في كتابها (اللغة التي صاغها الرجال) تقول “ديل سبيندر”: ( لقد صنعت النساء تاريخاً بقدر ما صنع الرجال لكنَّ تاريخهن لم يسجل ولم ينقل، وربما كتبت النساء بقدر ما كتب الرجال، ولكن لم يتم الاحتفاظ بكتاباتهن، وقد خلقت النساء دون شك من المعاني بقدر ما خلق الرجال، لكن هذه المعاني لم يكتب لها الحياة، حيث ناقضت المعاني النسائية المعاني الذكورية، وفهم الذكور للواقع لم يتم الاحتفاظ بالمعاني النسائية، وبينما ورثنا المعاني المتراكمة للتجربة الذكورية، فإن معاني وتجارب جداتنا غالباً ما اختفت من على وجه الأرض).

فرجينيا وولف

أما لماذا لم تكن هناك كتابات نسائية مستمرة قبل القرن الثامن عشر، فهذا جوابه لدى “فرجينيا وولف” بقولها: (إن الجواب كامن في حاضر مقفل عليه في مفكرات قديمة، مخبأ تماماً في خزائن قديمة، نصف محذوف من ذاكرة العصور، يمكن إيجاده في حيوات المجموعات، وفي الممرات المظلمة للتاريخ حيث لا يمكن رؤية أجيال النساء إلا كأشباح، لأن القليل جداً معروف عن النساء، فتاريخ انكلترا هو تاريخ الخط الذكوري وليس تاريخ الخط النسوي).

تهميش التأريخ للمرأة في تاريخ الرواية

إن المقولات السابقة تنطبق تماماً في وصفها الحال على النساء العربيات، اللواتي خضع إبداعهن للتهميش والإقصاء عبر التاريخ، ولعل أبرز الأمثلة التي يمكن أن نطرحها كدليل على التعامل الإقصائي مع إبداع المرأة، والذي تراوح ما بين الإلغاء والتهميش، هو تاريخ الرواية، عربياً وعالمياً، فمن المعروف عربياً وما أكدّه الباحثون في التراث الأدبي العربي، والتأريخ لهذا الجنس الأدبي أن أول رواية عربية هي (زينب) للكاتب المصري محمد حسين هيكل عام (1914 )،إلا أن البحث في الوثائق المخبأة في الأدراج يثبت غير ذلك، فهي تكشف النقاب عن حقيقة أن أول رواية عربية هي (حسن العواقب) أو (غادة الزهراء) للكاتبة اللبنانية/ السورية “زينب فواز“، الصادرة عن منشورات الدار الهندية في القاهرة عام 1899، وبينما كانت روايات أحمد فارس الشدياق (1804 – 1889)، وإبراهيم اليازجي (1846 – 1906)، وسليم البستاني (1848 – 1884) وغيرهم، والتي ظهرت قبل (حسن العواقب) مزيجاً من المقامة والرواية الحديثة، كما وصلتهم عبر ترجمات لروايات غربية، فإن (حسن العواقب) هي أول رواية واقعية تاريخية، تظهر فيها معظم عناصر الرواية الحديثة من شخصيات ، وموضوع وجو روائي، وقد عبّرت الكاتبة في مقدمة روايتها عن فهم عميق لهذه العناصر بقولها: (بما أن الروايات الأدبية هي أهم نوع من الكتابة، التي تعكس فكر المرء وتفيد وتمتع، وبما أن الروايات تعيد إنتاج صورة للواقع، وليس الواقع بحالته الفجة، فقد قررت أن أكتب هذه الرواية آملة أن تفيد وتمتع).

كتبت الروائية السورية “عفيفة كرم” التي شغلت منصب رئيس تحرير جريدة (الهدى) في نيويورك العديد من الروايات، قبل ظهور رواية زينب لـ (هيكل)، وكانت أول رواياتها (بديعة وفؤاد)، والتي ناقشت في مقدمتها الرواية كصنف أدبي وأهم خصائصها الفنية، وبعدها كتبت سبع روايات ولم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد، كما نشرت الكاتبة اللبنانية/ السورية التي كانت تعيش في مصر “لبيبة هاشم” رواية عام 1904 بعنوان (قلب الرجل)، وعام 1907 رواية أخرى بعنوان (شيرين ابنة الشرق)، وفي عام 1904 نشرت “لبيبة ميخائيل صوايا” من لبنان روايتها (حسناء سالونيك)، على حلقات في جريدة الهدى بنيويورك، كما نشرت “زينب فواز” رواية أخرى، تمثل قصة رمزية تاريخية بعنوان (الملك قورش)، ونشرت “فريدة عطايا” روايتها التاريخية (بين عرشين) عام 1912، وبذلك يتبين أن ثلاث نساء سوريات /لبنانيات كن قد نشرن إحدى عشرة رواية، قبل نشر رواية (هيكل)!، كما أن مقالات “زينب فواز” المطالبة بإصدار تشريعات لتنظيم حياة النساء وضمان حقوقهن في التعليم والعمل، والتي نشرت بين عامي (1891 – 1900) سبقت كتاب قاسم أمين عن تحرير المرأة الذي صدر عام 1898.

إبداع المرأة في التاريخ الروائي عالمياً

لقد طال التأريخ للرواية العالمية ما طال الرواية العربية أيضاً، إذ يعتبر نقّاد ومؤرخو الأدب أن الرواية بمواصفاتها الفنية قد ولدت في الغرب، وبالتحديد في دول أوروبية مثل فرنسا وعلى يد كاتبها الشهير “بلزاك”، أو على يد الكاتب الإيطالي “بوكيشو”، وفي كتاب (امرأة استثنائية) الذي ترجمته “مريم جمعة فرج”، والذي يستعرض تجارب من الإبداع النسائي العالمي، يتبين للقارئ ما يدل وبشكل قاطع على أن الرواية قد ولدت في الشرق الأقصى، وتحديداً في اليابان، إذ يبدو أن هناك مؤشر حقيقي على أنها ولدت في القرن الحادي عشر الميلادي على يد الكاتبتين اليابانيتين “شاي شبناغون” مؤلفة كتاب (الوسادة)، و“شبكيبو موراساكي” مؤلفة رواية (حكاية جينجي)، والتي اعتبرت من أهم الآثار الأدبية العالمية كعمل روائي متكامل، لاحتوائه على المقومات الأساسية لفن الرواية، وهذا الاكتشاف يُحدث انقلاباً جذرياً في التأريخ لفن الرواية والأدب عموماً، ويدلل على تاريخ طويل من الإلغاء والتجاهل لإبداع المرأة على مر العصور.

في حين أخذت دور النشر النسوية في الغرب، خلال ما يزيد على أربعة عقود ماضية، تعكف على اكتشاف الكتابات النسوية، وتشجيع نشر أعمال النساء، وتقديمها في المناهج المدرسية والجامعية، لم يبدأ هذا الجهد الهام بعد في العالم العربي، إلا على شكل مبادرات فردية تظهر بين حين وآخر وتواجه الكثير من الصعوبات.

يبدو أن تجاهل النقّاد العرب لإبداعات المرأة قد وصل إلى المترجمين، فبالرغم من أهمية الأدب الأمريكي اللاتيني وتأثيره الكبير في الأدب العربي المعاصر، فقد أهمل المترجمون إبداعات المرأة الأمريكية اللاتينية، مع كل ما يقدمه من إضاءات للواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لتلك الدول، وفي هذا السياق لا بدّ من الإشادة بكتاب (نيران أخرى)، قصص مختارة لكاتبات من أمريكا اللاتينية من ترجمة “الياس فركوح وحنان شرايخة”، وفي تقديمه لهذا الكتاب يشير المحرر “ألبرتومانويل” إلى تجاهل العالم لإبداع المرأة اللاتينية، ويقول في إجابته على سؤال أين الأخريات ممن لم تترجم أعمالهن؟: (هذه المجموعة لا تقدم إجابة على هذا السؤال لكنها تعتزم إظهار شيء مما هو مفقود، فالقصص كلّها لنساء، لأن ما نفذ إلى فضول المحرر، هو أن أفضل الكتب التي لم تترجم من بلدان أمريكا اللاتينية، هي تلك المكتوبة من قبل نساء)، وبينما الأدب من بلدان أمريكا اللاتينية نال الاهتمام حتى درجة الانفجار مع كتاب رجال، فإنه يدين بالكثير لكل من الراهبة المكسيكية الأخت “جوانا إنييزدي لاكروز1648 – 1695”، وبعدها بثلاثة قرون الأرجنتينية ” فيكتوريا أوكامبو”.

تهميش إبداع المرأة في الأجناس الأدبية

يمتد إلغاء وتهميش وتجاهل إبداع المرأة ليطال كافة الأجناس الأدبية، وما زال عدد كبير من النقاد المعاصرين، ومؤرخي الأدب، يعتبرون أن المرأة قد وقفت طويلاً خارج فاعلية الكتابة، وما يحدث الآن هو عبارة عن محاولات لتكون ذاتاً فاعلة كتابياً وإبداعياً، إلا أن المصنفات التراثية الفكرية، والأدبية تشير إلى وجود إبداع نسائي مميز، وغني ومتنوع.

إن كان الشعر ديوان العرب، فقد كانت المرأة شاعرة موهوبة، لكن أشعارها لم تصلنا إلا على شكل قصائد مبعثرة، وأحياناً غير مكتملة، وتلك القصائد تدحض فكرة أن شعر النساء هو شعر رثاء يعبر عن مشاعر أمهات وأخوات ثكالى، ويبين معالجة النساء لقضايا السلم والحرب بين القبائل، والعدالة، إضافة إلى شعر الغزل الذي كتبته العاشقات لعشاقهنن، وكان أكثر جرأة مما يكتب هذه الأيام، فحين ألقت “ليلى الأخيلية“، قصيدة للحجاج تمتدح فيها عشيقها “توبة”، قال رجل من المستمعين لقصيدتها: (أنا واثق أنه لا يستحق عشر ما وصفته به، فسألت ليلى الرجل: وهل رأيت توبة؟ أجاب لا، قالت: لو رأيته لأردت منه أن يجعل جميع العذراوات في قبيلتك حوامل)، كما عرف العرب أقلام نسائية في ألوان النثر المختلفة، من الرسائل والمقامات والقصص، والأمثال والتفاسير الإسلامية، ويظهر نثر النساء في معظم النماذج المقدمة متماسكاً، متيناً، معبراً عن سعة ثقافة ودراية كبيرة.

إضافة إلى كون النساء ناثرات وشاعرات، فقد كان لهن السبق في مجال النقد الأدبي، وتأسيس الصالونات الأدبية منذ أيام الجاهلية وبدايات الإسلام، مما أصبح يُشكل جزءاً من التراث النسائي في غالبية أنحاء العالم، لكن تجاهل النقاد التأريخ لهذا التراث وإعادة قراءته، أضاع الكثير من قيمته المادية والمعرفية، ومثال على هذا التجاهل هو تهميش دور “الخنساء” كناقدة، وتقديمها للأجيال العربية على أنها شاعرة فقط، بالرغم من أنها الناقدة الأولى في الأدب العربي (توفيت عام 646م)، وهي “تماضر بنت عمرو بن الحارث بن شريد”، التي كانت تقف في سوق عكاظ في الحجاز، لتتفحص قصائد الشعراء الوافدين من جميع أنحاء الجزيرة العربية، وتفاضل بينها بحساسية عالية لبلاغىة اللغة، وتمكُّن نادر من المصطلح الشعري، كما كانت “أم جندب“، زوجة الشاعر امرؤ القيس، شاعرة من الجاهلية، وناقدة معروفة بنقدها أكثر مما هي معروفة بشعرها.

خلال الفترة الإسلامية الأولى، بدأت النساء الناقدات بافتتاح صالونات أدبية في بيوتهن، يلتقي فيها الشعراء ويلقون أشعارهم وينتظرون حكم المضيفة، وكان أول صالون أدبي هو صالون “سكينة بن الحسين”، وهي بنت الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهي شاعرة وناقدة فذّة، عاشت في الحجاز وتوفيت عام 735م، وما زال طلاب الأدب يستنيرون بأحكامها على جرير والفرزدق وكثير عزة وجميل بثينة، إذا ما أرادوا دراسة هؤلاء الشعراء.

لماذا أهمل التأريخ إبداع النساء العربيات؟

إذ كنا نشير هنا إلى الإبداع الموثق والمبعثر في بطون المؤلفات التراثية، فالمؤشرات تشير إلى حقيقة أن معظم الشعر وحتى النثر الذي كتبته النساء العربيات، لم يُسجل أو ضاع بعد تسجيله، وذلك لسببن رئيسيين كما تشير المصادر العربية، فحين بدأ العرب بتسجيل أدبهم ركزوا جهودهم على شعر الرجال بسبب (قيمته الأدبية)، ولم يولو إلا اهتماماً ضئيلاً جداً لإبداع النساء لأنه كان (رقيقاً وضعيفاً)، وكما أن معظم ما سجل (وهو قليل على كل حال) قد ضاع خلال الغزوات الأجنبية والتي (تم تدمير معظم التراث الأدبي خلالها)، وقد لا يتسع المجال لمناقشة السببين المذكورين، ولكن من الذي حكم على ذلك الإبداع أنه ضعيفاً؟ ولماذا ضاع هذا الإبداع خلال الغزو الأجنبي، ولم يحدث ذلك بالتوازي مع إبداع الرجال؟

 إن العقلية التي حكمت على ضياع جزء هام من التراث العربي والإنساني والتي تتمثل مقولة “الفرزدق”: (إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها)، ما زالت وللأسف هي العقلية التي تحكم معظم النقاد المعاصرين، والذين يعتبرون أنفسهم أحياناً مناصرين للمرأة، وموضوعيين في تناولهم لإبداعها، فهذا “د. عبدالله الغذامي” يتساءل بصيغة توحي بالشك في كتابه (المرأة واللغة): (هل استطاعت المرأة أن تجعل من إبداعها معادلاً يوازي إبداع الذكورة ولا يقل عنه، ولا يقبل أن يكون ملحقا به أو تابعاً له؟).

حول اصطلاح: “الأدب النسائي”

ولعل التمعن بهذا السؤال يحيلنا إلى مصطلح (الأدب النسائي) وإشكالاته العديدة، إذ غالباً ما يتم تصنيف الأدب بين رجالي ونسائي بمنطق التقليل من شأن  إبداع المرأة أو العكس لتأكيد تمايزها، وليس من خلال خصوصية أحاسيس المرأة وخصوصيتها، ولعل هذا ما دعاني لتجنب استخدام هذا المصطلح في الموضوع الحالي، وآثرت قول (إبداع المرأة)، على اعتبار أن صيغة المرأة والإبداع تعتبر في المرأة الجنس، والكيان، والشخصية القائمة على البناء الثقافي، باعتبارها مكملة لجنس الرجل في الحياة والمجتمع، خارج التصنيفات التي توحي بالعزل والتمايز كما تفعل بعض الكتابات النسوية .

في الختام يُمكن التأكيد: إن إعادة الاعتبار ضمن مشاريع قراءة التراث، لإبداع المرأة في العالم العربي ضرورة ملحة، لما فيه من إثراء للثقافة العربية والإنسانية عموماً، ولما ينطوي عليه كإبداع من قيم إنسانية، واجتماعية واقتصادية، تعكس صورة المجتمع العربي، وتساعد على فهمه وتواصله مع العالم بشكل أفضل.

المصادر

*  امرأة استثنائية ، تجارب من الإبداع النسائي العالمي ، ترجمة : مريم جمعة فرج، دائرة الثقافة والإعلام ، الشارقة ، 2003م.

* نيران أخرى ، قصص مختارة لكاتبات من أمريكا اللاتينية ، ترجمة: الياس فركوح وحنان شرايخة ،أزمنة للنشر والتوزيع ، عمان ، 1999 م.

* المرأة واللغة، د . عبد الله الغذامي ، المركز الثقافي العربي، بيروت ، 1996م.

** خولة حسن الحديد

2 Comments

  1. Nabil Ibrahim April 21, 2020 at 9:20 pm - Reply

    صراحة يستحق الموضوع أكثر من ذلك ,لكن مجرد تناول الموضوع بهذا النكثيف يفتح الباب لتساؤلات لا نهابة لها حول أدب المرأة وما هو نوعه ووصفه وأين تميز عن أدب الرجل وهل الشعر يختلف باختلاف الجنس كما يختلف بالبيئة أو المكان ؟؟؟
    موضوع اكثر من متميز …

    • kmarabia April 22, 2020 at 2:48 am - Reply

      الموضوع شائك، ولا يمكن إيجازه في موضوع واحد، ويطرح العديد من الأسئلة من مثل ما تفضلت، لكن هذه إضاءة للفت النظر حول هذه القضية المرتبطة بتأريخ الأدب وأنساقنا الثقافية. شكرا لاهتمامك.

Leave A Comment