
الموت هو الحقيقة المُطلقة الوحيدة في حياة الكائن الحي، وكما قال قدماء المصريين : ” كلُ شيءٍ منذورٌ للموت”.
في حياة الإنسان ما زال سؤال الموت يُشكل “مُعضلة”، لأنه منذ الأزل لليوم باءت بالفشل كل محاولات الإنسان في البحث عن الخلود، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أيضا ما زالت مرحلة ما بعد الموت تُمثل أكبر الألغاز في تاريخ البشرية، فهو اللغز الكبير الذي لم يحله أحد:
أين يذهب الإنسان بعد اليوم، وماذا يحدث له؟ وما هي الروح التي تغادر الجسد الذي يفنى، و أين تذهب؟ … الخ
وقدمت كل الأديان أجوبة افتراضية عن هذه التجربة التي لم يختبرها أحد، فما من أحد عاد من الموت ليحدثنا ماذا جرى له، و بقيت تجليات الأجوبة على هذه الأسئلة تتمظهر في أمور عديدة تختلف من مجتمع لآخر، ومن ثقافة لأخرى، ومن زمن لآخر، فنحن اليوم نقف بدهشة أمام مقابر الفراعنة، ولا يتسع لنا المجال لنقرأ كل ما ورد عن ثقافة الموت و العالم السفلي كما يُسمى لدى الإغريق القدماء، بينما يتجلى حجم الانشغال بهذه الأسئلة في الصين وعموم شرق آسيا بأساطير و روحانيات متنوعة، وغيبيات غالباً ما تتعدى حدود الفهم والمنطق لتلامس حدود الخرافة .

لربما استطاع الإنسان خلق بديل مُعادل للخلود المادي الذي يبحث عنه، بالخلود الرمزي، فكثير ممن يرحلون عن عالمنا هذا، وكأنهم يولدون من جديد لحظة موتهم ولادة أخرى، ويأخذ تسليط الضوء على حياتهم ومنجزاتهم مناحي عدة، و يتم أسطرتهم بحيث يصبحوا رموز خالدة تمتلك كل الشروط اللازمة ل “الأسطورة” الخالدة، التي يتناقلها الأجيال عبر ذاكرة مستمرة بالتناسل، ولعل أكثر ما يُفجع هو هذا الحضور الفاتن لأحدهم في لحظى غيابه بالتحديد، و بالتالي تبدأ رحلة عكسية تماماً، من لحظة الموت إلى ما قبلها، فالموت كآخر ما حدث لشخص ما، وكواقعة أخيرة، يأخذ بنا إلى سلسلة طويلة من تعثره في الحياة و نهوضه، نجاحه وفشله، وتبدأ حياة الشخص تُستعاد، ويُصبح الغائب الحاضر، ونحن نقف في حيزه الخاص، ونحاول تأمل هذا الحيز وتفسير معالمه، بكثير من ادّعاء الحياد و بقدر كبير من الانكسار، و الشعور بالعجز كوننا لم نفعل شيئاً لنكون من قبل جزء من هذا الحيز، ولربما استطعنا التأثير في ذاك المصير الذي يبدو أنه محتوماً، لكننا وقفنا على الهامش في وقت كان يجب أن نكون وسط المتن.

يفقدنا موت من حولنا توازننا، إذ ندرك أن في موتهم موتنا أيضاً، و نعترف ضمنياً بعدم قدرتنا على التحكم بالزمن، و بطبيعة الأشياء المتحركة حينا و الثابتة حينا آخر في الطبيعة، ووسط عجزنا و حيرتنا، نتأمل في حياتنا المتشظية بأكثر من اتجاه، ثم ما نلبث أن نتجاوز الدهشة و نتآلف مع حزننا، و ندفن كآبتنا تحت طبقات من الفرح العابر المتع الآنية، ونتناسى، ويبقى هناك عالمٌ آخر لمن فقدنا لن نعثر عليه أبداً، فالموت بهذا يشبه “الحب” إذ لا يُمكن تلمسه إلا من منبع واحد، هو نفس الآخر “الشريك”، وهكذا الموت، لا يُمكننا الوصول على أجوبة لكل أسئلتنا إلا بوجود من رحل، وقد رحل بلا عودة، وكل ما نأمله أن يزورنا طيفه في حلم ما، أو لربما نلتقي مرة أخرى في حياة أخرة مُفترضة، أو متوهّمة، حسب إيمان و اعتقاد كلٌ منّا.
ويُعتبر “قلق الموت” أكثر أنماط القلق تواتراً في حياة الإنسان، وعبر مراحل التطور الإنساني وفي مختلف الأعمار، يبرز هذا النمط من القلق بشكل مستمر.
أصعب من الموت أحيانا هو الوعي بالموت.. .. تلك الواقعة التي لا راد لها ..

بقلم: د. خولة حسن الحديد
