الطبيبان بلوح ومورتين

*استعاد الفرنسي “مارك” قدرته على المشي، بفضل جهاز عصبي تم زرعه بالقرب من الحبل الشوكي. وسيتم زرعه لستة مرضى آخرين بحلول العام المقبل، وهي تقنية يمكن أن تمتد وفقا للباحثين، لتشمل شلل المشي بسبب آفات الحبل الشوكي.

طور طبيبان فرنسيان جهاز عصبي صناعي، تتم زراعته بالقرب من الحبل الشوكي، لمساعدة مرضى باركنسون على المشي، في أعقاب نجاح تجربته على أحد المرضى، نظراً لأن الأدوية المتاحة لا تعتبر فعالة بعد بضع سنوات من الإصابة بالمرض، فهي تعالج الأعراض لفترة زمنية محددة فقط، وهو ما يطلق عليه مرضى باركنسون فترة “شهر العسل”، والأسوأ من ذلك أنها يمكن أن تسبب آثاراً جانبية، بما في ذلك الإدمان.

إنجاز طبي غير مسبوق

قامت طبيبة الأعصاب الفرنسية “جوسلين بلوخ” وأستاذ علم الأعصاب “غريغوار كورتين” بزرع هذا الجهاز العصبي بالقرب من الحبل الشوكي لمريض باركنسون، تمكّن بعدها من المشي، مؤكدين أنهم سوف يقومان بتطويرهذه التكنولوجيا لجميع المرضى الذين يحتاجون لها في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي يُعتبر إنجاز طبي كبير للمرضى الذين يعانون منه.

 نشر عالما الأعصاب “بلوخ” وجراح الأعصاب “كورتين”، نتائج هذا التقدم الطبي في مجلة “scientifique Nature” الطب الطبيعية 

تقول جوسلين بلوخ، في لقاء أجراه معها موقع”franceinfo “:

(سوف نعمل على تحفيز منطقة الحبل الشوكي المسؤول عن المهارات الحركية للساقين بدقة شديدة).

كما تستطرد:

(يمتلك المريض جهاز تحكم للتحفيزيضعه مباشرة أمام منطقة البطن،  ويعمل جهاز التحفيز بالضغط عليه، وبالتالي يحصل المريض مباشرة على النتائج).

 ضمن هذا السياق، يُمكن تشبيهه بجهاز تنظيم ضربات القلب، حيث يُمكن للمريض تشغيله منذ استيقاظه من النوم في الصباحات، ويوقفه عن التشغيل لدى جلوسه أو خلوده للنوم.

تحسين المشي عند المريض

 هذه أول مرة سيتم فيها تحفيز منطقة الحبل الشوكي. أي تحسين المشي عند المريض، نظراً لأن جميع مرضى باركنسون يعانون صعوبات في المشي، يصعب علاجها بالعلاجات التقليدية مثل الدوبامين، أو التحفيز العميق للدماغ في المراحل المتقدمة من العمر.

يتكون الجهاز من مجالاً من الأقطاب الكهربائية، التي سيتم وضعها في هذه المنطقة من الحبل الشوكي التي تتحكم في عضلات الساق، عبر توصيل الكثير من الأقطاب الكهربائية الصغيرة بنوع من الكمبيوتر، بحجم علبة أعواد الثقاب، مركزها في البطن، والتي ستتواصل لاسلكياً مع جهاز كمبيوتر ذكي، يرسل نبضات كهربائية لتصحيح المشي.

إنه نظام صغير، يقوم بقياس الحركات المتبقية وتحفيزها في المكان المناسب، لتقوية نشاط العضلات، أي تنشيط العضلات التي لم تكن نشطة، بما فيه الكفاية بسبب المرض، فالمريض هو الذي ينشطها بنفسه.

التكامل بين تحفيز الدماغ العميق والدوبامين

هو جهاز لوحي، لديه جهاز تحكم عن بعد صغير، يضعه المريض مباشرة أمام منطقة البطن التي تحتوي على المحفز، وحينما يضغط، يعمل التحفيز وتكون النتائج فورية. ويقول “مارك” المريض الذي تم تزويده بالجهاز: (إنها فرحتي الصغيرة. أضغط على الزر. أشعر أنني بحالة جيدة).

في  تفاصيل أدق عن طبيعة عمل الجهاز، تصف “جوسلين بلوخ” الجهاز بأن له ستة عشر قطبًا كهربائياً، موضوعة على شريط سيليكون صغير يبلغ طوله ستة سنتيمترات تقريباً، سيتم إدخاله بين فقرتين، ثم نستهدف كل جذور الأعصاب التي ستكون مسؤولة عن تنشيط العضلات.

لا ينطوي التدخل في حد ذاته على خطورة. مؤكدة القول: (في تلك الحالة، الدقة مهمة للغاية، لأنه يجب أن تكون قادراً على استهداف كل هذه الجذور العصبية التي ستؤدي بعد ذلك إلى تقلص كل العضلات على كلا الجانبين).

من جهة أخرى لا ينفي الطبيبان أن ثمة تضافر قوي بين عمل تحفيز الدماغ العميق، وعلم الصيدلة، أي الدوبامين، والتحفيز الحالي الذي سيحل فعلياً مشاكل المشي على وجه التحديد. بمعنى أنهما مكملي لعمل بعضهم.

 

آفاق استخدامه لأمراض عصبية أخرى

تعرب الطبيبة “بلوخ” عن أسفها، كون مرض باركنسون هو مرض تنكس عصبي في تطور تفاقمي مستمر، وعمل الأطباء ينحصر في تخفيف أعراضه فحسب، بينما المرض سوف يستمر في تفاقمه.

في بداية المرض، كان من المعتاد أن يلجأ الأطباء إلى الأدوية لمواجهته، وفي حين ساعد التحفيز العميق للدماغ في التوصل إلى نتائج إيجابية. ولكن وفيما بعد تبدأ اضطرابات المشي، وفي بعض الأحيان يحصل تراجع  في القدرات الإدراكية.

من الطبيعي أن تنشأ مشاكل أخرى، لدى أولئك الذين يضطرون إلى الجلوس على الكرسي فترة طويلة، لأنهم كلّما حاولوا النهوض يسقطون أرضاً،  ومن المعروف أن الحركة تفيد في تحسين معدل العمر.

  من المقرر إجراء اختبارات على هذه التكنولوجيا لدى مخابر “Onworld Medical”.

 يُشارك في الاختبارات من 60 إلى 100 شخص، وفي غضون خمس سنوات تقريباً، يمكن أن تكون هذه التكنولوجيا متاحة للجميع، بعد إثبات السلامة، وثانياً، فعالية هذه التكنولوجيا لعدد كبير من .المرضى

في السياق ذاته، يشير الطبيب الأستاذ “كورتين”، أن تلك التكنولوجيا ربما سيتم استخدامها مستقبلاً للأمراض العصبية الأخرى، مثل التصلب المتعدد، بعد أن نجحت في استخدامها لاستعادة المشي إثر الشلل الناجم عن آفات الحبل الشوكي.

 والجدير بالذكر، أن مرض باركنسون أو مرض الهزات الرعاشية، يأتي عالمياً في الترتيب الثاني بعد مرض الزهايمر من بين أمراض التنكس العصبي، ويؤثر على القدرات الحركية والإدراكية على كبار السن.

الرياضة تساهم في إبطاء تطور باركنسون

وفي سياق متصل، أثبتت دراسة أجراها مركز خبراء مرض باركنسون في دار المسنين المدنية في ليون، إن النشاط البدني المكثف، لمدة 30 دقيقة على الأقل يومياً، له تأثير مفيد على الدماغ وليس فقط على العضلات، ويتابع طبيب الأعصاب “تيودور دانيلا”، الذي يدير مركز خبراء مرض باركنسون قائلاً: (تعتبر الرياضة الآن هي الدواء الوحيد اليوم الذي يمكن أن يكون له تأثير في إبطاء تطور المرض، فالأدوية ليس لها هذا التأثير على الإطلاق)، وفي الوقت الذي لا ينفي فيه إمكانية التخفيف من أعراض المرض، ولكن يؤكد أنه لا يوجد أي تأثير على الإطلاق لإبطاء المرض على المدى الطويل- حسب قوله-

يأسف “دانيلا” أن مرضى باركنسون يجهلون أن الرياضة هي أفضل دواء لإبطاء مرض باركنسون، معلقاً: (في البداية، في وقت التشخيص، كانت هناك بالفعل وصفة دوائية، لكننا لا نوجههم بشكل منهجي نحو ممارسة النشاط البدني ونحو أساليب غير دوائية).

علاقة رياضة “التاي تشي” مع باركنسون

أظهرت دراسة صينية، أنه من خلال ممارسة رياضة “التاي تشي” لمدة ساعة أسبوعياً، يُمكن للمرضى المصابون بمرض باركنسون إبطاء تقدمه.

تعني “التاي تشي” الشفاء بالحركة، وهي  تمارين تجمع بين التنفس العميق والاسترخاء مع الحركات المتدفق،, المطورة عن فنون القتال، وهي رياضة تعتمد على حركات بطيئة وخفيفة، يحافظ فيها اللاعب على كل من القوة، والمرونة، والتوازن، كما تخلط في أسلوبها بين حركات فنون الدفاع عن النفس، وحركات رياضات اليوغا، مع الحرص على التأمل والتنفس بعمق وبطء شديد.

تحسين التوازن 

تختلف رياضة “التاي تشي” عن الرياضات الأخرى من عدة جوانب، فالحركات الرياضية  فيها تكون دائرية في أغلبها، وعلى خلاف الرياضات الأخرى، تقوم رياضة “التاي تشي” على إرخاء العضلات والأنسجة الضامة بدلاً من شدها، دون ثني المفاصل بالكامل ولا تمديدها.

الحفاظ على لياقة الدماغ

تعتبر هذه الرياضة من أنسب الرياضات للأشخاص قليلي الحركة، مثل المتعافين من العمليات الجراحية أو المقعدين، كما وتساعد على التوازن لدى مرضى الباركنسون، وفق ما كشفته تجارب عن فوائد هذه الرياضة على المرضى، واستندوا في ذلك على دراسة صينية، عقب اختبارات أجروها على 143 مريض باركنسون امتدت لمدة أربع سنوات، ووجدوا تحسناً لدى المرضى الذين كانوا يمارسون “التاي تشي”” ساعة في الأسبوع.

بهذا الخصوص، يشير البروفيسور “فيليب دامييه”، طبيب الأعصاب في مستشفى جامعة نانت أن تعلم هذه الحركات البطيئة وتكرارها، يحد من تأثيرات مرض باركنسون على القدرة الحركية للمرضى، وهو يمثل نهجاً لإعادة التأهيل البدني، ولا سيما من ناحية العمل في الحفاظ على التوازن.

كما وأن النشاط البدني له أيضاً فائدة في الحفاظ على لياقة الدماغ، عندما يكون هناك مرض تنكّسي، كلّما كان الدماغ أكثر لياقة، كلّما كان قادراً على محاربة هذا المرض بشكل أفضل.

المصادر:
*https://www.nature.com/articles/d41586-023-03452-1

*https://www.swissinfo.ch/ara/%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%8588%D8%B7/48965172-

https://arabic.cnn.com/science-and-health/article/2023/11/09/

.إعداد: دلال ابراهيم

 

 

Leave A Comment