“أنا أفكر إذاً أنا موجود” الكوجيتو الديكارتي الشهير والذي توصل
إليه الفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارت”، بعد رحلة بحث طويلة، يوهمنا هذا “الكوجيتو”
أنّه تمّ إثبات وجودنا فعلاً وقطعًا بشكل غير قابل للرجوع، ولكني أعتقد أن “ديكارت”
في رحلته تلك قد وضع فكرةً واقتنع بها قبل أن يصل لإثباتها، أي أنه كان على يقين
بوجوده تماماً منذ انطلاقته.
هل نحن موجودون فعلاً؟
سؤالٌ فلسفي ممتد منذ زمن طويل، وما الغرض من طرحه بشكل مستمر إلا لمنع الإنسان من الوقوع بوهم توصله للحقيقة المطلقة، ودفعه للتفكير من جديد ليس لأجل إثبات وجوده فقط، بل للوصول لأمور أخرى أيضاً.
في“تأملات الفلسفة الأولى”، طرح “ديكارت” فكرةً عميقة، والمتمثلة بوجود شيطان شرير كليّ القدرة ينزع إلى تضليلنا، يخدعنا ويقودنا الى الاعتقاد بأننا نعيش حياتنا بشكل حقيقي. وفي كتاب “الخيال العلمي والفلسفة – من السفر عبر الزمن إلى الذكاء الفائق” تحرير “سوزان شنايدر”، تم فيه تفصيل فكرة وجود الدماغ داخل وعاء من المغذيات ومرتبط بجهاز فائق القدرات، يحفز المخ ويعمل على إيهامنا بأننا نعيش حياة حقيقية متكاملة، كذلك تم تقديم هذه الفكرة عن طريق السينما بأفلام الخيال العلمي، ومنها الفيلم الشهير (المصفوفة_The Matrix)، والذي يقحمنا بهذه الأفكار الفلسفية الوجودية، فيتحدث عن عالم افتراضي صنعته كمبيوترات واعية لإخضاع الإنسان، واستخدامه كمولدات للطاقة بعد إدخاله في برنامج “المصفوفة”، والإنسان هناك يعتقد أنه يعيش حياةً حقيقية تماماً.

ما مدى معرفتنا بالواقع المحيط؟ … تجربة “الكهف” عند “أفلاطون”
قدّم “أفلاطون تجربته”، وهي بأن نتخيل سجناء مقيدين داخل كهف لمدّة طويلة، وهم يواجهون جداراً وخلفهم نار، وبين السجناء والنار طريق حيث يسير رجال يحملون أوعية وتماثيل، وبينما يسير الرجال خلف السجناء يعكسون ظلالاً على جدار الكهف، بالتالي لايستطيع السجناء أن يروا الحقيقة التي خلفهم، وعالمهم مجرد ظلال فقط، وهم لايعلمون شيئاً عن الأسباب الحقيقية للظلال، ويتساءل بعدها “أفلاطون”:
هل من الممكن أن تكون هذه الظلال هي فهمنا للحقيقة؟ وهل يمكن أن يكون فهم الإنسان للحقيقة هو عبارة عن إدارك جزئي فقط.؟
ستجيبه الآن ياصديقي بأنك مدرك لوجودك بعالم حقيقي، فأنت تنظر حالياً لجهازك الإلكتروني، وتجلس أو تقف على شيء ملموس، ومدرك تماماً لكل تحركاتك وكل مايحيطك، إذاً دعني أطرح هذا السؤال السخيف:
هل يمكنك أن تتيقن بأنك تحلم أثناء نومك؟ أم أنك حينها تعتقد أن مايحدث وتراه حقيقة فعلاً ؟

الوجود من منظور الفيزياء
هناك نظرة مختلفة عن وجودنا، وذلك من منظور الفيزياء الفلكية الحديثة، فهي تثبت لحد ما أننا موجودون فعلاً، ولكن ليس كجسم بشري متفرد ، بل كجزء من الفلك.
فلو جئنا بالعناصر التي تشكّل منها الكون باستثناء “الهيليوم” (عنصر خامل كيميائيًا)، لوجدنا هذا التطابق التام بين ماشكّل الكون وماتشكّل منه الإنسان: (الهيدروجين، الأوكسجين، الكربون، النيتروجين، وأشياء أخرى)، وهذا كله متطابق تماماً من حيث العناصر والترتيب، بين ماتشكل منه جسم الإنسان والكون.
في هذا يقول العالم “نيل ديغراس تايسون”: (نحن جزء من هذا الكون ونحن بداخله أيضاً، ولكن ربما يكون الأكثر أهميةً من تلك الحقائق هو أن الكون بداخلنا).
إذا عدنا إلى العناصر التي تَكوّن منها الإنسان، لرأينا أنها العناصر الأكثر وفرة في الكون، إذاً لماذا سنكون نحن فقط الموجودين بهذا الفلك الهائل؟
وهل يعقل أن تكون فكرة أن الإنسان مركز الكون ماهي إلا وهم يحمله عقل مراهق؟
وإن أثبتت الفيزياء هذه النظرية، فهل هذا يعني أننا موجودون فعلاً؟ أم أن وجودنا جزئي وليس كامل؟

هل نحن مجرد محاكاة لحياة واقعية
توصل “ديكارت” لوجود عقله عن طريق عقله، كمثَل من دخل غرفة مظلمة وأنارها بمصباح كهربائي ليأتي بكتاب يقرء فيه عن حقيقة وجود الكهرباء! ومن ثمّ أثبت وجود أفكاره استناداً لوجود عقله، ومن ثم أثبت وجوده كـ “ديكارت” استناداً لوجود أفكاره، وبدأ بإفراغ جميع التفاح من سلّته، وعاد لينتقي ماهو سليم ويعيد ترتيبه بهاا، ولكن من الذي أخبر “ديكارت” أن السلة اسمها “سلة” وأنها موجودة فعلاً؟
بدأ “ديكارت” مسيرته بإثبات وجوده بشكل صحيح، ولكن وبعد وصوله لدرجة معقدّة ، قرر الوقوف عند المسبب الأول بهذا التعقيد “عقله”، واعتمده أساساً ثابتاً، وانطلق منه بسلسة متواصلة انتهاءًا بما يسمى “العلّة الأولى”، وعاد إلينا بعدها بإثبات اللامثبت، لندعه يرقد بسلام ونعود لتساؤلاتنا:
ماذا لو لم نكن موجودين حقيقيةً؟ وأن وجودنا هذا ماهو إلاعبارة عن محاكاة للواقع، أي أننا مجرد نسخة لواقع حقيقي آخر نجهله؟ وماهي إمكانية هذه الفرضية؟
تم طرح ثلاث إدعاءات وواحدٌ منهم قائم وربما سيجعلنا نصل للحقيقة:
*أولاً: إن الإنسان لا يمتلك القدرة فعلاً، لإنشاء مايمكنه أن يحاكي المخ البشري.
*ثانياً: إن الإنسان لديه القدرة، ولكنه ليس بصدد صناعة كمبيوتر يحاكي المخ البشري.
*ثالثاً: إن الإنسان يمتلك القدرة على صناعة هذا الكمبيوتر، ولديه النية في صناعته.

الآن، هل لاحظت معي أن الخيار الثالث هو مايشغل العالم الحديث؟ إذاً دعنا نقف قليلاً وننظر إلى الفضاء مدهوشين.
إن امتلاك الإنسان القدرة والنية على صناعة كمبيوتر يحاكي المخ البشري، يعطي احتمالاً كبيراً على أننا نعيش ضمن محاكاة وعالم غير واقعي، أي أننا نسخة من نسخ عديدة لواقع واحد.
ربما نعزي أنفسنا ونقول إن صحّت هذه الفرضيات، لعلنا إذاً النسخة الواقعية الحقيقية، نعم هذا ممكن ولكنه ضئيل جداً، فكل نسخة موجودة سوف تعتقد أنها الأصل وتفكر بنفس الأسلوب الذي نفكر به حالياً، والذي سبق وفكرت به النسخ السابقة ومنها الأصل، أي أنه وبمجرد أن تقوم النسخة الحقيقية بعمل محاكاة واحدة للواقع، فإن هذه المحاكاة المستنسخة سوف تقوم بعمل محاكاة لها، وكذلك يحدث مع كل محاكاة تُصنع، إلى اللانهاية.
أنت تحلم أي أن هناك نسختين منك واحدة منهم فقط حقيقية، وكم مرة حلمت بأنك تحلم؟
بقلم: محمود عبود/ كاتب سوري.
* المقال المنشور يُعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر عن رأي المدونة .
