العبودية المعاصرة
في الثاني من ديسمبر من كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي لإلغاء العبودية، وهو اليوم الذي اعتمدت فيه الأمم المتحدة الاتفاقية الخاصة بإلغاء نظام الاستعباد، وتجارة الرقيق في عام 1949م.
على الرغم من سن القوانين التي تمنع وتعاقب الاستعباد، إلا أن هذه التجارة استمرت، وببعض الأحيان جاءت بأشكال ومسميات مختلفة، وعلى حسب ماجاء على موقع “فاكت سلايدس” الأميركي أن الهند تتصدر دول العالم في العبودية في الزمن المعاصر، بمعدل يفوق 14 مليون هندي يشتغلون كعبيد، حسب مؤشر العبودية العالمي لعام 2014م.
وجاء في التقرير السنوي لمنظمة “ووك فري” العالمية للبحوث “مؤشر العبودية العالمي لعام 2018م” والذي أُعلن في مؤتمر صحفي عقده مسؤولو المنظمة بالمقر الدائم لـ الأمم المتحدة في نيويورك:
(يعيش حوالي 40.3 مليون شخص تحت العبودية بينهم نحو 400 ألف في الولايات المتحدة، وتشمل العبودية الحديثة وفقا للتقرير الاتجار بالبشر، والعمل القسري والزواج القسري، وبيع واستغلال الأطفال، فضلاً عن العبودية نفسها)، ولفت التقرير الانتباه إلى أن هذا النوع من العبودية يتركز في كوريا الشمالية بنسبة واحد بين كل عشرة أشخاص، مشيراً إلى أن أعداد المستعبدين في العصر الحديث زاد بشكل ملحوظ في الولايات المتحدة (واحد بين كل 800 شخص)، وأستراليا وفرنسا، والبلدان الأوروبية الأخرى.

يقول “مالكوم إكس”: (يجب عليكم قراءة تاريخ الاستعباد لفهم هذا، كان هناك نوعان من العبيد، عبيد المنازل وعبيد الحقول، عبد البيت يعتني دائماً بسيده، وعندما يبتعد عبد الحقول نوعاً ما، سيمنعه ويعيده إلى الحقل عبد البيت، كان يسمح لنفسه بفعل هذا لأنه كان يعيش أفضل من عبد الحقول، كان يعيش في بيت أحسن، ويعيش جنباً لجنب مع سيده، في العلّية أو القبو، يأكل أحسن ويلبس أحسن، يأكل أكل سيده نفسه، ما تبقى منه طبعاً، ويلبس ملابسه نفسها، ويمكنه الكلام بطريقة سيّده وبفصاحته نفسها، ويحب سيده أكثر من حب سيّده لنفسه، ولهذا لا يريد أن يرى سيّده مريض، عندما يمرض سيده، يقول له، ما بك سيدي، هل نحن مرضى؟ وحين يحترق منزل سيده يحاول إخماد النّار فهو لا يريد أن يحترق منزل سيده، لم يأمل أبدًا بأن تتبدّد أملاك سيّده، وكان يدافع عنها أكثر من دفاع سيده عنها، هذا هو عبد المنزل ولكن هناك أيضا عبيد الحقول، الذين يعيشون في أكواخ وليس لديهم مايخسروه، يلبسون أسوأ الألبسة ويأكلون أسوأ الأطعمة، كانوا يعيشون الجحيم، ويتعرضون لضربات السياط، يكرهون سيدهم، نعم يكرهونه، إن مرض سيدهم يُصلون كي يموت، وإن اشتعلت النيران في منزل سيدهم، يُصلون لكي تأتي رياح قويّة لتزيد قوة النّيران، هذا هو الفرق بين الاثنين، وإلى اليوم مازال هناك عبيد البيوت وعبيد الحقول، وأنا عبد الحقل).

إلى الآن هناك من يمارس العبودية في الوقت الحاضر في الدول الإفريقية، كتشاد وموريتانيا والنيجر ومالي والسودان، معللون ذلك بسبب عدم تحريم الإسلام للعبودية، وفي ليبيا وبعد الإطاحة بحكم “معمر القذافي” عام 2011م، ظهر سوق النخاسة من جديد، وكان يتم عرض بعض البشر في أقفاص وبيعهم في سوق الجمعة، ولكن ما لبثت واختفت هذه الظاهرة شكلياً.
تأصل العبودية
أسباب كثيرة ساعدت على جعل العبودية صفة أصيلة عند “الكثير” من البشر، ومنها النظام الحاكم للدولة، فالدول التي تحكمها أنظمة دكتاتورية، تكون ميّالة للعبودية والخنوع وتقبل الذل، وكما جاء في كتاب( التخلف الإجتماعي) لكاتبه “مصطفى حجازي”: (لا يجد الإنسان المقهور من مكانة له في علاقة التسلط العنفي هذه سوى الرضوخ والتبعية، سوى الوقوع في الدونية كقدر مفروض، ومن هنا شيوع تصرفات التزلف والاستزلام، والمبالغة في تعظيم السيد، اتقاءاً لشره، أو طمعاً في رضاه).
يحاول هذا الإنسان أن يعوّض شيئًا من كرامته المسلوبة، محاولاً تأكيد وجوده، ولن تكون الضحية إلا الأضعف، وهكذا سنحصل على تسلسل متماسك من القمع والاستعباد، وهذا يدعم تأصيل العبودية والذل “المازوخية” في طبيعة هذا الإنسان.

(إنّي أدرك أن المرء لايستطيع الاستمرار في العيش مع الآخرين، بدون أن يتحكم فيهم أو بدون أن يخدموه، فكل إنسان يحتاج إلى العبيد، كما يحتاج إلى الهواء النقيّ، والأمر هو – تنفس – أتوافقني؟
وحتى أشد الناس بؤساً يستطيعون أن يتنفسوا، وأدنى رجل مكانةً في السلّم الاجتماعي يملك زوجة أو ولداً، وإذا لم يكن متزوجاً فإنه يملك كلباً، والأمر المهم بعد كل ذلك هو أن يكون المرء قادراً على الغضب من شخص ما لايملك حق الرد، والمرء لايستطيع أن يرد على كلام والده، أتعرف هذا التعبير؟ إنه غريب جدًا من زاوية واحدة، ترى على من سيرد المرء في هذا العالم إذا لم يفعل ذلك مع من يحب؟ ومن زاوية أخرى فإنه مقنع، فلا بدَّ أن تكون الكلمة الأخيرة لشخص ما، وإلا فيمكن الرد على أي سبب بسبب آخر، ولكن بدون أن تكون نهاية لذلك، والقوة من الناحية الأخرى تحل كل مسألة، وقد استغرق ذلك وقتًا، إلا أننا أدركنا ذلك في النهاية).* من رواية “السقطة”، لألبير كامو.
الأديان والقوانين عملت على تجميل العبودية، ووضعها بقضبان ذهبية تحت مسميات مختلفة، تجريم العبودية يعني البداية لتفكيك منظومة التسلط، وهذا لن يحدث، لأنه يسبب ضرر بجذع الشراكة بين المال الحاكم والقوة الغوغائية.
بعض الأعمال الفنية والأدبية التي تناولت العبودية
أفلام:
اثنا عشر عامًا عبداً – 12 Years a Slave
غانغو الحر Django Unchained
أميستاد Amistad
لينكولن Lincolin
المُساعِدة The Help
وحوش بلا وطن Beasts of No Nation
المصارع Gladiator
تصادم Crash
الماس الدامي Blood Diamond
روايات:
*كوخ العم توم، لهارييت بيتشر ستو.
*تأملات في استعباد الزنوج، للماركيز دو كوندورسيه.
*عن تجارة السود واستعبادهم، للقس غريغوار.
*الجذور، لأليكس هيلي.
*اثنا عشر عاماً من العبودية، لسولمون نورثوب
*قصة حياة فردريك دوغلاس، بقلم “عبد أميركي”/(قصة حياة دوغلاس كتبها بنفسه).
*بقلم: محمود عبود
