تُبين مراجعة التاريخ الإنساني أنّ الحضارات القديمة عرفت الصيام من باب الدين بالدرجة الأولى، وأحد تجليات الزهد كوسيلة للتطهير والسمو بالنفس، إضافة إلى منطلقات أخرى صحية واجتماعية، كانت الدافع الأساسي والمُشجع على الصيام.

الصوم كشعيرة من شعائر العبادة

  غالبية الشعوب القديمة مارست الصيام كشعيرة وطقس ديني، تقرباً من الآلهة، وابتهالاً لها وابتغاء لمرضاتها، أو لسبب يرتبط مباشرة بعبادتها، كالصيام من أجل عودتها بعد موتها ورحيلها إلى العالم السلفي، ومن عبادة الأسلاف إلى عبادة الأفلاك والكواكب، وعبادة مفردات الطبيعة كالشمس والقمر والأنهار وغيرها، ارتبط الصيام بالعبادات، واختلفت أشكاله وأنماطه، انطلاقاً من التقسيم الطبقي للمجتمع القائم على طبقة رجال الدين، وطبقة العامة.

في عدد من الحضارات القديمة كان الصوم والجوع وإرهاق الجسد، أحد الطقوس التي يجب أن يؤديها الرهبان والكهنة، أو أولئك الذين يريدون التحول إلى خدمة المعابد، وذلك بهدف تنمية الشعور بالرهبة والإحساس بالخطيئة، والقابلية الشديدة لتقبل الإيحاء والتعاليم والأفكار الجديدة، وهذا الأسلوب من التأثير المباشر للصوم على عقل الإنسان مازال لليوم قائماً، فسياسات التجويع الممنهج وفرض العزلة، وتعريض الجسد لخبرات قاسية، كلها أساليب نفسية  تستخدم اليوم في الحروب الحديثة، وأساليب السيطرة السياسية والاجتماعية، كنوع من الحرب النفسية.

ارتبط الصوم في عدد من الحضارات والديانات بالتأمل وصفاء النفس، ليصل الصائم إلى النشوة وحالة من التسامي، والانفصال عن العالم المادي، كمان كان وسيلة للتكفير عن الذنوب، كما في طقس يدعى “سانترا” أي الصيام حتى الموت، لدى أتباع الديانة “اليانية”، وذلك لتطهير أنفسهم من الخطايا والذنوب والاستعداد لمرحلة ما بعد الموت، في حين اتخذت بعض الثقافات من الصيام وسيلة للتدريب على قوة التحمُّل، إذ كان يتم الصيام لعدة أيام قبل الذهاب للحرب، وهذا ما فعله المصريون القدماء وأخذه عنهم اليونانيون والرومان القدامى.

كان الصوم أيضاً وسيلة للوصول إلى حالة من الكشف والتواصل الروحي مع الآلهة، التي لا تُظهر تعاليمها إلا عبر الرؤى والأحلام، فكان التفاني والإخلاص الذي يظهره المتعبدون من خلال الصيام، يُنمي من قدرتهم على التواصل الروحي والسيطرة على الأرواح، وامتلاك القدرة على التنبؤ بالغيب، في حين اتخذ بعضهم من الصوم وسيلة للوصول إلى ذروة الإتقان الذهني والتخلص من طغيان الجسد، وقد قام بهذا كل من أفلاطون وفيثاغورث وسقراط.   

بالغت بعض الثقافات في ممارسة الصوم كأسلوب لإذلال النفس وإرهاق الجسد، والتجرد كلياً للعبادة والنسك والزهد، بهدف الإصلاح والتطهير، كبعض الهنود الذين كانوا يصومون زهداً بهدف اتحاد أرواحهم بـ (براهما)، وكانت تلك أعظم أمنياتهم، فيضني أحدهم جسمه ويتعب نفسه ويحيي الليالي في تأمل دائم لا يعرف الراحة ولا السكينة، وقد بالغت بعض المعتقدات الهندية في التقشف والرياضة الشاقة، والزهد والتشدد في العيش، حتى سميت هذه ب“دين الانتحار”، حيث كان بعضهم يصوم حتى الموت، وكان الهنود مؤمنين بالتناسخ – أي العودة مرة أخرى إلى الحياة بعد الموت – لذلك فهم يعدون أنفسهم في حياتهم الأولى من صلاة وصيام، وزهد وأعمال صالحة، لما قد ينفعهم في حياتهم الثانية.

الصوم كعادات اجتماعية

لم تُمارس الشعوب الصيام كطقس تعبّد فقط، وإنما كان المنطلق وراء الصيام عادات اجتماعية متوارثة، كالصيام تعبيراً عن الحداد، كما لدى بعض القبائل البدائية في أفريقيا وقبائل الهنود الحمر في غابات الأمازون، وبعض السكان الأصليين لأستراليا، إذ تصوم الزوجات عن الكلام، أو الطعام والشراب بعد وفاة أزواجهن تعبيراً عن الحزن والحداد.

 كما عرف العرب قبل الإسلام الصيام، ومنه أشكال لا ترتبط بالدين والتعبد، فمثلاً كانوا يصومون عن معاشرة النساء قبل الذهاب للحرب لتستعد نفوسهم لملاقاة العدو بعيداً عن الشهوات والرغبات الغريزية مما قد يُضعف مقاومتهم.

في اليونان القديمة  كان الشعب كله يصوم عشرة أيام كل عام، تسبق تنقيح القوانين الذي يتكرر سنوياً.

في اليابان كان الصوم وسيلة لإرغام الحكام الطغاة على الاستجابة لمطالب الشعب، إذا كان يصوم الناس أمام أبواب الحكام حتى الموت، كما استخدم الصيام لأغراض سياسية واجتماعية وللاعتراض أو المطالبة بالحقوق، كما فعل غاندي والكثير من المعتقلين تعسفاً، وما زال الإضراب عن الطعام أحد أهم أشكال الاحتجاج السلمي اليوم، وهو نمط الاحتجاج الذي يضرب جذوره في التاريخ لقرون غابرة عديدة، ولم يكن وليد العصر الحديث.

الصوم كوسسلة للحفاظ على الصحة

 صام المصريون القدامى أياماً محددة بهدف الحفاظ على الصحة، كما وجد اليونانيون القدامى في الصوم علاجاً لكثير من الأمراض، إضافة لتقويم النفس وتشذيبها، ويُعتبر “أبقراط” أول مَن أوصى بالصوم كوسيلة علاجية، والتقليل من تناول الطعام والشراب، ومن ذلك قوله: (كلما أكثرنا من تغذية الأجسام المريضة زدنا تعريضها للأذى)، وقال الحكيم “بلونارك” عام (46) من الميلاد: (إن صوم يوم واحد أفضل من تعاطي الدواء).

كل المنطلقات الفلسفية التي كانت وراء الصيام في الحضارات القديمة، تم استنساخها وإجمالها في الرسالات السماوية، وبقي الصوم يُمارس كطقس ديني للتقرب من الرب، والتكفير عن الذنوب والخطايا، وللتنسك والزهد، وتعويد النفس على الصبر والتحمّل، وتهذيبها، وللمزيد من التواصل الروحي والترفع عن المادية، واختبار قوة الإرادة وامتحان طاقة الإنسان وصبره وتضحيته في سبيل عقيدته وإيمانه، وحتى الفلسفات الاجتماعية والصحية بقيت ذاتها وإن اتخذت صيغ تعبير مختلفة، وأشكال وتجليات أخرى.  

Leave A Comment