى فلاسفة اليونان أفلاطون و سقراط و غيرهم كانوا يصومون من 7 إلى 10 أيام ..
الصيام موجود خارج الأطر الدينية
طبعااااا موجود بمختلف الثقافات. وببعضها له أشكال أخرى غير الامتناع عن الطعام والشراب. وسنذكرها لاحقا. شكرا سومر