

شمسة سلطان الهاملي: كاتبة وإعلامية إماراتية، درست الصحافة في جامعة الإمارات، وعملت في قسم الإعلام بالمجمع الثقافي بأبوظبي، وهيئة الثقافة والتراث، وتعمل حالياً كأخصائي مسؤولية مجتمعية في دائرة الثقافة والسياحة، ولها مشاركات إعلامية في عدد من المؤتمرات والمهرجانات، وكانت إحدى المرشحات للمجلس الوطني الاتحادي في دورات سابقة.
من دفتر الذكريات… حيث لا تكون البلاد مجرد خرائط، بل لمسات على الروح، وأصوات نساء مررن بنا كالأمهات، ثم غبن وتركْن الوطن في كل مكان
سوريا… ذاكرة الخبز والحنان
لم تكن سوريا بالنسبة لي وجهة سياحية، بل كانت أرض الحنين… وطن الطفولة الصيفي.
كنا نقصد الزبداني، مصيف الجبال الخضراء، حيث البرد العذب، ورائحة الخبز، وصوت الماء وهو يتسلل بين الصخور.
كانت هناك امرأة طيبة، اسمها أم مسلم.
عجوز من أهل الزبداني، تبيع حليب الماعز الطازج، وتطرق باب بيتنا كل صباح تقريبًا.
كنت طفلة، لكني كنت أسبق الكبار إلى الباب حين أسمع صوتها.
كنت أتحدث معها كثيرًا، أحببتها… كانت تشبه جدتي.
وذات صباح، وعدتني أنني إن ذهبت إليها باكرًا، ستُعدّ لي خبز التنور بنفسها.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت أستيقظ مع ضوء الفجر، أركض إلى بيتها قبل أن ينهض أحد من أهلي.
كانت تستقبلني بضحكتها الهادئة، تصعد بي إلى سطح بيتها البسيط، تفرش لي مفرشًا قديمًا جميلاً، وتضع أمامي الخبز الحار، مع الأجبان، والشاي، وحليب الماعز الطازج.
كنت أشعر أنني في حضن أمّ، لا بائعة حليب.
أفطر معها وأعود مسرعة قبل أن يراني والدي.
كانت البساطة هي الحنان، وكان دفء المكان يملأ قلبي الطفولي، ويروي شيئًا بداخلي كنت أفتقده… ربما هو دفء الأم الغائبة.

وفي مدرستي، كانت معلمة الرياضيات السورية تُكمل ما بدأته أم مسلم.
لم تكن فقط تشرح الدروس، بل كانت تشرح لي نفسي.
تمسح على رأسي، وتناديني بـ”شُطورتي”، وعندما كنت أنجح، كانت تفرح كما لو كانت أمي.
أحببت الرياضيات من خلالها، لأني شعرت أن الحلول لا تأتي من العقل فقط، بل من الحب أيضاً.
السويد… وطنٌ على شكل طبيبة
أنا لا أعرف عن السويد كثيراً من الخرائط… بل من إنسانة واحدة اسمها إليزابيث.
طبيبة أسناني، منذ أن كنت طفلة وحتى تزوجت.
كانت تعتني بي بتفاصيل لا يفعلها إلا من يحب.
كانت تحفظ تواريخ ألمي، وتسبقني بالمسكنات، وتربّت على كتفي إن خفت من الإبرة.
في كل عيد أم، كنت أبعث لها باقة ورد. كانت تبتسم بحنان، وتقول:
“أن تكوني بخير، هو أعظم هدية.”
وفي ليلة زفافي، جاءت فجأة، صعدت إلى غرفتي وقالت بابتسامة:
“أردت فقط أن أرى ابتسامتك الليلة، وتكون مثالية كما عهدتها.”
ثم رحلت… ليس عني فقط، بل عن أبوظبي كلها.

سافرت إلى وطنها.
وعندما زرت السويد في صيف 2023، كنت أرى وجهها في كل زاوية، في كل امرأة بيضاء الملامح دافئة الصوت، في ثمار التوت البري التي كانت تحكي لي كيف تجمعها من الغابات.
لم أرها، لكنني التقيتها هناك، في ذاكرتي.
هولندا… الحلم الذي كبر معي
كانت صديقتي في الطفولة تعشق رسم الطواحين.
لم أكن أفهم ولعها، لكنها كانت تملأ دفاترها بدوائر تدور، فوق بيوت صغيرة.
قالت لي يومًا:
“سوف نزور هولندا سويًا… ونعيش وسط الطواحين.”
مرت السنوات.

وكبر الحلم… وكبرنا نحن.
ثم تحقق الحلم، والتقينا فعلًا في أمستردام.
كنا نضحك كما لو لم يكبر شيء، نركض، نلتقط الصور، ونشير للطواحين في الأفق كما لو كنا ما زلنا نعيش داخل الدفتر.
هولندا ليست فقط بلدًا جميلًا… بل هي صديقتي.
هي تلك الرسومات التي صارت واقعية، والضحكات التي تشبه لعب البنات في باحة المدرس.
ملاحظة قلب:
كل بلد أحببته، أحببته لأن امرأة منه شبّعتني حنانًا، أو صديقة أعادتني لطفولتي، أو سيدة عجوز خبزت لي دفء الأمهات حين كانت أمي بعيدة.
نحب البلاد التي جاءنا منها نساء شابهت أمهاتنا… أو كنَّ أمهاتٍ مؤقتات، حين كنّا بأشد الحاجة إليهن.
بقلم: شمسة سلطان الهاملي.
