ليس عسيراً على أحد أن يتلمس آثار القسوة في سياقات حياتنا اليومية، فهي تتسلل إلى العلاقات والمواقف، كاشفة  شرور الانسان في أبشع صور السلوك الإنساني، حين يفقد الإنسان صلته بالتعاطف والرحمة، تأتي حيناً من البشر، وحيناً قدراً وربما تكشف لنا الطبيعة عن جانبها القاسي، ولكن جميع من خاض في هذا الشأن اعتبر أن ما يبتكره الانسان من مصائب منبعها القسوة يفوق بكثير ما تسببه الطبيعة من أمراض أو كوارث، فالناس مبدعون ومبتكرون بشكل مذهل، حينما يلجؤون إلى إيذاء أو قتل غيرهم من البشر، وغالبيتها تتسم بأنواع لا حصر لها من الغرابة.
 للقسوة وقع عميق في النفس، إذ تتفاعل الناس معها بشيء من الرعب والغضب والحزن والرثاء والاشمئزاز، وفي الوقت نفسه يجد معظمنا أنه من الصعب تخيّل شعور الانسان، وهو يرتكب الجريمة ضد بشر أحياء، كما يصعب علينا فهم سادية هؤلاء القتلة.

في محاولة فهم وتفكيك القسوة عند البشر

في محاولتها فهم وتفكيك هذه الظاهرة، والإجابة على سؤال ملح نطرحه جميعاً: كيف ولماذا يرتكب أشخاص عاديون أفعال القسوة؟  باحثة في جذورها داخل الطبيعة البشرية، ومسلطة الضوء على هذه التركيبة العقلية والاجتماعية التي تسمح للإنسان بتبرير أفعاله، سابرة كل الجوانب: سواء أكانت بيولوجية، نفسية، فلسفية، ثقافية أو اجتماعية، لم تصنف الكاتبة “كاثرين تايلور” في كتابها: ( القسوة.. شرور الانسان والعقل البشري )، أصحاب القسوة كأشرار بالفطرة أو بالوراثة، بل تعيدها إلى  فشل الانسان في تحقيق ذاته، أو فشل المجتمع في العدالة، وكذلك فشل في القيم وفي الاعتراف بالآخر، الأمر الذي يولد شعوراً بالغبن، الإقصاء، وربما العدمية، مما يُسهل الانخراط في سلوك قاسٍ.

 يحتوي الكتاب على الكثير من الشواهد التاريخية والمعاصرة: جرائم الاستعمار، النزاعات من أجل الموارد وغيرها، لكي تبرهن أن القسوة ليست فكرة نظرية فحسب، بل واقع تاريخي، بوصفها جزء متجذر في تاريخ الانسان، من التعذيب والعبودية إلى الحروب والإبادات الجماعية، وحيث تظهر القسوة كأداة للسيطرة والعقاب وحتى الاستمتاع، وتشير إلى أن هذا الميل يمكن فهمه علمياً من خلال دراسة الدماغ البشري، وخاصة الدوائر العصبية المرتبطة بالتعاطف، واللذة والسيطرة، مبتعدة عن الاقتراب من النظرة التقليديية للقسوة بوصفها ” شر مطلق “، أو نتيجة الحقد والكراهية، لتقترح أن فهمها العصبي النفسي، يُمكن أن يساعد على الحد منها.

القسوة البشرية ما بين الأدب والعلم

خلال قراءتي للكتاب، وهو من الكتب الشيّقة جداً، كنت انتقل بما أسعفتني به الذاكرة لروايات تماهت شخصياتها مع ما ورد فيه عن القسوة، حتى أن بعضها شكّل تطبيق عملي لماهية القسوة كما عبّر عنها.

إذ يتضح أن ما تناولته “كاثرين تايلور”، في تحليلها للقسوة بوصفها ظاهرة نفسية واجتماعية يجد صداه العميق في الأدب، وفيه تتحول القسوة من سلوك فردي إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان وصراعه مع ذاته والمجتمع. فبينما فسرت تايلور جذور القسوة من منظور علمي وعقلي، أعاد الأدب  تصويرها بأسلوب إنساني، يجعل القاريء يعيش أثرها ويشعر بعمقها، وهكذا يتكامل الفكر العلمي مع الإبداع الأدبي في كشف طبيعة القسوة، لا كفعل منعزل، بل كجزء من التجربة الإنسانية، والتي تكشف حدود الرحمة والعنف في النفس البشرية، أي منحها الأدب وجهاً إنسانياً حياً، يجعلنا نرى الألم خلف القناع القاسي.

في عودة إلى الآداب القديمة، التي كانت مفتونة بالقسوة، أقصت ما وصلنا منها الإنسان عن أفعال القسوة ، بل صورتها لنا كعنصر من عناصر القدر أو العدالة الإلهية، ففي مسرحية أوديب كانت القسوة عقوبة الآلهة، نزلت على الإنسان الذي خرق معايير إلهية، بينما في الإلياذة، كانت القسوة في الحروب والانتقام اختباراً للشجاعة والمجد.

تقاطعت أسباب القسوة في مفاهيم الآداب الرومانسية في القرن التاسع عشر مع ما ذهبت إليه تايلور، أي كنتيجة للمظالم والتقاليد القاسية، وتفاعل معقد بين العوامل البيولوجية، النفسية، الاجتماعية والثقافية.

في روايته البؤساء، يحصر “فيكتور هوغو”، القسوة في النظام الاجتماعي والقانون، حيث يُسحق ضمنه الضعفاء بقسوة بالغة ومع تجاهل تام لإنسانيتهم، وهذا ما أبرزته الكاتبة “تايلور”، في استخدام القسوة كأداة للقمع والسيطرة، وتجلياتها في حالات عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية الحادة، وفيها يُنظر إلى الآخر ك (الفقراء، الغرباء والمختلفون) على أنهم أقل إنسانية، فالقسوة هنا هي قدرة كامنة لدى جميع البشر، ولكن الظروف والسياقات هي التي تدفع البعض لتفعيل هذه القدرة بينما يكبحها آخرون، وكذلك لدى تشارلز ديكنز، التي كانت رواياته مرآة للمجتمع الصناعي البارد، تقاس قيمة الإنسان بقدر ما يُنتج لا بقدر ما يشعر، ففي روايته ( أوليفر تويست )، تُمارس القسوة هنا ضد الأطفال والفقراء، في مجتمع صناعي لا يرحم.

 

وتركز “تايلور”، في كتابها على موضوع (القسوة الصامتة)، أي الوجه الخفي للقسوة، مثل النظرات، الكلمات الجارحة، العزلة الاجتماعية والإهمال العاطفي، مثل تلك التي تشهدها ساحة المدرسة، أو في لقاءات الناس بعضها ببعض في الأماكن العامة، وهي شائعة لدرجة أننا قد لا ننتبه إلى فداحتها.

اللامبالاة الصامتة 

 الإهمال العاطفي أو اللامبالاة الصامتة، هي التي قادت “مدام بوفاري”، لدى “غوستاف فلوبير”، في روايته الشهيرة “مدام بوفاري” إلى قتل روحها، عقب فترة من الحرمان العاطفي المزمن، حين تتجمد المشاعر ويصبح الإنسان غريباً عن ذاته، بينما في “مرتفعات وذرنغ “، تجلّت القسوة في الكلمات الجارحة والعلاقات المسمومة، بحيث مارس أبطالها قسوة عاطفية متبادلة، ما يمكن أن ندعوه قسوة نابعة من الحب، وفي رواية “ألبير كامو”، “الطاعون”، تجلّت القسوة في التعامل البليد مع موت الآخرين، ضحايا قسوة القدر والوباء.

وإذ ترى “تايلور”، من خلال المنظور الأخلاقي والفلسفي، إن مصدر القسوة ليس في الانفعال، بل أيضاً في العقل، حين يبرر الأذى باسم الواجب أو المصلحة، مشيرة في الفصلين الثاني والثالث إلى أن أخطر أشكال القسوة، هي تلك التي يبررها الانسان في عقله، فيتحول الضمير إلى أداة تبرير لا إلى رادع، وهذه الفكرة نجدها تتجسّد بعمق في أدب “دوستويفسكي”، الذي طرح القسوة ضمن إطار فلسفي، وديني ووجودي أوسع،  ففي رواية “الجريمة والعقاب”، يُقنع راسكولنيكوف نفسه بأن قتله امرأة عجوز هو فعل مشروع، لأنه اعتبر حياتها عديمة القيمة، فيما تتجسّد القسوة في رواية “الأخوة كاروامازوف”، في قسوة الأب على أبنائه، وقسوة الابن حين يبرر قتل أبيه باسم العدالة، وكأن “دوستويفسكي”، يطرح السؤال نفسه الذي طرحته تايلور: هل يمكن للأخلاق أن تحمي الإنسان من نفسه؟ ويتوافق الكاتب الروسي مع فكرة “تايلور”، التي صورتها في الفصل السادس، حين أكّدت أن الغضب، والخوف والغبن محركات أساسية للقسوة،  ففي روايته المذكورة آنفاً، تتحول هذه المشاعر المكبوتة تجاه الأب الظالم إلى جريمة قتل، وهو ما تدعوه “تايلور”، بالألم غير المعالج.

الإقصاء الطبقي والعاطفي 

 في رواية “اميلي برونتي”، “مرتفعات وذرنغ “،  فقد دفع الإقصاء الطبقي، والعاطفي الشخصية الرئيسية ” هيثكليف “، إلى قسوة انتقامية تجاه من حطموه، وهو ما أكّدته تايلور عن تحول (الإقصاء إلى دافع للانتقام )، وفي الفصل ذاته تطابقت القسوة في رواية “الغريب “، للروائي “ألبير كامو”، الناتجة عن اللامبالاة وليس الكراهية  مع فكرتها القائلة: ( إن العزلة وتبلّد المشاعر) أو (الاضطرابات النفسية )، تجعل الإنسان غير قادر على إدراك أثر أفعاله والاحساس بآلام الآخرين.

كما تُعتبر الكاتبة “كاثرين تايلور”، أن المعتقدات الثقافية والفكرية هي من أحد الأسباب التي تدفع لارتكاب القسوة، ولدينا هنا مثال في الآداب العالمية، ففي روايته “قلب الظلام “، ل”جوزيف كونراد”، يذكر كيف أن المستعمرين كانوا يمارسون قسوتهم باسم (تحضير الشعوب المتخلفة)، أي أن القسوة تبرّر أسطورة التفوق الحضاري، وكذلك في رواية عبد الرحمن منيف “شرق المتوسط”، تمارس القسوة باسم ” الأمن القومي ” أو ” الحفاظ على النظام “، أي أن الأفكار والمعتقدات، منحت القسوة قناعاً أخلاقياً، يخفي حقيقتها الوحشية.

السادية 

 ضمن السياق نفسه، تشرح “تايلور”، إن بعض الأشخاص يمارسون القسوة بدافع السادية، بمعنى التلذّذ بإيذاء الغير، أو وسيلة لإثبات القوة، أو السيطرة وإخفاء ضعفاً داخلياً، وبالتالي يصبح الفعل انعكاس لصراع نفسي أو خلل أخلاقي،  وقد جسّد “ميرسو”، بطل رواية الغريب ل”كامو”، القسوة الباردة النابعة من اللامبالاة التامة، فهو لا يشعر بالحزن لموت أمه، ولا بالذنب بعد ارتكابه جريمة قتل، لأن مشاعره قد تبلّدت تماماً، وهو ما اعتبرته “تايلور” فقدان الإحساس الإنساني بسبب العزلة أو الاغتراب. يظهر “دوستويفسكي”، جانب السادية لدى بعض الشخصيات الثانوية في رواياته، التي تستمتع بإذلال الآخرين أو إيذائهم دون سبب مباشر، وطبعاً برزت السادية بأبشع صورها في رواية  “مذكرات ماركيز دو ساد “، ومنها جاءت كلمة السادية. بينما في رواية “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ، تحوّلت الرغبة في الانتقام إلى لذة مطلقة،  في ممارسة القسوة دمرت صاحبها.

استعراض القوة 

تمارس السلطة في رواية ” 1984″، للكاتب البريطاني “جورج أورويل”، القسوة، كاستعراض للقوة، كي تثبت الدولة قدرتها على التحكم بالعقل والروح، حين تُجبر الناس على الاعتراف بما لم يفعلوه. وهو ما ذهبت إليه “تايلور”، في قولها: (يستخدم بعضهم القسوة، ليخفي هشاشته وضعفه الداخلي)، أو أن يتحول التعذيب كما ورد في رواية ” شرق المتوسط ” إلى لغة السلطة في إظهار القوة، بينما هو في الحقيقة دليل خوفها من الحرية.

ضمن هذا السياق، تناول الأدب الواقعي مسألة القسوة من خلال سياقات اجتماعية وتاريخية، أي يعيد أسباب القسوة لنظام اجتماعي أخلاقي مختل، ففي روايته “جيرمينال”، يصور الروائي الفرنسي “إميل زولا”، حياة عمال المناجم في شمال فرنسا، حيث يعيشون الفقر المدقع ويعاملون كآلات، في استغلال لهم للسيطرة عليهم والتربح، وسط تجاهل المجتمع معاناتهم، وهذا ما أشارت إليه “تايلور”، في أن القسوة تنشأ حين يُجرد الآخر من إنسانيته، وتفقد الضحية هويتها الإنسانية.

 

في روايات بلزاك تمثلت القسوة كقوة خفية، تنبع من المال، والطموح والطبقية والتفاوت الاجتماعي، فالقسوة في روايته “الأب غوريو”، هي برود عاطفي وجحود اجتماعي، وهناك العديد من روايات “بلزاك”، تتقاطع فيها ثيمة القسوة  مع تفسير “تايلور”، عن القسوة كظاهرة نفسية اجتماعية، تُمارس حين يفقد الإنسان قدرته على التعاطف، ويتحول الآخر إلى وسيلة أو غاية.

من خلال هذا الاستعراض المكثّف، نكتشف الكثير مما قالته “كاثلين تايلور”، عن القسوة بما صوّره الأدب في أعمق صفحاته، فكلاهما يحاول أن يزيح الستار عن ظلمة  النفس البشرية، حين تفقد بوصلتها بين الخير والشر.

 لقد قدمت تايلور تفسيراً علمياً لآليات القسوة ودوافعها، بينما منحها الأدب وجهاً إنسانياً نابضاً بالألم والأسى، فحول النظرية إلى تجربة شعورية تُروى وتُحس وتُعاش، ومن هذا التقاطع بين الفكر والتحليل من جهة، والخيال والتعبير الفني من جهة أخرى، تتجلى القسوة كمرآة تعكس ضعف الإنسان ووحدته، في عالم يزداد قسوة كلّما فقد معناه الإنساني.

* عن المؤلفة

كاثلين تايلور، عالمة أعصاب بريطانية، درست في جامعة أكسفورد، متخصصة في علم النفس العصبي والسيطرة على التفكير. لها كتب أخرى  تهتم بدراسة العلاقة بين الدماغ والشر، وتأثير الأيديولوجيات على السلوك البشري.

*الكاتبة والمترجمة: دلال ابراهيم

 

Leave A Comment