ما هي مهن المساعدة النفسية؟ وما الفرق بينها؟
باتت مهن المساعدة النفسية مع غيرها من مهن المساعدة الإنسانية ( التربوية والاجتماعية)، مطلباً واحتياجاً ضرورياً للمجتمعات المعاصرة، ولاشك أن بروز الحاجة لهذه المهن أصبح بادي للعيان، لمساعدة أفراد المجتمع من مختلف الفئات العمرية على تلبية متطلبات التكيف النفسي والاجتماعي، التي تفرضها أنماط التغيير السريع للحياة في مختلف أوجهها، والتسارع الكبير في تطور وسائل الاتصال الحديثة والتكنولوجيا، والذي انعكس بشكل مباشر على السلوك الإنساني.
تُقسّم مهن المساعدة النفسية وفقاً لطبيعة الخدمات التي تقدمها، والإجراءات التي تتخذها، والمتطلبات التي تحتاجها إلى ثلاثة أنواع: ( التوجيه، الإرشاد، العلاج)، وهي أنواع لعمليات متداخلة ومترابطة، وتستند إلى بعضها بعض.

التوجيه النفسي
عملية تتم بشكل منظم وفقاً لخطوات محددة ومخططة مُسبقاً ، تهدف إلى مساعدة الأفراد على فهم ذواتهم والعالم المحيط بهم، وصولاً إلى تقديم خدمات وقائية وإنمائية، تعمل على تجنب الوقوع في المشكلات والاضطرابات النفسية، وتستهدف كل فئات المجتمع من الطفولة المبكرة إلى الشيخوخة.
يقوم التوجيه بمساعدة الأفراد بالتعرف على قدراتهم وإمكاناتهم، وفهم البيئة المحيطة بهم وما تقدمه من إمكانات وفرص، وصولاً لاتخاذ قرارات سليمة، تساهم في رفع القدرة على التكيف والمواءمة بين الفرد وبيئته، من مثل: توجيه طلبة المدارس نحو التخصصات التي تناسب قدراتهم وميولهم، وتوجيه الأفراد نحو المهن المناسبة لهم، مساعدة المقبلين على الزواج على اتخاذ القرارات المناسبة في اختيار الشريك .. الخ.
يُساهم التوجيه في التوعية المجتمعية عبر مختلف المؤسسات، فهو لا يشمل الأفراد فقط، بل يستهدف الجماعات أيضاً، ويستخدم مختلف الأساليب المتاحة لتحقيق أهدافه كوسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومختلف القنوات المُتاحة.

الإرشاد النفسي
هو مجموعة من الإجراءات تتم بين طرفين (المرشد، المسترشد/ العميل)، يقدمها شخص متخصص ومؤهل لتقديم المساعدة المتخصصة، لشخص آخر يمر بصعوبات وأزمات، ويُعاني من مشكلات غير قادر على حلها بنفسه، مما يفقده التكيف السوي، والقدرة على إقامة التوازن بين مختلف جوانب حياته.
تقوم عملية الإرشاد على أسس علمية منظمة، وتستخدم الأدوات العلمية المضبوطة، كالاختبارات والمقاييس والمقابلة الإرشادية والملاحظة… وغيرها، والتي من خلالها يُمكن تشخيص الحالة، والوصول إلى خطة إرشادية تساعد (المسترشد) على زيادة التبصر بنفسه، وتحديد قدراته، ومواجهته مشكلاته.

تستند عملية الإرشاد النفسي إلى عدد من النظريات العلمية، وتنطلق منها لفهم شخصية ( المسترشد) ودراسة حالته، وتشخيص مشكلته، كما تسير الإجراءات المتّبعة وفق خطة معينة تبعاً للنظريات المذكورة، ولذلك تتنوع وتتعد أساليب الإرشاد النفسي، وعلى المتخصص بالإرشاد النفسي أن يكون مؤهلاً ومُطلعاً بعمق على نظريات النمو، والشخصية، ومدارس علم النفس، وكل ما يرتبط بتخصصه، مما يُمكنه بالقيام بدوره بشكل ناجح.
يُقدم الإرشاد النفسي إلى الأشخاص العاديين/ الأسوياء، وإلى الذين يعانون من صعوبات في التكيف، وطالب المساعدة الإرشادية غالباً ما يكون متبصراَ بنفسه، ويشعر بمشكلته، لكنه غير قادر على حلها بدون مساعدة متخصصة.
أصبح للإرشاد النفسي العديد من التخصصات، وذلك تبعاً للمجال الذي تُقدم فيه المساعدة، من مثل: الإرشاد النفسي التربوي، الإرشاد النفسي الزواجي، الإرشاد النفسي الصحي/الطبي.. وغيرها، وكل متخصص في الإرشاد النفسي العام يُمكن أن يقدم المساعدة في المجالات المذكورة بعد اختياره التخصص في أحدها، واتباع دورات تدريبية ومناهج علمية في التخصص المطلوب ممارسته، وغالباً ما يقوم متخصصو الإرشاد النفسي بدورٍ فعّال في تقديم الدعم النفسي خلال الأزمات الطارئة، كالكوارث الطبيعية والحروب وانتشار الأوبئة.
العلاج النفسي
نوع من العلاج يتوجه إلى الذين يعانون من اضطرابات نفسية حادة ذات صبغة انفعالية، يُعاني منها المضطرب وتؤثر في سلوكه، ويعمل المعالج وفقاً لخطة علاجية على إزالة أعراض الاضطراب، وتعديل سلوك المضطرب ومساعدته التخلص من آثار الاضطراب على شخصيته وسلوكه، وإعادة توازنه وتكيفه مع العالم المحيط.
يُقدم العلاج النفسي إلى مختلف الفئات العمرية، ولكن إلى الأشخاص المضطربين الذين فقدوا توازنهم الشخصي، وتكيفهم مع البيئة، فالمضطرب نفسياً غير متبصر بنفسه، ولا مُدرك لاضطرابه، وغالباً ما يرفض العلاج.

لا يقوم المعالج النفسي بوصف الأدوية النفسية والعصبية، فهذه من مهام الطبيب النفسي، ولكن يُمكن التنسيق والتعاون بين الطبيب والمعالج، إذ يقوم الثاني بمتابعة المضطرب ومساعدته في تعديل سلوكه، والتخلص من آثار الاضطراب.
يستند العلاج النفسي إلى عدد من النظريات والمدارس النفسية العلاجية: ( التحليل النفسي، السلوكية، العلاج المعرفي العقلاني، العلاج المتمركز حول الذات …الخ)، ولكل مدرسة أساليبها وأدواتها، والتي يجب أن يتمكن منها المعالج ليقوم بأداء واجبه على أكمل وجه، لذلك تتنوع أساليب العلاج وتتعدد بتنوع وعدد المدارس.
يُقدم العلاج النفسي أشخاص متخصصون، درسوا التخصصات العلمية اللازمة لممارسة العلاج النفسي، وتمكّنوا عبر التدريب الطويل من امتلاك خبرات وقدرات تخولهم من هذا العمل، و تختلف الإجراءات القانونية الرسمية اللازمة لممارسة العلاج النفسي من بلد لآخر، لكن كلها إجراءات تُنظم مهنة العلاج النفسي، وتضع الضوابط والشروط اللازمة لمنح الترخيص بممارستها.
بين التوجية والإرشاد والعلاج
تسير عمليات المساعدة النفسية على خط واحد، وتتداخل أحياناً، وتختلف أحياناً أخرى، فالتوجيه أشمل وأوسع من الإرشاد والعلاج من حيث الأهداف والفئات المستهدفة، ولذلك قد يتضمن الإرشاد ويشمله، والتوجيه أيضاً يتم قبل الوقوع في المشكلة أو الاضطراب لذلك هو وقائي، وبعدهما أحياناً وبهذا يكون نمائي، في حين يتم كل من الإرشاد والعلاج بعد وقوع المشكلة أو الاضطراب.

كما يتداخل الإرشاد والعلاج أحياناً، ويختلف كل منهما عن الآخر حيناً آخر، فالإرشاد يتوجه إلى الأسوياء والذين يعانون مشكلات سوء تكيّف، بينما يتوجه العلاج إلى المضطربين والمرضى من أصحاب العُصابات والذُهانات وذوي المشكلات الانفعالية الحادة والاضطرابات عميقة الأثر، والمشكلات التي يُعالجها الإرشاد أقل خطورة من تلك التي يُعالجها العلاج النفسي، وتُحل المشكلات في الإرشاد النفسي على مستوى الوعي، كون الشخص يعي ذاته ومشكلاته ومتبصراً بنفسه، ومدركاً لما يُعاني منه، بينما تُعالج المشكلات في العلاج على مستوى اللاوعي ( اللاشعور) والتي لا يدركها المتعالج، وبهذا في الإرشاد يقوم العميل بنفسه بإعادة بناء شخصيته واستعادة توازنه بمساعدة من المرشد، بينما في العلاج يكون للمعالج دور أساسي بهذه المهمة، فهو من يعيد بناء شخصية المضطرب، ومن ثم مساعدته على النضج والوعي، وبذلك يكون دور المعالج أكبر من دور المرشد، كما يتطلب العلاج وقتاً أطول من الإرشاد، ويُقدم خدماته في العيادات والمصحات والمشافي والمراكز المتخصصة، بينما يُقدم الإرشاد في المدارس والجامعات ومؤسسات العمل والمؤسسات الاجتماعية.

يُمكن إيجاز ما تقوم به مهن المساعدة النفسية بالصيغة التالية:
التوجيه: قبل وقوع المشكلة، أو بعدها / وقائي، نمائي.
الإرشاد: خلال وقوع المشكلة وقبل تطورها لاضطراب/ إرشادي بنائي.
العلاج: بعد وقوع المشكلة وتحولها إلى اضطراب/ علاجي بنائي متعدد الأبعاد.
من الجدير بالذكر أن مهن المساعدة النفسية ترتبط بعدد من المجالات والعلوم الطبية والتربوية والاجتماعية، وعلى المتخصص بواحدة من هذه المهن، الاطلاع بشكل جيد على هذه المجالات والمعارف المرتبطة بها، ومواكبة كل جديد .
*بقلم: د.خولة حسن الحديد

تفاصيل مهمة، الجميع بحاحة لمعرفتها،
اغلب الناس تخجل من الاستعانة بهذه المهن رغم اهميتها حتى للاسوياء…
سؤال: مدى تاثير اختلاف الثقافات وعدم الالمام باللغة في عرقلة المشورة النفسية والعلاج؟
عدد من الاشخاص باوربا سالني اذا اعرف طبيب او مرشد نفسي يتقن العربية؟
تحياتي دكتور مهيدي. بالطبع الاختلاف والفروق الثقافية مهمة جدا، وتؤثر في شكل العلاقة بين المعالج والمتعالج. وتؤثر في فهم المعالج لطبيعة شخصية المتعالج وهذا من صلب دراسة الحالة والتي تتضمن دراسة تاريخ الحالة. ويجب أن يكون المعالج مُدرك تماما للفروق الثقافية وخلفياتها وأثرها على الشخصية واضطراباتها. وأعتقد موضوع اللغة مهم جدا. لانه اللغة ليس مجرد أداة تواصل. بل هي آلية تفكير وأنساق ثقافية وهذا كله مهم. وعدم إتقان اللغة مشكلة. وحتى مع إتقانها .الناس تعبر عن نفسها بلغتها الأم بشكل أفضل. وهذا لا شك عائق يجب أن تتوفر له حلول بالتوجه إلى معالجين من الثقافة ذاتها أو يعرفون اللغة ومطلعين على أدبيات ثقافة الآخر ( المتعالج) في حال الاستعانة بمترجمين.