العبودية في حضارات اليونان القديمة

يقول “أرسطو”: (نحن اليونانيين، مختارون ومنتخبون، وثقافتنا هي الأفضل وحضارتنا هي الأفضل، ورجالنا هم الأفضل، وكل الآخرين هم برابرة، ومن واجبنا الأخلاقي أن نغزوهم ونستعبدهم، وإذا لزم الأمر ندمرهم).
كانت نشأة العبودية في أول الأمر في حضارة بحر إيجه – حضارات العصر البرونزي لكل من اليونان وبحر إيجه – حيث هناك لوحات موجودة في مدينة بيلوس اليونانية تدل على وجود 140عبد، وكان هناك فئتين من العبيد: العبيد العوام وعبيد الآلهة، والشائع أن عبيد الآلهة كانوا ينادَون بأسمائهم ويتملكون أراضيهم، وموقفهم القانوني أقرب ما يكون إلى الأحرار، وتوضح اللوحات أيضاً إن الوحدة بين العبيد والأحرار كانت شائعة، فالعبيد كانوا يستطيعون أن يتملكوا أراضيهم وأن يصبحوا حرفيين مستقلين، ومن هذا المنطلق يتضح أن التمييز لم يكن بين العبيد والأحرار، وإنما بين المقربون إلى القصر وغير المقربون، وهذا يشبه كثيراً واحداً من أنواع العبودية الحديثة في زماننا الحالي.
  نصح الفيلسوف زينوفون (تلميذ سقراط)، بأن تتم معاملة العبيد تمامًا مثلما يتم التعامل مع الحيوانات الأليفة، أي نعاقب غير المطيعين ونكافئ ذوي السلوك الجيد، وكان رأي “أرسطو” أن  تتم معاملة العبيد مثلما نعامل الأطفال، وألا نستخدم الأوامر فحسب، بل النصائح أيضاً، فالعبد يستطيع فهم الأسباب وراء أي شيء إذا ماشرحت له!

كان لدى إسبارطة القديمة نمط خاص من الأقنان أُطلق عليهم “هيلتوس”، فاق عدد الهيلتوس سبعة أضعاف عدد الإسبارطيين، ووفقًا لما ذكره الفيلسوف والمؤرخ اليوناني “فلوطرخس” أن القادة الإسبارطيين أعلنوا في كل خريف الحرب على شعب الهيلتوس، بحيث يمكن لأيّ مواطن إسبارطي قتل هيلوت دونما رهبة من الدماء أو إحساس بالذنب، وذلك بهدف إبقائهم تحت السيطرة.

تمرد العبيد وثوراتهم
حدثت ثورات العبيد في جميع المجتمعات تقريباً التي تمارس نظام العبودية، ومن بين أشهر  الثورات تلك التي كانت تحت قيادة العبد الروماني “سبارتاكوس”، قاد سبارتاكوس أشهر تمرد عبيد في أوروبا بإيطاليا الرومانية، التي دُعيت حرب العبيد الثالثة، أسفرت هذه الحرب عن صلب 6000م من العبيد المتمردين الناجين على امتداد الطرق الرئيسية المؤدية إلى روما، كانت هذه الحربَ الثالثة في سلسلة حروب العبيد المنفصلة، والتي خاضها العبيد ضد الرومان.
وتُعدّ الثورة الهايتية في القرن الثامن عشر أنجح حركة تمرد عبيد في التاريخ، والتي قادها “توسان لوفرتور” ولاحقًا “جان جاك ديسالين”، اللذان انتصرا في الحرب ضد حكامهما المستعمرين الفرنسيين.

وفي القرن التاسع قامت ثورة الزنج ضد الخلافة العباسية، والتي قادها “علي بن محمد”.
وكذلك ثورة الفلاحين الإنكليزية عام 1381م، كانت ثورة الفلاحين واحدة من الثورات الشعبية في أواخر العصور الوسطى في أوروبا، ومن إنجازاتها أن وافق “ريتشارد الثاني” على الإصلاحات، بما في ذلك الإيجارات العادلة وإبطال العبودية، ولكن بعد انهيار الثورة سرعان ما أُُلغيت تنازلات الملك.
وقعت العديد من تمردات العبيد الأفارقة في أمريكا الشمالية خلال كل من القرن السابع والثامن والتاسع عشر، وهذه ثلاثة من أشهَر الانتفاضات في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر: هي ثورة “غابرييل بروسر” في منطقة ريتشموند بولاية فرجينيا عام 1800م، انتفاضة “دنمارك فيسي” في تشارلستون في كارولاينا الجنوبية عام  1822م، وانتفاضة “نات تيرنر” في مقاطعة ساوثهامبتون في فرجينيا عام 1831م.
بقيت العبودية المؤسسة الرئيسية في روسيا حتى عام 1723م، عندما حول بطرس الأكبر العبيد إلى أقنان منزلية، حُوّل العبيد المزارعون الروس رسمياً إلى أقنان في وقت مبكر من عام 1679م، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، شكّل الأقنان الفارّون والخولوبس المعروفون باسم “القوزاق”، مجتمعات مستقلة في السهول الجنوبية، ظهرت العديد من التمردات ضد العبودية، مثل انتفاضات “إيفان بولوتنيكوف” بين عامي 1606 و1607م، و”ستينكا رازين” بين عامي 1667 و1671م، و”كوندراتي بولافين” بين عامي 1707 و1709م، و”إميليان بوغاتشيف” بين عامي 1773 و1775م.

الفلاحون في روسيا كانوا ملكية خاصة وسميوا ب”الأقنان”

إلغاء وتجريم العبودية
زادت قوة حركة إلغاء الرق بوجود مجموعات “الكويكرز”، التي عملت على إحداث تغيير جذري، وبدأت عدة ولايات ضمن الولايات المتحدة، بدأت من ولاية فيرمونت في عام 1777م بإصدار قوانين تجرم الرق والاتجار بالرقيق قبل التشريع الاتحادي بفترة طويلة، وفي عام 1792م كانت الدنمارك أول دولة أوروبية تلغي تجارة الرق، وبحلول عام 1807م، كانت كل من بريطانيا العظمى والولايات المتحدة قد ألغتا تجارة الرقيق عبر الأطلسي، إلا أن هذه الجهود لم تعلن انتهاء الرق، إلى أن أنهى قانون إلغاء الرق لعام 1833م العبودية في كندا وجزر الهند الغربية البريطانية ورأس الرجاء الصالح، في حين وقع قانون إلغاء الرق الهندي في عام 1843م، وتبعتها بريطانيا وأمريكا، وعقدت بريطانيا بعدها معاهدة ثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية عام 1848م، لمنع هذه التجارة، بعدها كانت القوات البحرية الفرنسية والبريطانية تطارد سفن مهربي العبيد، وحررت فرنسا عبيدها وحذت حذوها هولندا، وتبعتها جمهوريات جنوب أمريكا ما عدا البرازيل حيث استمرت العبودية بها حتى عام 1888م.

اجتماع لإعلان تحرير العبيد و الرئيس-الأمريكى أبراهام لنكولن

نص الدستور الأمريكي على إلغاء العبودية عام 1865م، وفي عام 1906م وفي مؤتمر العبودية الدولي قررت الدول المجتمعة منع تجارة العبيد، وإلغاء العبودية بشتى أشكالها.

أصبح تملك العبيد محظورًا ومقموعًا تدريجياً في أراضي المسلمين في أوائل القرن العشرين (بعد الحرب العالمية الأولى)، وتم إلغاء العبودية بشكلٍ قانوني في موريتانيا عام 1981م.
بينما يذكر كتاب “الخديوى إسماعيل ومعشوقته مصر” أن أول من منع الاتجار بالرق كان “محمد على باشا”، ولكن الظروف الدولية ووقوف الدول الأوروبية كلها فى خندق واحد ضده، فكان إلغاء الرق هذا اسمياً فقط، ومع بداية حكم إسماعيل بدأ فى تنفيذ ومحاربة تجارة الرقيق، ففي عام 1863م، أرسل “موسى باشا” حكمدار السودان وقتئذ يأمره بتعقب تجار الرقيق وحربهم والقضاء على تجارة العبيد، لكن الكتاب أكّد أن الإنجليز حاربوا إسماعيل فى تنفيذ مخططه، ولم يكن يعلم الخديوي حجم المؤامرة التى تقوم بها بريطانيا التى كانت تمارس تجارة الرقيق فى الخفاء، وفى العلن تتحدث عن حقوق الإنسان وإلغاء الرق فى مصر،  حتى إنها وقعت مع مصر اتفاقية فى 4 أغسطس 1877م، بهدف منع الاتجار في الرق، لكن بريطانيا استخدمتها للتدخل فى شؤون البلاد، والحفاظ على تجارتها السرية.
في عام 1856م، كتب “روبرت إدوارد لي” – قاد جيش القوات الكونفدرالية في الحرب الأهلية الأمريكية-: (أعتقد أن القليلين في هذا العصر المستنير، أولئك الذين لا يعترفون بأن الرق خطأ سياسياً، ولا جدوى من الحديث عن مساوئه، أعتقد أنه كان أسوأ بالنسبة للمستعبد من العبد، على الرغم من تعاطفي وأنا أكتب هذه الرسالة لهذا الأخير “العبد”، أتعاطف كثيرا معهم أكثر مما سواهم، السود هنا أفضل حالاً يقاس فيما كانوا عليه في أفريقيا، أفضل أخلاقيًا ومادياً واجتماعياً، الانضباط القاسي الذي فُرض عليهم كان ضرورياً لنجاحهم التثقيفي كعرق، وتم إعدادهم لأشياء أفضل، وطول فترة استعبادهم كم من الأشياء الضرورية تعلموها، والتي قد لا تعلمها إلا العناية الإلهية).
العنصرية ضد السود
توقفت السفن عن نقل العبيد من إفريقيا، ولكن لعنة الشمس لاتزال تلاحقهم، فلطالما رافقت أصحاب البشرة السوداء صفة العبودية، ولاتزال إلى يومنا هذا، متجاوزين كل ما توصل إليه العلم عن أسباب هذا التلوّن في البشرة والانتخاب الطبيعي، ولاتزال العنصرية قائمة انطلاقًا من لون البشرة، ولم يكن “جورج فلويد” الذي قتل على يد شرطي أميركي أبيض  مساء 25 مايو/أيار 2020 م الضحية الأولى، فقد صرّحت منظّمة (Mapping Police Violence ) في دراسة أجرتها أنّ السود يقتلون على يد الشرطة، أكثر بثلاث مرات من البيض، وتظهر بيانات نشرتها صحيفة “واشنطن بوست” أنّ 1014 شخصًا أسودًا، قتلوا على يد الشرطة في عام 2019م.

 العنصرية ليست مرتبطة بأميركا أو الغرب فقط، فكذلك الجغرافية العربية لها حصة بذلك، وإلى الآن يُنادى للسود بكثير من الدول العربية “بالعبد” وكم مرة أكلنا “رأس العبد” (نوع من الحلوى لونها أسود)، وكم مرة سمعنا (لا تشتَرِ العبد إلا والعصا معه…… إن العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ).
يقول “كلود مكاي”، أحد رموز نهضة هارلم الشعرية في قصيدته “إذا كان لا بد من موتنا”:
إذا كان لا بد من موتنا
فلا يكن مثل موت الخنازير
تُصاد وتُحبس في بقعة وضيعة
فيما تنبح حولنا الكلاب النهمة المسعورة
هازئةً بحظنا الملعون
فلنستبسِل وإن فاقنا أعداؤنا عدداً
نردّ على ضرباتهم العديدة بضربة قاضية
فما الذي أمامنا سوى قبور فاغرة أفواهها؟
سنواجه عصابة القتلة الجبناء مواجهة الرجال
وحتى إذا متنا
سنكون قد دافعنا عن أنفسنا بشرف. ……………
ويقول “راي دوريم” في قصيدته “أعرف أني لست غامضاً”:
يفلت مني المجاز
ولا أجد هذه الكلمات اللطيفة الفاتنة
لألبسها للمذبحة
تعالوا أيها الشعراء
الشاحبون الباهتون الحالمون اللطفاء،
ها هي امرأة سوداء تطفح الدم
في مطبخ رجل أبيض
لأجل قليل من المال ولا مجد
كيف أحكي تلك الحكاية؟
وولد أسود جعله الموت أشد سواداً
وجهه مدفون في وحل كوريا البارد
تعالوا بموسيقاكم الراقصة السريعة الجياشة
بيّنوا له لماذا لم يعد حياً.

*بقلم: محمود عبود.

Leave A Comment