
يميل الإنسان غالباً إلى مفهوم النصر بشكل عام، فهو يرغب بأن يكون منتصراً دائماً، ففكرة الهزيمة غير مستحبة، وربما ليصل إلى النصر يستخدم طرقاً ملتوية ببعض الأحيان، أو ما يعرف بـ “الميكافيلية”، مثلاً فالغاية تبرر الوسيلة، وهناك أساليب كثيرة جداً يتم اتباعها، وقد اكتشفها علماء النفس وتعمقوا بها وبشرحها، وهذه الأساليب ليس بالضرورة أن تتم عن طريق العقل الواعي للإنسان، أو بشكل مقصود، بل ربما وغالباً، تستخدم بسبب قصور في الفكر ومحدودية في العقل، فيستخدم العقل اللا واعي بعض هذه الأساليب، والشائع منها هناك ما يسمى ب (المغالطات المنطقية)، والتي تستخدم بهدف التفوق على “الخصم” وإحراجه، أو التحكم به.

المغالطة المنطقية
هي خطأ في الاستدلال، يحدث عند طرح حجج غير صحيحة أو نقاط غير ذات صلة دون أي دليل يدعمها.
وهذه بعض المغالطات المنطقية، التي غالباً تستخدم ضمن كل نقاش أو مناظرة من قبل طرفين أو أكثر:
- التعميم المتسرع، الحكم على “الكل” من خلال “الجزء”
- مغالطة رجل القش.
- الاحتكام إلى الجهل.
- الاحتكام إلى القوة – السلطة.
- مغالطة السؤال المشحون – الإحراج الزائف.
- الشخصنة.
- سمكة الرنجة الحمراء.
ولأننا نمر بهذه الأيام بمرحلة عصيبة، ونقاشات كثيرة ومنها حادّة جداً، بتُّ أرى هذه المغالطات وأقرأها يومياً وبشكل متكرر، ولكن أكثرها استخداماً هي المغالطة المنطقية المعروفة باسم “رجل القش”، فما الذي تعنيه؟
رجل القش
هي مغالطة منطقية، حيث يقوم شخص ما بتحريف، أو تشويه، أو تسفيه حجة أو فكرة الطرف الآخر، لجعلها أسهل في الهجوم عليها، بدلاً من مواجهة الحجة الأصلية، أي أنه يقوم باستبدال الحجة الحقيقية بحجة أضعف أو مُزيفة، ثم يهاجم الحجة المزيفة، مما يوحي بأن الحجة الأصلية قد تم دحضها، ومثال على ذلك:
هناك حرب واقعة بين بلدين..
-الشخص الأول: لقد قامت قواتنا اليوم بقتل أشخاص مدنيين، وهذا أمر مستنكر، وشنيع، وعمل إجرامي ويجب معاقبتهم.
-الشخص الثاني: إذاً أنت توافق على ما فعله العدو من قتل المدنيين من أبناء بلدك! يبدو أنك تقف بصف العدو أيها الخائن.
ويقوم بمهاجمة الشخص الأول بهذه الفكرة، وهي مختلفة تماماً عن القول والمقصد.
في بعض الأحيان لا يكون الهدف هو فقط دحض الفكرة واكتساب وهم الانتصار، بل هو أيضاً محاولة لعكس التهمة وإلباسها للطرف الآخر، فيكون الهدف هو أن يحطّ من قدر الآخر أو فكره، بهدف التساوي بالانحطاط ، لكي يهرب من مواجهة أفكار يتبناها، والهروب من تبعات انهيارها، أو حتى لكي لا يواجه انحطاطه، ويكون بهذه الحالة انتقل هارباً من الهجوم على “رجل القش”، ودخل بشكل عنيف بحالة تعرف باسم “التنافر المعرفي”.
التنافر المعرفي
هو وصف لحالة نفسية غير مريحة، تنشأ عندما يكون لدى الشخص معتقدين أو أفكار متناقضة، أو عندما يتصرف بطريقة تتعارض مع معتقداته ومبادئه بهدف المصلحة مثلاً، وهذه الجزئية تكون واضحة جداً بالنقاشات التي تتمحور حول القضايا الإنسانية والأخلاقية.

ولأنه موافق على قتل الأبرياء من الطرف الآخر، وربما يشعره ذلك بالانتقام، فهو بداخله يعلم أنه منحط أخلاقياً وإنسانياً، ولكنه يعلم كذلك بأنه ضد العنف والقتل، فيصاب بالتوتر والتناقض “التنافر المعرفي”، فيبدأ أولاً بخلق مبررات وهمية لنفسه تدين المدنيين وتبرر قتلهم، وبعدها ينتقل إلى أن يتهم الشخص الثاني بأن اعتراضه على قتل المدنيين من الطرف الآخر، هو موافقة على قتل المدنيين من أبناء بلده، وبهذه الحالة ساوى بينه وبين الآخر، أو حتى جعله أدنى منه، وبذات الوقت يقوم بتجنب الصدام الذاتي مع أفكاره أو معتقداته، بتبريرات وهمية أسّسها لنفسه.
هذا النموذج الحاد المنتشر جداً، يمثل الوقوع بمغالطة “رجل القش” ممزوجةً ب”التنافر المعرفي”، بالتالي فهو شخص غير متزن نهائياً، ولا سبيل إلى التوصل لتفاهم معه، إلا إن استعاد توازنه لاحقاً.

