في عام 2000م كنتُ قد أجريت حواراً مــع د. “نجــاح القابــسي” رئيــس جامعــة الفاتــح الليبيــة والرئيــس الفخــري لجمعيــة التاريــخ الطبيعــي في إســبانيا ودول شــمال إفريقــي، وكانــت د. نجــاح قــد ترأســت الوفــد الليبــي الــذي حــضر مؤتمــر بكــين الذي م تحت عنوان: (المســاواة والتنمية والســلم)، وهو المؤتمر الذي ختمت به الأمم المتحدة القرن الماضي عام 1995م، والذي اعتبره كثير من العرب بمن فيهم بعض النساء نتيجة لكل المؤتمرات السابقة، وما أنتجته من إرهاصات حقيقية لما يصبو إليه الغرب من رسم ايديولوجيا للمــرأة في جميــع أنحــاء العــالم، وهو ما أســمته د. “القابسي” بـــ (عولمــة المــرأة).

إعلان بكين عام 1995م

حســب مــا ذكرتــه لي د. “القابــسي” أنــه كان للوفــود العربيــة الحــاضرة في بكــين  الكثير من التحفظات، والتي وصلت حد الرفض، وانسحاب عدد من الوفود احتجاجاً عــلى وثيقــة المؤتمــر ورفــض التوقيــع عليهــا، وحســب مــا ورد في كثــير مــما كُتــب عــن المؤتمــر ومــما أشــارت إليــه د. “القابــسي”، هــو مــا ورد مــن دعــوات مؤتمــر بكــين، فبعــد العودة إلى نص الوثيقة الختامية للمؤتمر، والوثيقة المعدة له، والتي تقع في (177) صفحة، و(262) مادة، نجد الوثيقة تدعو إلى نزعات متعددة، تتضمن فرض فكرة حق الإنسان في تغيير هويته الجنسية (من ذكر إلى أنثى ومن أنثى إلى  الاعتــراف بالشــواذ)، مــع مــا يتبــع ذلك من الأدوار المترتبة على الفرد، ومن ثم الاعتراف رسمياً ب”الشواذ” والمخنثين، والمطالبــة بــإدراج حقوقهــم ضمــن حقــوق الإنســان، ومنهــا حقهــم في الــزواج وتكويــن أسر، والحصول على أطفال بالتبني أو تأجير البطون، وكان اعتراض الوفود العربية المشــاركة على كل هــذا كونــه يتعــارض مــع الهويــة الإســلامية للمجتمعــات العربيــة، فبالنســبة للحضــارة الإســلامية لا يزال الدين الإسلامي يُمثّل  مرجعيــة لغالبيــة النــاس ونظامــاً لحياتهم، خاصة في قضايا الأسرة والأحــوال الشــخصية وفي قضايــا الفكــر والثقافــة والاعتقــاد، واعتــبر عــدد مــن الذيــن حــضروا المؤتمــر مــن الغربيــين أن الإســلام عائــق أمام تنفيــذ الوثيقــة، وهــو مــا يُزعــج الأمــم المتحــدة والغــرب؛ في حــين رأت الوفــود العربيــة أن خطــر هــذه الايديولوجيــا البديلــة يتمثــل في اقتحــام مناطــق كان يُنظر إليها باعتبارها خاصة أو شخصية، ويُنظم أوضاعهــا بشــكل أســاسي الديــن والتقاليــد والأعــراف المحليــة، والثقافات الخاصة، أي أن الاقتحام والهدم لهذه الايديولوجية ينال مناطق متصلة بالهوية والثقافة والوجــود، وهــي محــور الكيــان الإنســاني والوجــود البــشري، وبذلــك اُعتبر هذا الأمر سعياً للسيطرة عــلى الجوانــب الاجتماعيــة والثقافيــة للهوية.

رمز المساواة بين الجنسين

إشــارتي إلى مؤتمــر بكــين ومــا أحدثــه مــن ردة فعــل في الأوســاط العربيــة، ومــن قبــل النخبــة مــن بعض النساء العربيات تحديداً، فيــه إحالــة مبــاشرة إلى مفهــوم “الجنــدر” و”الجندريــة”، وما يلّم بهما من سوء سمعة في العالم العربي، وبشــكل خــاص في البيئــات التقليديــة  المُحافظة، وفي أوســاط رجــال الديــن والقضــاء والمشرّعين ، ولعــل ردة الفعــل التــي لم تتوقــف حتــى اللحظــة مــن قبــل هــؤلاء عــلى طروحــات “الجنــدر”، تصوّر حجــم المخــاوف والقلــق مــن تــداول هــذا المفهــوم،  وحجم سوء الفهم أيضاً، لكن ليس هذا كل شيء، ففي طيات هذا الرفض المطلق للمفهــوم ودلالتــه وطروحاته، أُثيرت العديد من المخاوف المبالغ فيها أحياناً، ومنها ما يُشكل ذريعة للوقوف في وجه مطالب المرأة العربية وحقها في المســاواة من جهة، ومنها ما تعود أســبابه إلى طبيعة الطرح ومن قدمه، والطريقة التي تم مــن خلالهــا الرويــج لــه، مــما أثــار الكثــير مــن الشــكوك والريبــة مــن جهة أخرى.

مفهوم “الجندر”: سوء الفهم والطرح

يُعتبر مفهوم النوع أو “الجندر” من المفاهيم الجديدة التي برزت بصورة واضحة في الثمانينات من القرن الماضي، وقُدم هذا المفهوم عبر العلوم الاجتماعية من خلال دراسة الواقع الاجتماعي والســياسي، كمحاولــة لتحليــل الأدوار والمســؤوليات والمعوقــات لــكل مــن الرجــل والمــرأة، ويقابــل مفهــوم “النــوع” أو الجنــدر مفهــوم الجنــس، والفــرق بــين الاثنــين أن مفهــوم الجنــس يرتبــط بالمميــزات البيولوجية المحددة التي تميز الرجل عن المرأة، والتي لا يمكن أن تتغير حتى إن تغيرت الثقافات أو تغــير الزمــان والمــكان، ورغــم أن مفهــوم النــوع هــو إشــارة للمــرأة والرجــل، إلا أنــه اســتخدم وضــع المــرأة بشــكل خــاص أو كمدخــل لموضــوع (المــرأة في التنميــة)، كــما طُرِح هذا المفهوم لجهــة اســتغلال الرجــل للمــرأة والــذي أصبــح أحــد أبــرز أنــواع الــصراع، ومــن هنــا جــاء التركيــز عــلى قضايــا (المــرأة والمســاواة) و(المــرأة وحقــوق الإنســان)، في حــين أن الــدور الــذي يقــوم بــه أي مــن النوعــين هــو نتــاج ســلوك مكتســب، ولا شــك أن دور كل نــوع يتأثــر بالبيئــة الجغرافيــة والاقتصاديــة، وهذا الفهم لطبيعة “الدور” يُمثــل جوهــر مفهــوم “الجنــدر”، كــما ورد في تعريفــات الأمــم المتحــدة والمنظــمات الدوليــة المعنيــة.

فــما هــي المخــاوف التــي أثارهــا هــذا الطرح في العالم العربي  والإسلامي عموماً؟ ولمــاذا؟

مبررات رفض “الجندرة” عربياً وإسلامياً

اعتبر الرافضون لدعوات “الجندرة” أنها تشكل خطراً كبيراً على مجتمعنا، وأن دعاتها يروجون لأفكار خـــطيرة تعمــل عــلى تفكيــك هويــة المجتمــع العــربي والإســلامي، وغالبيــة الرفــض المطلق جاء من أوساط دينية محافظــة، اعتــبرت أن رفــض اختــلاف الذكــر والأنثــى، وهــو اختــلاف مــن صنــع اللــه، يُمثل ضرباً لجوهر العقيدة الإسلامية، إضافة إلى فرض فكرة حق الإنسان في تغيير هويته الجنسية، وأدواره المرتبــة عليهــا، والاعـتـراف بالشــذوذ الجنــسي، وفتــح البــاب لإدراج حقــوق الشــواذ مــن زواج المثليــين وتكويــن أسر غــير نمطيــة، والحصــول عــلى أبنــاء بالتبنــي ضمــن حقــوق الإنســان، كل هــذه  يعمــل عــلى إضعــاف الأسرة الشرعيــة التــي هــي لبنــة بنــاء المجتمــع السليم والمترابط، إضافة إلى أنها تقوم بإذكاء روح العداء بين الجنسين وكأنهما متناقضان متنافران، والتقليــد الأعمــى للاتجاهــات الجنســية الغربيــة المتطرفــة والتــي امتــدت حتــى شــملت الموقــف مــن الذات الإلهية في بعض الأحيان، ورفــع المســؤولية عــن الشــواذ جنســياً وإظهارهم بمظهر الضحية، بما يتنــافى مــع موقــف الــشرع والديــن الإســلامي الذي يُمثــل مرجعيــة أساســية للهويــة الاجتماعيــة لمجتمعاتنا، وكل ذلك يُشكل – حسب رافضي الجندرة – خطراً ماحقاً يهدد مرجعيتنا، ويعمل عــلى مســخ شــخصيتنا، ويخــدم أعــداء أمتنــا.

رفض “الجندرة” وأسلوب الترويج لها

لعل أبرز ما أدى إلى رفــض “الجنــدرة” هــو طرحهــا بشــكل فــج، لا يأخــذ بالاعتبــار الخصوصيــة الثقافيــة ومســتوى الوعــي المجتمعــي في مجتمعاتنــا العربيــة، وكغيرهــا مــن المفاهيــم الغربيــة التــي تصبح  موضع انبهار وتبجح أحياناً من قبل بعض النخب، تثير حفيظة القوى الاجتماعية المُحافظة، لتركيزها عــلى الجوانــب المتناقضــة مــع قيــم المجتمــع وإهمالهــا مــا مــن شــأنه أن يــؤدي إلى تنميــة حقيقيــة، وقد ساهمت بعض النساء الغربيات في ردة الفعل تلك تجاه “الجندرة”، من خلال تركيزهن على قضايا تُعتبر جوهرية بالنسبة للهوية العربية والإسلامية عموماً، واعتبرنًها هي الأساس في الإشارة إلى مظلوميــة المــرأة، دون التعمــق في فهــم تلــك القضايــا ومــا تمثلــه للثقافــة المحليــة، وأنســاقها الاجتماعيــة والثقافيــة.

 مــن الأنمــاط الخاصــة بالخطــاب النســوي الغــربي كان الانــزلاق مــن تأكيــد أخوة النساء عالمياً، إلى قيــام علاقــة تراتبيــة تحتــل فيهــا المــرأة الغربيــة مكانــة أعــلى، باعتبارهــا نموذجــاً متقدمــاً لكيــان المــرأة التــي يجــب أن تصبــو إليــه النســاء مــن الثقافــات والديانــات الأخــرى، والنســاء المســلمات على وجه الخصوص.

كما أن غالبية النســويات الغربية تقوم بالاســتعانة بتعريف ضيق جداً لمــا يُشــكل النســوية داخــل الســياق الغــربي، ثم يُستخدم هذا التعريف كمقياس لا ترقى إليه النســاء مــن بلــدان العــالم الثالــث، ويمارس البحــث النســوي الغــربي اســتغلال نســاء العــالم الثالــث خطابياً، وذلك عن طريق توحيد كيان وفئة “المرأة”، ومن الأمثلة التي تقدمها “تشاندرا موهانتي” هــي تصويــر وتمثيــل المــرأة المســلمة المحجبــة ضمــن فئــة واحــدة ثابتة، وباعتبارها مقهورة تماماً، دون إشــارة إلى الفروقــات بــين المجتمعــات المســلمة، كــما إن تــراث الحجــاب هــو الأمــر الرئيــسي الــذي يميل البحث النسوي الغربي إلى التركيز عليه في تحليل قضايا النساء المسلمات والإسلام، وبمجرد أن يتــم ترســيخ الحجــاب كرمــز جلــي لقهــر النســاء المســلمات في الخطابــات الغربيــة، يثم بالتــالي تحويلــه من رمز ثقافي وديني إلى رمز سياسي، وكما تؤكّد بعض المنظــرات مثــل “ليــلى أحمــد ومارنيــا لارزق”، أنــه تــم تســيّس الحجــاب كرمــز لمقاومــة الحكــم الاســتعماري والتأثــير الإمبريــالي، وذلــك مــن خــلال الخطــاب النســوي الغــربي، ســواء بواســطة الرجــال أو النســاء.

حول إنتاج المفاهيم

لا شك أن تمثـّـل المفهــوم كــما هــو عليــه في البيئــة الغربيــة التــي أنتجتــه، ومحاولــة فرضــه عــلى مجتمعــات معينــة لهــا خصوصيتهــا وهويتهــا المتميــزة الموغلــة في القــدم، كان أهم أســباب الرفــض المطلق للجندرة برمتها، ولا شــك أنه منذ طروحات قضايا تحرر المرأة، ومنذ طالب “قاســم أمين” في مطلــع القــرن العشريــن بتحــرر المــرأة، ومنحهــا فــرص التعليــم والعمــل والمســاواة، مــا زالــت تلــك الدعــوات تلقــى الرفــض بدرجــات متفاوتــة، وعليــه وبعــد تجربــة طويلــة للمــرأة العربيــة في نضالهــا مــن أجل نيل حقوقها، لا بدّ من توخي الحذر في طرح المفاهيم وطريقة الرويج لها، وتبني اسراتيجيات مقبولــة اجتماعيــة ونابعــة مــن جوهــر الهويــة الاجتماعيــة، والأنســاق الثقافيــة للبيئــة المحليــة ليتــم استيعابها وقبولها تدريجياً، ولا شــك أن الثقافــة العربيــة الراهنــة تتقبــل فكــرة أن الأدوار الاجتماعية لكلا الجنسيين تتغيّر فعلاً، فلــم يعــد التعليــم أو العمــل محصــوران بالرجــل، فالعلــم أو العمــل، لم يحولا المرأة إلى رجل، ولم يفضيــا إلى الشــذوذ الجنــسي، كــما يزعــم البعــض، معتــبراً أن الدعوات إلى تحرير المرأة أو تبني مفهوم الجندر، ليس إلا دعوة إلى (مسخ شخصية المرأة، ومسخ شخصية  الرجل مسخاً كلياً، من خلال الدعوة إلى إزالة الفوارق بين الرجال والنساء والدعوة إلى الشذوذ)، بحيــث يُمكــن للمــرأة أن تكتســب كل صفــات ومميزات ووظائف وأدوار الرجولة الاجتماعية، وتكون بذلك رجلاً من دون أن تكون ذكراً، والعكــس بالعكــس صحيــح تمامــاً، ومن دون أي انتقاص لوجود وإنسانية أي منهما، إذا قام بوظيفة الآخر اجتماعياً، وبمعنــى آخــر: يمكــن للرجــل أن يكتســب كّل صفــات ومميــزات ووظائــف وأدوار المــرأة الاجتماعيــة، ويكــون بذلــك امــرأة مــن دون أن يكون أنثى قط، ومن دون انتقاص لوجوده وإنسانيته.

وختاماً، تجــدر الإشــارة إلى أنــه مــن الــضروري الكــف عــن اعتبــار الوضــع الجنــدري في الغــرب هــو الوضع النموذجي؛ والكــف عــن اســتعارة المفاهيــم المُنتجة في الغرب واستخدامها دون محاولة تطويعها وفقاً لخصوصيــة مجتمعاتنــا؛ ويجــب عــلى الدراســات والأبحــاث العربية التحرر من الرؤية الاســتشراقية – الغربية التي تجعل من الغرب نموذجاً ينبغي اتّباعه دائماً، وكل ذلك يجب أن يتم بعيداً عن التعصــب والرفــض الأعمــى لــكل مــا ينتجــه الآخــر المُختلف، بحجة الغزو الثقــافي والمنطــق الاســتعماري، وقــد آن الأوان للفصــل بــين الغــرب الاســتعماري والغــرب الحضــاري، والــذي نســتورد منــه كل منتجاتــه الصناعيــة والتقنيــة، ونخـشـى القيــم التــي أنتجتهــا .

المراجع

*الدراسات النسائية/ دراسات الجندر، دراسة وبحث: نيما ناغيبي، ترجمة: هالة كمال، شبكة الانرنت، دون تاريخ.

*بحــث مفهــوم “الجنــدر”، رفيف رضا صيداوي، شبكة الانترنت، التحالــف التونــسي للحــوار عــلى الفيــس بوكــ.

 *هالــة كــمال وتقديــم هــدى الصــدة، أصــوات بديلــة للمــرأة والعــرق والعاصمــة لهــا العــالم الثالــث، القاهــرة: المجلــس الأعــلى للثقافــة، 2002م.

 Jacquelyn B. James, The Meanings of Gender, Journal of Social Issues, The Significance of Gender: Theory and research about Difference, Blackwell, Publishers,125 – 122 pp. ,1997

*د. خولة حسن الحديد

**نُشر هذا الموضوع في العدد الرابع من مجلة أوراق الصادرة عن رابطة الكتاب السوريين، عام 2015م.

2 Comments

  1. Hussam Al din al mustafa July 16, 2020 at 7:41 pm - Reply

    كل الشكر دكتورة خولة .
    للمعالي دوماً

    • kmarabia July 17, 2020 at 3:19 am - Reply

      شكرا حسام لاهتمامك الدائم وتفاعلك

Leave A Comment