…من الزور إلى الزوراء
تأخذنا اللغة أحياناً إلى مواضعٍ لم تخطر لنا على بال، وفي غالب الأحيان يوجد فرق نوعي مهم بين المعني اللغوي المعجمي لبعض الكلمات وبين المعنى الاصطلاحي، والمقصود بالاصطلاحي هنا، ليس فقط ما اصطلح عليه علماء اللغة، بل ما اصطلح عليه مجموعة من الناس.
خلال عملي على مادة تراثية عن مدينة “دير الزو”، توقفت مطولاً عند معنى الاسم، فمن الواضح جدا إحالة كلمة “الدير” إلى ماذا، فهي تُحيل إلى مكان عبادة مسيحي يُعرف ب”دير الرهبان”، أما كلمة “الزور” فقد تجد لها كذا معنى، لغويا/ معجمياً غالبيته لا علاقة له بالمدينة ولا يُحيل أبدا لدلالات التسمية، ولا يتطابق إلا مع أحد المعاني ( الميل والإعوجاج)، نسبة لشكل نهر الفرات في تلك الجغرافيا، وما تبقى يذهب باتجاه الدلالات الاصطلاحية التي تعارف عليها الناس، وكلمة “الزور” بتسكين حرف الواو، معجمياً عُرّفت كما يلي في معجم المعاني الجامع:
زوْر: (اسم)
زَوْر : جمع زائِر
زُور: (اسم)
زُور : جمع أَزْوَرُ
زَوْر: (اسم)
زَوْر : جمع زائرةُ
زَور: (اسم)
الجمع : أزْوَار
الزَّورُ : الباطلُ
الزَّورُ: الكَذِبُ
الزَّورُ :مجلسُ اللَّهوِ أَو الغِناءِ
شَهادَة زُورٍ : شَهادَةً كاذِبَةً
الزَّوْرُ : مَصْدَرُ زارَ
الزَّوْرُ :الطَّيفُ
الزَّوْرُ :مُلْتَقَى أَطرافِ عِظام الصَّدْر حيث اجتمعت.
أَلقى زَوْرهُ: أَقام.
الزَّوْرُ: القوَّةُ.
الزَّوْرُ :قُوَّةُ العَزيمة.
الزَّوْرُ ا:لعقلُ والجمع : أَزْوارٌ.
وجاء في “شمس العلوم”: عن معنى (الزَّوْراء):
الكلمة: الزَّوْراء. الجذر: زور. الوزن: فَعْلَاء.
الزَّوْراء: اسم مال كان لأحيحة بن الجلاح.
والزَّوْراء: مثل القدح يشرب به، قال الشاعر النابغة الذبياني:
وتسقي إِذا ما شئْتَ غير مصرَّدٍ …. بزوراء في حافاتها المسكُ كارعُ
وبئر زوراء: في خَلْقها عوج.

كلمة “الزَّوْر” بالمعنى الاصطلاحي
كلمة “الزور” بأبسط دلالتها – منذ طفولتي ما زال في ذاكرتي معناها الشعبي – تُحيل إلى معنى “الأرض الزراعية، الحقل، بقعة مزروعة، مزرعة كبيرة، غابة ….الخ”، فمنذ كنتُ طفلة وأتذكر أن بعض العمال والعاملات الذين كانوا يعملون في حقول ومزارع منطقتنا الريفية، كانوا يُطلقون اسم “الزور” على الأرض الزراعية أو المزرعة أو الحقل الكبير، وخاصة بعض التركمان أو البدو وكل من هم من خارج المنطقة، وفي كل من مدينتي دير الزور والرقة، أُطلق أيضاً هذا الاسم على أراضي زراعية تعود ملكيتها لبعض العشائر العربية فيُقال: (زور شمر، زور البو غانم، زور الحمد ..الخ)، وترد هذه الأسماء في بعض الأغاني الشعبية والتراثية، وحسب بعض المؤرخين فإن كلمة “الزور” بلهجة أهالي المدينة كانت تعني (الغابة).
في تداول معنى اسم “الزور” للمدينة، ذكرت المصادر التاريخية والتراثية عدة دلالات، جميعها تصب في المعنى الأخير الذي ذُكر سابقاً، وهو المعنى الأكثر منطقية نظراً لطبيعة المدينة وحياة سكانها، ومنها:
*الزور بفتح الزاي وتسكين الواو، تعني الصدر الواسع أي صدر النهر، وهي المنطقة الزراعية المروية الواقعة على ضفاف الفرات، والمتكونة بفعل فيضانات الأنهار، والمتمثلة بالتربة الخصبة السمراء.
*الزور، اشتقت من كلمة”ازورار”، أي مال وإعوّج، نظراً لازورار نهر الفرات في منطقة دير الزور. / هذا يتطابق مع أحد المعاني اللغوية المعجمية /
*ورد في بعض الروايات إن الكلمة جاءت من (زئير الأسد – زأرة الأسد) بسبب وجود نوع من الأسود بكثرة في هذه المنطقة في الماضي، وكان يترد صدى صوتها للمناطق المجاورة.

علاقة الاسم بدير الرهبان
* يُتداول في الروايات الشعبية أن الكلمة أطلقت بسبب زيارة سكان الأرياف المحيطة إلى الدير ( دير الرهبان)، الذي أخذت المدينة منه اسمها، وكونهم آتين من الزور ( الأراضي الزراعية) منحوها الاسم.
* تقول بعض الروايات أيضاً: إن الاسم جاء بسبب فتح دير الرهبان بالقوة أي ب”الزور”، قسراً وإرغاماً من قبل بعض القبائل العربية. / يتطابق هذا مع أحد المعاني المعجمية للكلمة/
*إحدى الروايات تقول: إن جميع الأديرة تقع على قمم التّلال بشكلٍ عام، إلا دير الرهبان، فقد إزوَّر أو انحرف، فبُني داخل تل والمساكن فوق التل، وهذه المساكن تسمى دير العتيق، وجاءت تسمية “دير الزور” من هذا الدير المزور(المعوّج والمنحرف)، والزورهو السهل الفيضي لنهر الفرات الذي يشغله موضعه الدير.
* أكثر الروايات تداولاً لدى الكتّاب والمؤرّخين والأكثر إجماعاً عليها، تقول: إن الدير- دير الرهبان – يقع على ضفاف الفرات، وضفاف الفرات بشكلٍ عامٍ تسمى “أزوار”، ومنها سُميت “دير الزور”.

الاسم وذاكرة السكان وارتباطه بهويتهم
ما بين المعاني المعجمية والاصطلاحية تتلاقي أحياناً الدلالات وتفترق جذرياً أحيان أخرى، وتبقى الروايات الشعبية المرتبطة بذاكرة السكان ووجدانهم، هي الأكثر دلالة وفق علم الانتربولوجيا والاثنوغرافيا، وتتصدر تلك التسميات الحية المشهد وترِثها الأجيال المتعاقبة، حتى تسقط وتموت المعاني المعجمية، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى التقصير الكبير من قبل المتخصصين اللغويين ومحدثّي المعاجم، والذين لا يضيفون إلى المعاجم الحديثة الكلمات التي يتداولها الناس بدلالات مختلفة عن معناها القديم، فاللغة حياة وأكثر من مجرد أداة تواصل، وهي أكبر تجليات الهوية، والدلالة على علاقة السكان بالمكان، ففي دراسات المعجم اللغوي لسكان منطقة معينة، كما في الدراسات الاثنولوجية “التراث المعنوي للشعوب”، يُمكن استنباط العلاقة الوثيقة بين المكان وساكنيه، وتتنوع التسميات حسب درجة غنى وثراء ثقافة السكان، والمجموعات البشرية التي تعاقبت على العيش فيه، وقد يكون منها ما اندثر، ومنها ما اندمج وانصهر مع مجموعات سكانية أكبر، وبقيت الأسماء التي تدل على من عاشوا، وعبروا جغرافية مكانية معينة.

يتصف المعجم اللغوي الخاص بالأماكن في منطقة الجزيرة السورية، بالتنوع والغنى والثراء الكبير، والذي يُعبر عن تنوع وتعدد الثقافات للشعوب التي سكنتها في الماضي، وما زال بعضها موجود لليوم، والعديد من أسماء الأماكن هو امتداد لحصيلة لغوية قديمة، كانت مستخدمة في لغات شعوب عاشت في المنطقة، أو مستنبطة من لهجات لتلك اللغات، وقد استمر هذا الثراء والتنوع اللغوي حتى وقتنا الراهن، كنتيجة طبيعية لتنوع وغنى منطقة الجزيرة بالثقافات المختلفة، والمتنوعة الجذور والمشارب، وكل الألفاظ واستخداماتها ترتبط بشكل وثيق بالعلاقة المتبادلة بين الإنسان والمكان، وتعبر عن هذه العلاقة، وكلّما كانت هذه العلاقة متقاربة أو لصيقة، كان حضور هذا المعجم في حياة الإنسان المتصل به أكبر وأكثر سعة في التعبير عن هوية المكان، وهوية ساكنيه، وبالرغم من تغيير الجهات الرسمية أحياناً لأسماء بعض الأماكن، بقي اسمها المتداول شعبياً هو الأصل والقائم بين سكان المنطقة، تبعاً لهوياتهم الثقافية المتنوعية من عرب وأكراد وسريان، وأحياناً نجد أكثر من اسم للمنطقة الواحدة (قرية، مزرعة، بلدة) تبعا لهوية السكان العرقية ولغتهم وموروثهم الثقافي والاجتماعي، فتُطلق كل مجموعة اسم له مرجعية ما في ثقافتها، وتاريخ وجود أسلافها الذين تنسب نفسها إليهم، ورموزها المتعددة.
من أسماء مدينة “دير الزور” عبر التاريخ
من الجدير بالذكر، أنه لمدينة “دير الزور” أسماء عدة، تم تداولها عبر حقب التاريخ المختلفة، ولكل اسم إحالة إلى دلالة ما، ليس هنا موضع شرحها، ولكن يُذكر منها:
دير الرمان / ورد الاسم لدى ياقوت الحموي /، دير العصافير، دير الشُعار / بضم الشين نسبة لكثرة عدد الشعراء الشعبيين في المنطقة والذين كانوا يقصدون مضارب شيوخ العشاير لإلقاء قصائدهم، ويُقال أن الاسم الأقدم للمدينة كان “شورا” أو “جديرته” وهي كلمة سريانية تعني الحظيرة، وكانت في الألف الثالث قبل الميلاد جزءاً من دويلة “زوحي” الآرامية – حسب المؤرخ أحمد سوسة – وخلال العصر السلوقي سُميّت “ثياكوس”، و”ثبساكوس” في العصر الهلنستي.

بعد قيام الدولة الأموية سميت المدينة للمرة الأولى “دير بصير”، وهو دير قريب من موقع المدينة، ولاحقاً تغير الاسم إلى “دير حتليف”، وسُميت خلال إحدى الحقب العثمانية ب”دير الرحبة” نسبة إلى قلعة الرحبة القريبة من موقعها، وكانت تٌكتب في اللغة العثمانية باستبدال الحاء إلى هاء (الرهبة)، كما تشير أغلب المصادر أن اسم “دير الزور” أُطلق على المدينة أواخر العصر العثماني عام 1864م.

من الزور إلى الزوراء ..تعدد الأماكن ودلالاتها
سُميت مدينة “بغداد” في إحدى الحقب التاريخية ب”الزوراء”، وتعددت أسباب التسمية أيضاً كما في تسمية مدينة “دير الزور”، فقد قيل أنهل سُميت كذلك: ” لإزورار النهر فيها “، والإزورار هو(التعرج) فيكون النهر فيها متعرجاً، وقيل أيضاً لأنه كان يوجد فيها نهر اسمه “زوراء” بسبب تعرجه.
من الروايات أيضاً ما يقول: سُميت “الزوراء” لأنّ الأبواب الداخلية لأسوارها مزوَّرة عن الأبواب الخارجية، أي أنّها ليست على سمتها، وكان ذلك عندما بناها الخليفة أبو جعفر المنصور علة نهر”الصرا” بين دجلة والفرات، وبهذه المعاني والدلالات المتداولة لتسمية “بغداد” ب”الزوراء”، ما يلتقي مع غالبية دلالات تسمية مدينة “دير الزور” بهذا الاسم.

وجاء في “معجم ما استعجم عن “الزوراء”، ما يدل على عدة أماكن جغرافية، في التالي:
*الزّوراء: بفتح أوّله، ممدود، وهو اسم يقع على عدّة مواضع، فمنها الزّوراء المتّصلة بالمدينة، التى زاد عليها عثمان النداء الثالث يوم الجمعة لمّا كثر الناس، وكان به مال لأحيحة بن الجلاح، وهو الذي عنى بقوله:
إنّى مقيم على الزّوراء أعمرها ….. إنّ الكريم على الأخوان ذو المال
*والزّوراء: موضع آخر فى ديار بنى أسد، محدد فى رسم عدنة، فانظره هناك. / يُقصد هذا الباب في المعجم /.
*والزّوراء أيضاً: رصافة هشام بالشام، وكانت للنّعمان بن جبلة، وفيها كان، وإليها كانت تنتهى غنائِمه؛ وكان على بابها صليب، لأنّه كان نصرانيّاً، وكان يسكنها بنو جفنة، وكانت أدنى بلاد الشام إلى الشيّح والقيصوم؛ قال ذلك الأصمعىّ، وأنشد قول النّابغة الذبياني:
ظلّت أقاطيع أنعام مؤبلة …. لدى صليب على الزّوراء منصوب
وقال الأصمعىّ فى قول النابغة:
وتسقى إذا ما شئت غير مصرّد …. بزوراء فى حافاتها المسك كانع

*الزوراء: دار بالحيرة. قال: وحدثنى من رآها، وهدمها أبو جعفر المنصور.
*وروى أبو عمر الزاهد عن العطّافى، عن رجاله قال: تذاكروا عند الصادق الزوراء، فقالوا: الزوراء: بغداد، فقال الصادق: ليس الزوراء بغداد، ولكن الزوراء الرّىّ.
المراجع:
عبد القادر عياش، وإعداد وليد مشوح حضارة وادي الفرات، القسم السوري ، مدن فراتية، دار الأهالي، دمشق، 1989م.
عمر صليبي، لواء الزور في”العصر العثماني، إدارياً وسياسياً، دار العلم ، دمشق، 1996م.
عمر صليبي، لواء الزور في”العصر العثماني، اجتماعياً واقتصادياً،دار العلم، دمشق، 1997م.
خولة حسن الحديد، جبل عبد العزيز…الهوية الراسخة للجزيرة السورية، دراسة طبيعية، انتربولوجية، قيد النشر.
نشوان بن سعيد الحميري/ توفي: 573هـ-1177م ، شمس العلوم، على شبكة الانترنت، موقع: https://www.almougem.com
أبو عبيد عبدالله بن عبدالعزيز بن محمد البكري الأندلسي/ توفي 487هـ/1094م/ ، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، على شبكة الانترنت، موقع: https://www.almougem.com
*بقلم: د.خولة حسن الحديد

شرح رائع ومتعوب عليه
مدينة جميلة جدا بموقعها وناسها،
اطيب تحياتي لك
شكرا لاهتمامك الدائم دكتور