**إلى روح الراحل شهيد الكلمة الحرة “لقمان سليم” .
برز مفهوم التعصب في القرن الثامن عشر للتنديد بتزمن ديني سُمي ب”الزيلوتية” نسبة إلى الزيلوت، وهي طائفة من اليهود المتعصب والذين يسمون ب”الغيورين”، وساد الاعتقاد أنه سيزول مع زوال هذا التزمت، فلم يحصل ذلك، مما حدا بالفلاسفة والمعنيين بالعلوم الاجتماعية والنفسية أن يعتبروا ذلك دليل على أنه غير موجه لحل مسألة دينية تماماً، بل يُغطي حاجات الإنسان الأشد تعقيداً وتستراً، فكان من الطبيعي أن يهتم علم النفس وفي صدارته “التحليل النفسي” بدراسة هذه الظاهرة، والتي يعتبرها عالم النفس “مصطفى زيور” بأنها: ( ظاهرة اجتماعية ذات بواعت نفسية)، تتنوع أشكالها، وأنماطها وتجلياتها، في حين تبقى بواعثها النفسية الداخلية الأساس، فيما يكمن خلف ظاهريتها الاجتماعية.
يظن المتعصّبون من خلال توهمهم باكتشاف المُطلق وما فوق البشري، أنهم أمسكوا بالحقيقة التي تمنحهم كل العلم، كل القوة والسلطان، والعصمة، وكل أشكال التفوق على البشر.
يتراجع المتعصبون – في حالة نكوصية – إلى مرحلة القدرة الكلية الطفلية “الطفولية”، التي تتضمن تحقيق الرغبة على حساب الواقع الذي يجري إدراكه بالمعارف، وبحدود الإمكانيات الإنسانية، ويترافق هذا الشعور بالقدرة الكلية مع حماس نرجسي، وتمجيد لفكرة الانتماء إلى جماعة ما، من إحدى الجماعات التي اصطفاها الأزل، أو التاريخ، ويصبح السلوك وفق منظومة ثنائية ( الأسود/ الأبيض، الصديق/ العدو، الصواب/ الخطأ..الخ)، وهي منظومة هذيانية، تمتلك التبرير الكافي للحالة الجُرمية التي يسلك وفقها فرد من أفراد الجماعة، أو الجماعة برمتها، هي منظومة تؤدي إلى تجذّير الفكر، حيث توجّه العدوانية نحو عدو، وتستثر خشية رجوع العدوانية مخاوف التنكيل من جانب أعداء مظنونين، كما تستثير مشاعر الجُرمية، فيلجأ المتعّصب للحصول على شعور بالطمأنينة لدى المنظومة التعصبية التي يوظفها كاعتقاد، فتتبدل منظومة القيم، وتُطلق الغرائز العدوانية وأحياناً الجنسية، بفضل يقينه أنه مالك الشريعة والقانون.

في سيكولوجية التعصّب، يتم التمييز بين نموذجين من المتعصبين، الأول يُسمى “العاصب/المتعصّب الأصلي”، وهو الشخص المتعصّب الذي يقود جماعة ما، وبيده القوة والسلطان، وهو الذي يمنح أفراد جماعته الإذن بالتخلص من كل نواهي الأنا الأعلى، فلا شرائع ولا قوانين رادعة، إلا قانون الجماعة التي ينتمون إليها، والثاني يُسمى “العاصب/المُتعصّب المنقاد”، وهو واحد من جحافل الخاضعين للمتعصب الأصلي “الزعيم”، من مريدين وتابعين، ومأذون لهم من جانب زعيمهم بأن يتجاوزا القوانين، باسم فكرة “الوثن الميتافيزيقي” الموحى إليه، وهؤلاء يخرجون عن الدرب من أجل فكرة، أو مثال يعرضونه كمُطلق، ويستحق أن يُضحي المرء بنفسه من أجله، وأن يُضحى بالآخرين في سبيله، ففيهم تمرد على شيء ما غير مُشبع، وموجود، وبحث عن شيء ما كامل، يسعون لإحلاله محل ما ينقصهم، وينتسب هؤلاء إلى النمطية الوسواسية، التي تتضمن حاجة جدارة واستحقاق، وتعامل بارد مع أي فكرة مغايرة، مع الاقتناع أنهم على حق، تلك القناعة التي تُسكت جرميتهم وتغييب أي شعور بالذنب، كما أنهم امتثاليين يبحثون عن الأمان من خلال اتحادهم مع شخص كامل القوة، ذلك الأمان الذي سينهار في لحظة ما، لأن حلقة الأعداء لا تنقطع، وتستدعي دائماً ضحايا جدد.

كلاهما، العاصب الأصلي وذاك المنقاد والتابع، لديهما تقليص للحقل الذهني وهبوط الاهتمامات حيال أي شيء خارج إطار جماعتهم وقيمها الخاصة، إذ يتمتعون بازدراء ولا مبالاة تجاه كل ما لا يُمثل غرضاً من أغراضهم، أو لا يتماشى مع أهوائهم، ولديهم يقين لا يتزعزع في صحة أفكارهم، وإسقاط العدوانية على الآخر المظنون به، المُعاش كمُضَّطهِد لهم، وترشيدات تبرر التجديف على الأخلاق من باب ( إننا نقتل في سبيل الحفاظ على الإنسانية، أو الوطن، أو لنقاوم العدو…الخ)، فالتعصب عقلية وبنية ذهنية، يكون فيها الفاعل / الذات مهووساً بعدة تمثلات خاطئة ولا أخلاقية، تشغل كل الفضاء الذهني الممكن له، وهذه العقلية التي تستبيح الآخر، وتشيطنه، وتُبيح كل سلوك عدواني ولا أخلاقي موجه ضده، هي العقلية التي قتلت الراحل الشهيد “لقمان سليم”، والذي للمفارقة كان من أكثر الناس فهماً لها، وحماساً لمقاومتها، و كدارس للفلسفة التي شكلّت جزء مهم من وعيه، والوعي الذي كان يحاول نشره، من غير المُفاجىء أن يكون هو ناشر ومترجم كتاب ( يمين المولى .. التعصب في ميزان التحليل النفسي)، للكاتب الفرنسي من أصل تونسي “جيرار حداد”، الكتاب الذي يُفصّل في صفات المتعّصب، تلك الصفات التي اختبرها “لقمان سليم” سنوات طويلة، كونه كان أحد المُستهدفين من قبلها، إذ يبين الكتاب أن المتعصب يكره بلا تحفظ ولا تردد، يكره إلى حد القتل، بل إلى حد الإبادة، كل من لا يشاطره الإيمان نفسه، إضافة إلى كون التعصب بوصفه مرضاً من أمراض النفس، فإنه معدٍ إلى أبعد الحدود، وبطرفة عين يستولي على الجماعات، ثم على الجماهير، ويخدر عقولها.
هذا التعصب الذي يبرر كل شيء لصاحبه، ويُسقط على الآخر “العدو المظنون” كل الصفات السيئة، هو التعصّب الذي تمت ممارسته على الراحل “سليم”، من تخوين وتشويه سمعة، واتهامات بالعمالة، وصولاً إلى سيل من التهديدات التي من المؤسف أنها انتهت بقتله، وكل محاولات التنوير، والتوعية، والحوار وغيرها من مبادرات، لم تكن مجدية مع هؤلاء المتعصبين الكارهين، الحاقدين، المأسورين بعبادة الباطل كحق مُطلق، ومأخوذين بالزعيم المُخادع الذي يجرهم إلى الهاوية، فالأصلي منهم والمنقاد – التابع هم أسرى هذا كله، فمن المؤسف والمؤلم أن يخسر العالم العربي ولبنان رجلاً متنوراً، موسوعي الثقافة، كتلة من الطاقات المتجددة التي توزعت ما بين التأليف والترجمة، والتأريخ لأحداث وأماكن و شخصيات لبنانية، والتوثيق المهم لذاكرة اللبنانيين إبان الحرب الأهلية من خلال مشروع “أمم” للتوثيق والأبحاث، وخاصة ذاكرة الهامش والمنسي والمتروك من الناس والأماكن والأحداث، وبأدوات متعددة لا تقتصر على الكتابة، بل اهتمت بشكل أساسي بالجانب البصري أيضاً، فكانت الحصيلة عدد من الأفلام التوثيقية التي صنعها مع زوجته الألمانية “المخرجة الألمانية مونيكا بورغمان”، والتي تصب في الهدف ذاته.
إن عرف كثيرون “لقمان سليم” كناشط سياسي، وصحافي، ومحاور على الفضائيات العربية والأجنبية، في الحق الإنساني بالكرامة والعيش الكريم لمواطنيه اللبنانيين، فقد عرفه ملايين السوريين كذلك بهذه الصفة، فقد كان من الأصوات اللبنانية القليلة التي امتلكت الشجاعة، وارتفعت لتدين الإجرام وتسمي مرتكبيه، في وقت مبكر جداً من أوقات ارتكاب حزب الله جرائم وحشية ضد السوريين العُزل، وهو الوقت الذي افتقدنا فيه كسوريين هذا الصوت الذي كنا وما نزال نحتاجه، وكان صوت “سليم” الأكثر وضوحاً واستمرارية في الوقوف مع الحق، رغم خطورة هذا الأمر عليه، فقد امتلك الرجل شجاعة منقطعة النظير، وبلا توقف، حتى آخر يوم في حياته، لكن صفة “سليم” كناشط سياسي، مناصر للحق، والحرية، وحقوق الإنسان، لا يُمكن أن تجعلنا نتناسى ثقافة الرجل الموسوعية، وسعة معارفه، ومنجزه الفكري الذي كان يتجسّد بشكل عملي، فدار الجديد التي أسسها مع أخته رشا الأمير، كانت من دور النشر العربية القليلة التي ارتقت بعالم النشر، وأثبتت جدارته وأحقيته بالرصانة والجدية، والتمييز الفكري، خارج الفكرة التجارية والربحية، ودون تحويل الثقافة والفكر إلى إسفاف رخيص بذريعة (إن هذا ما يطلبه الجمهور).
لعل أكثر ما يُميز الرجل إضافة إلى ما ذُكر سابقاً، هو تواضعه وأدبه الجم، ومن النادر أن تجد مثقفاً عربياً قريب من الشارع ..شارع الناس، كما كان “لقمان سليم”، فلم يكن ذاك النخبوي، المتعالي، المترفع عن هموم العامة والمقرّب من الخاصة، بل كان صوت الناس المهمشين، والمظلومين، والمُعبر عنهم دائماً، الصادح بالمسكوت عنه، بالدرجة ذاتها التي قدم بها ثقافة رصينة، خالدة، سيُخلّد بها اسمه بين كبار المفكرين والمثقفين، كما سيُخلد في وجدان الناس.

الرحمة والسلام لروح الراحل لقمان سليم، والعزاء لأهله ومحبيه وأصدقائه، ولنا جميعاً، نحن الهامشيون، العاجزون أمام آلة الإجرام، وعُسف الظلم وطغيان المظالم، ولم يبقَ لنا إلا درب الفكر والثقافة، درب العقل والضمير، اللذين نتمنى أن لا يلفهما اليأس، جرّاء هذا الرحيل المؤلم الذي يجب أن يحثنا على الاستمرار على درب “سليم” وأمثاله، لأن في ذلك المعنى الوحيد المتبقي لحياتنا البائسة في أوطاننا البائسة.
أعمال لقمان سليم:
مؤلفات:
- عود الريحاني على العربيّة – 1998 .
- في قبرٍ في مكانٍ مزدحم، يليه بيتنا زجاج ونرشق بالورد والحجارة – مع شقيقته رشا الأمير– 2000 .
- أنسي الحاج ، شاعراً ولبنانياً (مع آخرين) – 2000.
- مفاتيح السجن السوري : مصطلحات من وراء القضبان (إعداد مع آخرين) – 2012.
ترجمات:
- الخشخاش والذاكرة لباول تسيلان من الألمانيّة إلى العربيّة – راجع النص وضّاح شرارة
- توقيعات لإميل سيوران من الفرنسيّة إلى العربيّة – 1991م.
- أنا الضحيّة والجلاد – أنا لجوزيف سعادة من الفرنسيّة إلى العربيّة – مع باسكال تابت – 2005.
*المصادر:
*سيكولوجية التعصب، أندريه هيناك وميكلوس مولنار وجيرارد دي بوميج، ترجمة: خليل أحمد خليل، دار الساقي، بيروت، 1990م.
* في يَمين المَولى/ التعصُّب في ميزان التحليل النفسي، جيرار حداد، دار الجديد، بيروت، 2016م.
*أعمال لقمان سليم، موسوعة ويكبيديا.
*د.خولة حسن الحديد.
*الأعمال الفنية للفنان التشكيلي السوري اللبناني أسعد عرابي.

لمثله فلتبك البواكي ,رحمة الله عليه
شكراً لكم لهذا التشريح و التشخيص .. أخطر ما في جائحة التعصب هذه هو العدوى!!
الله يرحمه والخلود للعقول النيرة والمجد للروح الانسانية وليس لكاتم الصوت صوت الغدر والخنوع والاجرام ، على مايبدو حكم على بلادنا بالموت السريري الأبدي بقتل كل أولئك العظماء وكتم ثقلهم وتأثيرهم ….