انتشرت في الآونة الأخيرة وخاصة مع بقاء الناس في منازلهم، بسبب وباء كورونا دعوات من جهات ومؤسسات مختلفة، تحث الناس على استثمار أوقات فراغهم بشيء مفيد، وتحقيق إنجاز على الصعيد الشخصي، لمواجهة الملل الذي قد ينشأ من نمط الحياة الجديد الذي فرضه الوباء، مما قد يترك من آثار نفسية سلبية، وقد تكون شديدة لدى بعضهم.
بهذا السياق فتحت كبرى الجامعات والمؤسسات التعليمية فرص للتعليم المجاني الإلكتروني، ليستفيد منها الناس، وقد اعتبر كثيرون إن هذه الخطوة من ايجابيات الحالة الجديدة، ومن الفرص التي من الصعب تكرارها فيما بعد.
مبادرات إيجابية … ولكن!
المتابع لمواقع التواصل الاجتماعي يرى الكم الهائل من نصائح التعامل الأمثل مع الوضع الجديد، إذ قُدمت مجموعة مبادرات من قبل بعض الشخصيات المؤثرة في المجتمع، وقد أظهر كلٌ منهم الإنجاز الجديد أو الموهبة الجديدة التي بدأ يمارسها، ليستغل الوضع الراهن، وكل تلك المبادرات تُظهر كم الإنجاز المثالي والمغلف بالسعادة والرضا والتميز.

مع إيجابية هذه المبادرات وأثرها الإيجابي على الناس الملتزمين بالحجر الصحي، إلا أنها تحمل في وجهها الآخر عبئاً جديداً، يقع على المتابع للأحداث والمشاهير وإنجازاتهم، خاصة لفئات محددة من المجتمع والتي لا تتوفر لها الظروف المناسبة التي توفرت لهؤلاء الأشخاص المؤثرين، ومن هذه الفئات المراهقين، أو الأمهات المنشغلات بمهام منزلية وأسرية متعددة، أو الأشخاص محدودي الدخل .
*وهم الإنجاز …استجابة خاطئة تظهر خلال الحجر الصحي تجنباً لوباء كورونا
وهم الإنجاز والإنسان السوبر/ الكامل
في ظل وباء كورونا ظهرت على السطح أزمة جديدة – إن صح لنا أن نسميها أزمة- ألا وهي“وهم الانجاز”، وهو محور حديثنا، حيث تم تعريف الإنجاز (وذلك حسب المبادرات التي ظهرت في مواقع التواصل الاجتماعي)، على أنه ابتكار شيء جديد في حياتنا والاستمرار في العمل والعطاء، وتطوير الذات، وعدم الركون إلى الراحة او الفراغ ، كما تم الترويج للإنجاز على أنه اكتساب مهارات متعددة في مجالات مختلفة وإتقانها، وبذلك نكون قد حمّلنا مفهوم الإنجاز صفات يصعب تحقيقها عند معظم أفراد المجتمع.

ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بإظهار حياة الشخص المنجز، على أنه الشخص الذي لايسمح بدقيقة واحدة تمر من وقته بلا عمل أو تعلم شيء جديد، حتى أصبح الفراغ عبء ومؤشر على الفشل لدى صاحبه، مما يزيد من توتر الفرد ويحمل نفسه مالا تطيق، حتى تصل إلى ذلك الإنجاز المشوه، أو يتهمها بالفشل.
من الأمثلة لا التحديد على ذلك الوهم، نموذج الأم ودورها في ملء وقت أبنائها بما هو مفيد ومثمر لتطوير شخصياتهم، إذ تقضي الأم وقتاً طويلاً في تصميم أنشطة لأطفالها، وتسجل نتائج أعمالهم مع خلفية المنزل الأنيق المنمّق، الذي لاتشوبه شائبة أو أي خلل، مع هدوء الأطفال وانصياعهم لأوامر الأم بكل سلاسة، وابتسامة تغلف الموقف ككل، في المقابل تتابع هذه الأم أمأ اخرى مسؤولة ربما عن أكثر من طفل وزوج ومنزل من ترتيب وتنظيف وإعداد طعام …الخ، وهذه الأخيرة ستقارن نفسها وعملها بالأم المثالية – إن صح التعبير- وسترى كم هي مقصرة في حق أبنائها، وملء وقتهم بشيء مفيد، ولو أرادت أن تجاري ما شاهدته لما استطاعت أن توفق بين تربية الأبناء كما تراها أو رأتها في تلك الأم المثالية، وبين المهام الملقاة على عاتقها .

تلك الصورة للأم الواقعية والأم على وسائل التواصل الاجتماعي، تجعلنا نتساءل ماهو الإنجاز ؟؟
كمفهوم محدد بعيداً عن التشوهات التي اعترته في هذه الفترة، يرى عالم النفس “آدلر”: إن الفرد يتجه لتحقيق غايات محددة في حياته للتخلص من النقص، ويسعى للكمال بكل أفعاله وتصرفاته، وبالتالي سلوك الأفراد هو سلوك “تعويضي”، وسلوك مستمر للسعي نحو الكمال، وبالتالي يرى “آدلر” إن تاريخ البشرية هو تاريخ الشعور بالنقص وتاريخ التعويض عنه، وعليه فإن تعويض النقص الذي حدث نتيجة التوقف عن نمط الحياة المليء بالعمل والإنتاج، والسعي الدائم نحو الإنجاز والعمل، تمثّل بالبحث عن إنجازات جديدة، وقد ظهرت المثالية واضحة في الأعمال أو الإنجازات التي أظهرها أصحابها.

إن التوقف المفاجئ لشكل الحياة المعتاد للبشرية، ومواجهة الذات وطبيعتها التي لايمكنها الوصول للكمال، قد خلق توتر لدى البشر، وكان الحل لإعادة التوازن هو البحث عن كمال جديد، من خلال الاستمتاع المبالغ فيه أو الإنجازات المثالية، وقد راح بعضهم يُقلل من أهمية من لجأ إلى الفراغ أو الاستراحة من نمط الحياة السابق، و تم اتهامهم بالسلبية، وهنا لابدّ من الإشارة إلى أن السعي نحو الكمال هو أمر طبيعي لدى البشر، ولكن عندما يتحول هذا السعي إلى سعي غير منطقي، أو لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع، عندها نكون أمام: “سعي مرضي”.
أنماط الشخصية ووهم الإنجاز
لو عدنا إلى “آدلر” وتقسيمه لأنماط الشخصية، نجد أنه يقسمها إلى عدة أنماط:
النمط الأول (المستبد) الذي تكون لديه طاقة هائلة للكمال والإنجاز، والنمط الثاني (المائل) صاحب الطاقة الضعيفة الذي يميل لاتباع أوامر الآخرين، ويُفضل أن يسيّر حياته الآخرون، أما النمط الثاث الثالث (المتجنب) صاحب الطاقة الأضعف، وهو النوع الذي يمكن أن يصل إلى الحالة الذهانية، والنمط الرابع (الاجتماعي المفيد) وهم الناس أصحاب الطاقة المتزنة، التي تساعدهم في الوصول إلى أهدافهم السوية والممكن تحقيقها.
إذا أسقطنا أنماط الشخصية تلك على مثالنا السابق (الأم الواقعية والأم المثالية)، فإننا أمام النمط الأول (المستبد/ الأم المثالية)، والنمط الأخير (الأم الواقعية/ الاجتماعي المفيد)، فلو نظرت الأم إلى مهامها المنجزة من تعليم الأطفال ورعايتهم، والاهتمام بنظافة منزلها والاهتمام بزوجها ونفسها، وخلق جو أسري إيجابي لوجدت أمامها كم من الإنجازات المحققة بقدر مقبول.

أما النمط المثالي للأم، فهو نمط لايمكن لمعظم الأمهات تحقيقه، مهما توفرت لهم ظروف حياة جيدة، وبالتالي الترويج لهذه الأنماط وإظهارها بكونها هي السائدة والأكثر كمالاً، سيكون سبب توتر وإحساس بالتقصير والشعور بالذنب لباقي لدى الأمهات.
*لا تكن أسير السعي إلى الكمال، بل أنجز ما عليك بتميز، لألا تسقط في وهم الإنجاز
بعيدا عن مثال الأم المثالية والواقعية، وبالعودة إلى الإنجاز كمفهوم تم تحميله أكثر مايتحمل من صفات، و يتوجب علينا كأفراد – قبل التأثر بأنماط الناجحين والمؤثرين في المجتمع وإنجازاتهم- فهم ظروفنا الشخصية وإمكانات البيئة المحيطة بنا وما يتوفر لنا فيها من موارد ودراستها بدقة، وهذا الفهم لظروفنا وقدراتنا الفردية المتميزة، يساعدنا على تفسير مستوى الأعمال التي ننجزها، ويجعلنا نبصر الإنجازات التي ننجزها مهما صغرت، فالهدف من الإنجاز هو تحقيق الأهداف المُرضية لنا، وليس الوصول إلى الكمال والمثالية التي نعرف إنه لايُمكن الوصول لهما لعدم توفر العوامل اللازمة لذلك، فالأهم هو الشعور بالرضا وتحقيق الذات والقناعة بأهمية ما تم إنجازه.
*بقلم: صهباء الخضر/ أخصائية نفسية، سورية
** **يُعبر المقال عن رأي الكاتبة، ولا يعبر بالضرورة عن رأي المدونة.

الساحة في الوقت الحاضر هو للإعلام والدعاية التلفزيون وكل ما يقدمه لنا غث ونفيس نأخذه كما هو ,اما بسبب مشاغل الحياة فلا قوت للبحث والتقصي أو ميل الانسان بشكل عام للكسل وعدم إعمال العقل وأخذ القوالب الجاهزة, فنقع في أسر أو سحر المعلومة لتمرير غايات غالباً ما تكون استهلاكية بحتة, حتى صورة الأم المثالية التي نراها هي غالباً لتمرير غاية استهلاكية لمادة معينة. وقس على ذلك.
مع أهمية المقال وغنى محتواه ,لكن أميل أن الغاية لا تنحو للانجاز والإفادة بقدر ما هي تسويقية وترويجية.
شكراً على سلاسة المعلومات وبساطتها.
ربما تسويق كل شيء في حياتنا أصبح عبء على الحياة الطبيعية وأصبح كل شيء مكلف وكلفته
صحتناا النفسية ورضانا عن ذاتنا…
شكرا لكم