(بيني وبينك، ألا ترى أن العبوديّة خاصة إذا كانت تصحبها ابتسامة هي حتمية؟ ولكننا يجب أن لانقرّ بذلك، أليس من الأفضل لذلك الذي لايستطيع أن يستغنِ عن العبيد أن يسميهم أحرارًا؟ أولاً من حيث المبادئ، وثانيًا لكي لاتدفعهم إلى اليأس، إننا مدينون لهم بذلك التعويض، أليس كذلك؟ وهكذا، فإنهم سيستمرون في الابتسام، بينما نحافظ نحن على ضميرنا، وإلا فيجب علينا أن نراجع رأينا عن أنفسنا مرة أخرى، ويؤدي بنا العذاب إلى الجنون). * من رواية “السقطة” للكاتب الفرنسي “ألبير كامو”.
كتب “توماس جيفرسون” أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية، في عام 1820م خطاباً حول موضوع الرق وقال فيه: (نحن في موقف لا نُحسد عليه تجاه الرق، حيث أننا لا يمكننا الاحتفاظ به أو إلغاءه دون أضرار، لدينا العدالة من جهة، وإيثار الآخر من جهة أخرى).
الاستعباد وتجارة العبيد مهنة قذرة، لم تنجُ منها حضارة أو أمَّة على مر التاريخ، وكان يُستخدم من تمّ استعبادهم بأعمال مختلفة، ومنها البناء والعمل بالمنازل، أو المزارع أو لرعاية الحيوانات وتنظيف الحظائر والحروب، وغيرها من الأعمال المرهقة والقذرة، ولم تكن العبودية لزمن طويل بموضع الانتقاد أو الرفض، بل كانت من الأمور الضرورية بالحياة.
في القرن الخامس عشر مارس الأوربيون تجارة العبيد، وكانت إفريقيا المصدر الرئيسي، والأطلسي الشاهد الأكبر على هذه التجارة، وفي عام 1444م، كان البرتغاليون يمارسون النخاسة، ويرسلون للبرتغال سنويًا ما بين 700 إلى 800 عبد من مراكز تجميع العبيد على الساحل الغربي لإفريقيا، وفي القرن السادس عشر مارست إسبانيا تجارة العبيد، وفي منتصف القرن ذاته اقتحمت إنجلترا هذه التجارة، وتلاها كل من البرتغال وفرنسا وهولندا والدنمارك، ودخلت معهم المستعمرات الأمريكية عام 1619م.
في الفترة بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، تم نقل مايقارب الـ 12 مليون إفريقي إلى الأمريكيتين كعبيد، وكذلك كانت تجارة العبيد عند العرب مكثّفة ونشِطة في مناطق غرب آسيا وإفريقيا، وكانت الشعوب الإفريقية مصدرًا أساسيًا، وبلغ هذا النشاط أدنى مستوياته بحلول نهاية القرن التاسع عشر.

وجاء في مقال مطوّل عن بعض مظاهر تاريخ العبودية في الولايات المتحدة في صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية أعدّته الباحثة في تاريخ العبودية “ماريا إيليوت”، وشاركتها بإعداده الكاتبة “ياسمين هاغيز”، ما يشير إلى العبودية والسلطة، والتكلفة البشرية بين عامي 1455-1775م، وفيه أن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية قسّمت العالم في القرن الخامس عشر إلى نصفين، وأنها منحت البرتغال احتكارًا للتجارة في غرب إفريقيا وإسبانيا، والحق في استعمار العالم الجديد في بحثها عن الأرض والذهب، وكان البابا “نيكولاس الخامس” قد عزز الجهود البرتغالية، وأصدر مرسوماً باباوياً في 1455م، أكد فيه على الحقوق الحصرية للبرتغال في المناطق التي تطالب بها، على طول ساحل غرب إفريقيا والتجارة من تلك المناطق، ومنح المرسوم البابوي البرتغال الحق في غزو ونهب واختزال الأشخاص إلى عبودية دائمة، ويشير المقال إلى ظهور شكل جديد من أشكال العبودية أقرّتها الدول القومية الأوروبية، واستندت إلى العرق، وأدّت إلى أكبر هجرة قسرية في العالم، وإلى قانون فرجينيا الصادر عام 1662م، الذي ينص على أن وضع الطفل يتبع وضع الأم، مما يعني أن النساء من أصل إفريقي المستعبدات لن يكون أطفالهن إلا سلعة، وتم سن قوانين صارمة تحدد الوضع القائم على أساس العرق والطبقة.

العبودية والرق في الديانات “الإبراهيمية”
الديانة اليهودية
احتوى التوراة على مجموعتين من القوانين، واحدة للعبيد الكنعانيين، ومجموعة قوانين أكثر تساهلاً للعبيد العبرانيين، تم تطبيق القوانين المخصصة للكنعانيين على جميع العبيد من غير العبرانيين، كان بعض اليهود يمتلكون العبيد ويتاجرون بهم، وكان لهم دور مهم بتجارة الرقيق في العصور الوسطى في أوروبا، حتى حوالي القرن الثاني عشر.
الديانة المسيحية
تم فرض العبودية في أشكال مختلفة من قبل
المسيحيين لأكثر من 18 قرناً، كان الرق سمة طبيعية للاقتصاد
والمجتمع في الامبراطورية الرومانية، واستمر في العصور الوسطى وما بعدها، ومن
القديسين المعروفين بتأييدهم للاستعباد كان القديس “أوغسطين”.
في الديانة الإسلامية
حللت المذاهب الرئيسية الفقهية في الإسلام تملّك العبيد من أسرى الحروب، وبيعهم وشراءهم على مدار تاريخ، ولم يمنع أو يحرّم الدين الإسلامي الاستعباد، ولكنه شدد على ضرورة المعاملة الحسنة للعبيد وعدم إهانتهم، وكانت تجارة العبيد في الدولة العثمانية رائجة، وكان لها دور كبير في الاقتصاد.

بعض النصوص من الديانات الإبراهيمية
سفر التثنية:
20: 10 حين تقرب من مدينة لكي تحاربها إستدعها إلى الصلح
20: 11 فإن أجابتك إلى الصلح و فتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، و يستعبد لك سفر الملوك الأول
9: 20 جميع الشعب الباقين من الأموريين و الحثيين و الفرزيين و الحويين و اليبوسيين، الذين ليسوا من بني إسرائيل
9: 21 أبناؤهم الذين بقوا بعدهم في الأرض، الذين لم يقدر بنو إسرائيل أن يحرموهم، جعل عليهم سليمان تسخير عبيد إلى هذا اليوم.
سفر أخبار الأيام الثاني:
2: 17 وعد سليمان جميع الرجال الأجنبيين الذين في أرض إسرائيل بعد العد الذين عدهم إيّاه داود أبوه فوجدوا مئة و ثلاثة و خمسين ألفًا و ست مئة
2: 18 فجعل منهم سبعين ألف حمّال و ثمانين ألف قطاع على الجبل و ثلاثة آلاف و ستُّ مئة وكلاء لتشغيل الشعب
يشوع:
9: 20 هذا نصنعه لهم و نستحييهم فلا يكون علينا سخط من أجل الحلف الذي حلفنا لهم
9: 21 وقال لهم الرؤساء يحيون و يكونون محتطبي حطب، و مستقي ماء لكل الجماعة كما كلمهم الرؤساء
9: 22 فدعاهم يشوع و كلمهم قائلا لماذا خدعتمونا قائلين نحن بعيدون عنكم جدا و أنتم ساكنون في وسطنا
9: 23 فالآن ملعونون أنتم فلا ينقطع منكم العبيد و محتطبو الحطب و مستقو الماء لبيت إلهي
العبودية فى العهد الجديد:
إنجيل يوحنا:
13: 16 الحق الحق أقول لكم أنه ليس عبد أعظم من سيده و لا رسول أعظم من مرسله
إنجيل لوقا:
17: 7 و من منكم له عبد يحرث أو يرعى يقول له إذا دخل من الحقل تقدم سريعا و اتكئ
17: 8 بل ألا يقول له أعدد ما أتعشى به و تمنطق و اخدمني حتى آكل و أشرب، و بعد ذلك تأكل و تشرب أنت
17: 9 فهل لذلك العبد فضل لأنه فعل ما أُمر به لا أظن.
رسالة بطرس الأولى:
2: 18 أيها الخُدّام كونوا خاضعين بكل هيبة للسادة، ليس للصالحين المترفقين فقط بل للعنفاء ايضا
القرآن_ سورة البقرة الآية (178)
{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}
القرآن _سورة النساء الآية (34)
(ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات).
*بقلم: محمود عبود
