
لم يكن جوزيف ستالين يحب “فيدور ديستويفسكي“، لأنه في عرف الشيوعيين من البلاشفة الروس، كان كاتباً يمجّد القيم البرجوازية، لكن دكتاتوراً مؤدلجاً بعقيدة راديكالية، لم يجد أمامه وقد رأى جيوش هتلر النازية تلتهم أراضٍي الإتحاد السوفيتي، سوى أن يخاطب الروح الوطنية السلافية، فصرخ: (أيها الروس إنهم يقتربون من تمثال ديستويفسكي).
في أول مؤتمر صحفي له، في أعقاب سقوط بغداد في التاسع من نيسان 2003م، أعلن وزير الدفاع الأميركي حينذاك “دونالد رامسفيلد” للعالم قائلاً: (الآن بدأت معركتنا لتحطيم الرموز)، ومرت جملته تلك على مسامعنا دون أن نعيرها أدنى اهتمام من وقع الحزن، والقهر والصدمة التي زلزلت كياننا بالسقوط الدراماتيكي السريع والمريع للعاصمة التاريخية للعراق.
رغم أنه كانت تمر أمامنا على شاشات التلفزيون صور نهب المتحف العراقي في بغداد، وانتشار قطعه وتناثرها في الأسواق العالمية، هذا غير الذي تم تحطيمه وتكسيره في الموقع.
لم يكن ثمة صور لأمريكيين وهم يحملون القطع أو يحطمون التماثيل، بل كانوا عراقيين أباً عن جد.
في حين يروي أحد الطيارين الأميركيين في مذكراته، أنه وأثناء القصف الأميركي على العراق في تسعينيات القرن الماضي، وكان الرامي على طائرة مروحية حين كانوا يحلقون فوق مدينة الناصرية، يقول: (حين رأيت بناء غريباً أردت أن أصوّب نحوه، صرخ بي الطيار القائد: “توقف، لا تطلق النار، إنها قلعة أور“..!)، وفي داخل قلعة أور تقع مكتبة السياب، وبقيت القلعة والمكتبة سليمتين لم ينلها أي سوء في أثناء حرب 2003م.

مدينة أور
لكن، وفي أثناء الاحتجاجات الشعبية التشرينية التي شهدتها المدن العراقية قبل سنوات قليلة، أصيب تمثال السياب، والذي كان التجسيد التشكيلي للعرفان بالجميل لهذا الشاعر المهم، ببدلة برونزية، أصيب بسبع طلقات توزعت على جسده الهزيل، رصاصة في منتصف الصدر، ورصاصة في الجهة اليسرى منه، وأخرى على الكتف الأيسر، وواحدة ضربت مرفق الذراع اليمينى، وثلاث رصاصات استقروا في الساق اليمنى.
حينها، لم تتبنى أي جهة عملية الاغتيال الرمزي للشاعر، لكن يتوحّد المتقاتلون على هذه النقطة تحديداً: “الخلاص من الرمز الذي سيشوّه جماعة معينة أو حزب، بسبب توجهه العلماني ربما!”.
يمثّل السياب في نتاجه الشعري، وفي رمزيته المدنية والإبداعية التي تمتد من أبي الخصيب حتى مكتبة الكونغرس الأمريكي، التي أودع فيها نجله غيلان مقتنيات والده بغية الحفاظ عليها، بسبب تقصير الحكومة العراقية في الحفاظ على تراثه، بقعة مضيئة في تاريخ الأدب العربي، فالشاعر هو نتاج الحقبة اللبيرالية، إبان فتوّة الدولة العراقية في الخمسينيات، وقد شكّل وبمعية آخرين، تحوِّلاً أساسياً في مسيرة الشعر العربي في القرن العشرين.

تمثال الشاعر بدر شاكر السياب بعد إعادة تأهيله بإشراف الفنان نداء كاظم
اكتملت الصورة في مرامي مقولة “رامسفيلد”، واتضحت الاستراتيجية الأميركية الجديدة، حين تم تهشيم رأس باني بغداد الخليفة العباسي “أبي جعفر المنصور“.
أي أنها اتبّعت إلى جانب بسط قبضتها العسكرية، سياقاً مختلفاً في التفكيك، وهو المساس ومحي كل ما يمكن أن يشكل تاريخ وذاكرة شعب وضاءة.
لم تقترب سياسة الأمريكيين في تفكيك الذاكرة من الرموز السياسية للدولة، وإنما استهدفوا رموز المجتمع، الجامعة لمختلف المشارب المجتمعية، وبأيدي جماهير غاضبة وساخطة على الأنظمة القائمة، ولكن عملها هو لصالح “الآخر”.
ليس بعيداً عن العراق، قطعت جماعات متطرفة رأس الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري في وسط مدينة المعرة شمال مدينة حماه، رغم محاولات أهالي المدينة والمجتمعات المدنية فيها حماية التمثال ومنعهم من أذية المتطرفين، وعلى بعد بضعة كيلومترات حطّموا تمثال ابراهيم هنانو، أحد قادة الثورة السورية ضد الفرنسيين في جبل الزاوية، كما وتعرّض تمثال كاوا الحداد أحد أبطال الأساطير الكردية المرتبط اسمه بعيد النوروز، وبالتحديد قبيل ثلاثة أيام من موعد العيد، للتحطيم في مدينة عفرين، وطبعاً كان لمدينة تدمر الحصة الأكبر من التخريب والتدمير الممنهج.

تمثال المعري قبل وبعد التحطيم
نتعمق أكثر في فهم الاستراتيجية الأميركية، حين نتوجه إلى الطرف الغربي من العالم العربي،ففي ليبيا حطموا تمثال جمال عبد الناصر، وفي أسوان مصر حطموه كذلك، ووضعوا البرقع على وجه سيدة الغناء العربي أم كلثوم، والأغرب كان قيام مجهولين بسرقة تمثال عميد الأدب العربي طه حسين، وكذلك تحطيم تمثال طبيب القلب العالمي يعقوب مجدي في مصر. أي تخريب الرموز القديمة والحديثة في المجتمع، سواء بتحطيمها أو سرقتها.
هنا بات واضحاً أن هذه العمليات ليست موجهة ضد الدولة وذاكرتها السياسية، وليست مصممّة للتعبير عن الاحتجاج السياسي على سلوك السلطة، بمقدار ما هي موجهة ضد المجتمع وذاكرته الثقافية والتاريخية، إنها الحروب الموازية للحرب بالنار الحامية، هي تدمير الروح والطموح.
أي أنها لم تعد عملاً جنائياً بقصد الحصول على مقتنيات ثمينة والتصرف بها، بل باتت موضوعاً من موضوعات العدوان ضد الرمزيّات وبهدفِ وحيدِ، هو إزالتها ومحوها، أي الاستيلاء عليها بهدف حجبها نهائياً وإلى الأبد عن أنظار المجتمع، وهي ليست مخططة للفصل بين الناس وذاكرتهم التاريخيّة فحسب، بل تحطيمها بما تشكّله من مستوى كامل للوعي الجمعي والذي هو أيضًا في ساحة المواجهة، وهذا ما يستحيل فعله بوجودها حاضرةً لا في ذاكرة من عاصرها يوماً، بل وفي الكتب والجامعات والساحات العامة والشوارع، في محاولة لردع أي إمكانية لظهور نماذج إيجابية تشبه نماذج ورموز الماضي، وتجريدها من أية قاعدة رمزية قد يبنى عليها لاحقاً ضمن إعادة بناء الجوانب النفسية والروحية للمواطن.
إنه القتال على المستقبل وليس على الماضي، طمس الهوية، إفراغ ذاكرتنا من صور الماضي.
ومعاول أخرى في الإعلام كانت تهوي على رموز وطنية تاريخية راسخة في وجدان الجمهور العربي، تقوم بها شخصيات ليست ذات اختصاص، يؤهّلها النقد وفق نهج أكاديمي مهني وموضوعي لتلك الشخصيات الرمزية، إذا اعتبرنا أن لا “قداسة لأحد في التاريخ”، وبالتالي كانت المفردات التي استخدمها الروائي يوسف زيدان صادمة، عندما تحدث مؤخراً عن صلاح الدين الأيوبى الذى اقترن دوماً فى العقل العام ووجدان الأمة، بالبطولة والكبرياء، باعتباره صاحب أحد أهم انتصارات العرب على مدى التاريخ، والذى اعتبره الفيلسوف والمؤرّخ الأمريكى “وول ديورانت” فى كتابه الموسوعى “قصة الحضارة” نموذجا للعظمة والرحمة، أو تشويه شخصية المناضل عبد القادر الجزائري، الذي قاد النضال في مرحلة معينة ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر.

دبابة أمام مدخل مدينة بابل
الرموز الكبرى هذه، عند المجتمعات الناضجة، والتي غادرت التكتلات الحزبية المشبوهة والمتورطة بأجندات مختلفة، وكذلك الانتماءات القومية والدينية والطائفية، تمثّل معيار الوحدة والهوية والوطنية.
ليس هناك ماهو أكثر بشاعة من وعي معطوب، وليس هناك جريمة أكبر من جريمة استجابة القطيع لمخططات هدّامة، عرفت مفاتيح شعب ينقاد بكل طاعة لها.
العبث بالتاريخ والتصويب على الذاكرة الوطنية، قد تفوق فاتورته كل ما دفعناه من فواتير دموية مؤلمة.
ربما بعد سنوات قليل، سوف لن يتبقى لنا من هذا الوطن الذي كان غنياً برموزه، سوى رجال العصابات، ورجال الدين، وتجّار المخدرات ورجال السياسة الفاسدين.
إعداد: دلال ابراهيم
