يقول ألبير كامو: “إن أي عدالة تُبنى على الدماء، هي عدالة زائفة، فالفكرة لا تُظهر الجريمة بل تفاقمها”

أنا الآن يا سيد “كامو”، سوف أكتب لك من داخل صفيحة معدنية يطلقون عليها اسم “الوطن”، لكي تأخذ علماً بما حدث لنا مع هذه الفكرة، لأن الوطن صار لدي مجرد فكرة. علّ صوتك هو الوحيد وسط هذا العبث يقول لي: هو سوء فهم..

في البداية أقول لك: إن العبث الذي كتبت عنه، أصبح الآن مادة ملموسة، صار له صوت، وصفير ورائحة، لم يعد فكرة فلسفية نلوكها في عزلاتنا، صار شيئا يُذاع بياناته عبر مكبرات الصوت، فهل يمكننا هنا أن نصنع سعادتنا كما سيزيف حين كان يدحرج صخرته إلى الأبد؟

هل كنت ستسمي هذا تمرداً، حين تظل واقفاً في منتصف هذا الخوف، تدير وجهك إلى الناحية الأخرى، ومدّعياً التمسك بالحرية والكرامة دون السقوط في العنف والجريمة؟

هل كنت ستفهم لو قلت لك: إننا نبحث عن جدار سليم لنلصق عليه وجوهنا، ونحاول أن نصدق أننا بخير، وحسب؟

لقد انهار المعنى والفكرة دون حتى أن يثيرا ضجة، سقطا بصمت كما تسقط آخر لحظة في العمر.

أقول لك الحقيقة، وربما ستلومني وأصعقك بهذا الاعتراف عن الوطن بعد هذا العبث الذي عشناه فيه، أنا لا أراه أكثر من صندوق مغلق يأكله الصدأ، يرن كلما سقط شيئاً على سطحه، ونحن في الداخل نرتج، ننتظر أن نُمحى كخطأ مطبعي في خطاب حرب.

بما أنك رفضت أن تبرر الجريمة باسم الفكرة.

ألبير كامو

ألبير كامو، عام 1943

سوف أحدِّثك عما ارتكبه فينا هذا الوطن من جنايات…سيما وأنك قلت لنا: إن العبث ليس دعوة لليأس، بل نداء للوعي، والحرية ويقظة الانسان الرامي إلى صناعة معنى لمعاناته، ولكن العبث الذي رأيناه في وطننا كان دعوة للقتل والانتحار.

يقول التفسير المادي للتاريخ، إن كلمة “وطن” اُستخدمت أول ما اُستخدمت حين شعرت الطبقة الارستقراطية أن إقطاعاتها معرضة لخطر الغزو، واحتمالية استيلاء عدو خارجي عليها، وكي يحثّوا الفقراء للدفاع عنها، دون أن يتقاضوا ثمناً لذلك، ابتكرت تلك الطبقة مفهوم: الوطن، وضرورة الدفاع عنه!

في بداياتي، كنتُ أظن أن الوطن مكان، ولكن فيما بعد أدركت أنه شعور.. ولكنه شعور حين ينكسر لا يُمكن إعادة إصلاحه.

ترى هل يعرف الوطن أننا تعبنا من حبه؟ هل يشعر بكمية الخذلان التي نبتلعها كل صباح؟ هل يسمع بكاءنا الصامت خلف أبواب موصدة؟ هل رأى أبناءه وهم يغادرونه دون أن يلتفتوا؟ المآذن التي كانت تصدح بالآذان صارت تصرخ، والمدارس التي كنا نضحك فيها صارت قبوراً صغيرة، والشارع الذي كان يعرف خطواتنا، صار يعرف صوت الانفجار أكثر.

كأننا عشنا حلماً طويلاً واستيقظنا على ركامه، كل شيء كان يعدنا بالحياة فيه خاننا، كل شيء كان يشبه الوطن اختفى..

نعرف مذ تكوّن وعينا أن فكرة الوطن تتركز في تكريس الكرامة الإنسانية لفردٍ ما على بقعة ما، إنها المدى الشاسع للحرية بوصفها الشرط الوجودي الذي يُرسخ أهمية ما ندعوه الوطن: أنا مصان الكرامة في هذه الأرض، لي مورد عيش كريم، ولي استقلال الشخص المسؤول عن كفاية نفسه، وكبريائي لا يُثلم من أي سلطة ما دمت أمارس المواطنة الصالحة في المفهوم الذي ندعوه الوطن، أي حيث يُمكن أن أكون إنساناً قبل أن أكون رقماً في إحصائية.

لعلّ هذا الذي ذكرته لك، هو فكرة الطوباوي عن الوطن، ولعل فكرة الوطن هي ذلك الفردوس الذي وصفناه: العيش بكامل زخمنا الإنساني، لكن التاريخ ومعه الواقع يمدّان لسانيهما لنا ساخرين: الوطن عبر التاريخ بالنسبة لنا، هو إغواءٌ ساحرٌ، لكنه وفجأة يتكشف عن فخ مميت، وهمٌ تدّثره تعاليم الساسة، والشعارات والحماس، الوطن هو أن تعمل جندياً بالسخرة، تدافع عن امتيازات أنظمة فاشية فاسدة، وحين تنتهي صلاحيتك للخدمة، ترمى كأي قمامة عديمة النفع، أي أن يسرقوا منك رغيف الخبز ثم يجبروك على الغناء له، وهذا ما قدمه لنا جورج أورويل في روايته “1980”، إذ يتحول الوطن لديه إلى سجن كبير، تحت سيطرة نظام شمولي، وليغدو، مكاناً للقمع والمراقبة، حيث تسعى السلطة إلى تدمير المفاهيم التقليدية للأسرة، والحب والولاء، واستبدالها بالولاء الأعمى للحزب الحاكم.

حتى أنني بدأت أشك، هل كان لنا وطن حقاً، أم اخترعناه لنخدع أنفسنا وننام دون أن نموت من الخوف؟ وبتُّ لا ألوم من غادروه، فالذين بقوا داخل أسواره لم يبق فيهم شيء، بل باتوا أشباح تسكنها الذكريات، تتجول في وطن لم يعد يراهم ولا يريد أن يسمعهم، حتى صرنا نكتب اسماء أحبائنا على الجدران، علّنا نجدهم إن تهنا، لكن لا أحد يعود ولا أحد يهتم، فقد أصبحت الناس تشبه المنافي… كثيرون، لكن باردون.

كأن هذا الوطن الذي حلمنا به أن يكون بيتنا، قرّر أن يكون مقبرة لكل أحلامنا الصغيرة، وساحة لأخطاء لا تليق إلا بالجناة… ونحن لسنا مجرمين، كأنّنا هنا لم نخلق لنعيش، كأن وجودنا هذا هو اختبار لقدرتنا على التحمل.

 أرواحنا تلطخت بالخذلان، بالنشرات العاجلة، بالعناوين التي تعبر فوق الوجع ولا تتوقف، لقد تعبنا من محاولات النجاة التي لا تنتهي، من الكذب الذي يُزيَّن لنا على هيئة شعارات، ومن الحرب التي تُدار كما تُدار لعبة الشطرنج، ونحن بيادقها الصامتة… لا نحرك أحداً، لكنه يُحَّرك بنا كل شيء، وصرنا نعرف الحقيقة، لكنّنا لا نملك القدرة على قولها، دون أن ندفع ثمناً آخر.

خطؤنا الوحيد، هو تصدّيقنا أننا وقفنا حيث يجب أن نبتعد، واقتربنا من شعارات كانت فارغة من كل شيء، إلا من الخديعة…. واليوم أصبح الوطن متعب من نفسه.

في واحدة من تجلّياته يقول، الروائي البولندي “جوزيف كونراد”، في روايته الشهيرة والعظيمة ” قلب الظلمات”: (معذرة فقد نسيت ألم قلبي الذي يشكّل ما تبقى من الثمن، وما الذي ينفعه الثمن حين تكون اللعبة محكمة ؟)، هل أتى عليك حيناً من الدهر شعرت فيه إنك اُستُخدمت؟ وأنه قد سُرقت باسم المفاهيم والأفكار الكبرى؟ وإدراكك لحقيقة إنك اُستخدمت، لها مضاء السكين نفسها التي ذبحك وهمها؟

أقصد: سكين الوهم.

هل لديك معلومات عن أخوة آخرين لمفهوم الوطن الذي اُستخُدمنا جميعاً فيه؟

ربما مفهوم الشعب، آه… ما أقسى هذه الكلمة، وهل سُرقنا باسمه؟ هل ذبحنا؟

المفاهيم والمعاني الكبرى يا سيد كامو، هي مقبرة ” الغُشم” السذج، سيتبين لهم فيما بعد خطل هذه الفكرة، فكرة الانصياع للغواية، والسير مغمضين العينين وراء سرابها.

أنا أحكي وأكتب وأعلم أن هذا لن يغير شيئاً. لكن هذا كل ما امتلكه وسط  هذا العبث وفي هذا الوطن المبتور. هي محاولتي الوحيدة للتنفس، إثبات خافت أنني ما زلت موجودة، حتى وإن كان هذا الوجود مثقوباً، مهترئاً، مهجوراً وبلا عنوان.

مجرد وجع لا نهاية له..كهذا الوطن تماماً، أو كصخرة سيزيف التي لم تتعب من التدحرج.

وإن كنت لا أريد أن ازعجك في نهاية المطاف: لا بد لي أن أخبرك أنهم برّروا كل ما فعلوه بنا باسم الفكرة والهدف النبيل.

بقلم الكاتبة والمترجمة : دلال ابراهيم

لوحة الغلاف للفنان المصري: أحمد صابر

Leave A Comment