إيزابيل الليندي، روائية تشّيلية، تنتمي إلى جيل ما بعد الواقعية السحرية، أو ما بعد جيل ال“بوم”، الذي تمكّن بجدارة من إحياء أدب أميركا اللاتينية، ووصوله نحو العالمية، عبر ما حققه من انتشار، وما أضفاه من تجديد نحو مسيرة الأدب في العالم.
حصلت الكاتبة على العديد من الجوائز الأدبية الهامة، ومن الأسماء المرشحة للحصول على جائزة نوبل، كما تنشط في مجال حقوق المرأة، وحركات التحرر العالمية.
قدمت “الليندي” منذ روايتها الأولى (بيت الأرواح)، وصولاً إلى ثلاثيتها (مدينة الوحوش)، سرداً لما يقارب قرناً من أحداث أميركا اللاتينية، وتشيللي على وجه الخصوص، وفي مقدمتها الانقلاب العسكري، الذي أودى بعمها سلفادور اللّيندي.

العوالم الروائية ل”الليندي”وأعمالها
تتمتع “الليندي” بولع الإحالات التاريخية، التي يشكل فيها التقمص والكذب أهم أدواتها الروائية الأسطورية، الموازية والمتماسكة مع النص التاريخي الأصل، بتقنية تستحوذ عبرها على التفاصيل التاريخية الرئيسية، وتتخلص بمهارة من التبعات الثانوية، وهذا ما يدعى بملكة ( الاستحواذ والتخلص).
يتميز عالم “الليندي” الروائي بقواعد ثابتة من معاناة، وعنف، ورعب، وحب، وتضامن، تفصح فيها عما تمتلكه من قيم ومواقف إنسانية، تدعو من خلالها إلى احترام حقوق الإنسان في كل زمان ومكان.
من أعمالها المترجمة للعربية: ( بيت الأرواح، باولا، ايفالونا، ابنة الحظ ، صور عتيقة، أفروديت، عن الحب والظلال، مدينة الوحوش).

رواية (مدينة الوحوش) نقل إرث الأجداد للأحفاد
بعد أن أصبحت الليندي من أشهر كتاب أميركا اللاتينية، ومن أعلام الواقعية السحرية في العالم، تطأ الكاتبة أرضاً جديدة للرواية خصصتها للفتيان، ولأحفاد يوقنون بأن جدتهم، تملك مفتاح صندوق حكايات لا تنضب.
تقول في أولى صفحات الرواية: (إلى أليخاندرو، آندريا، ونيكول)، الذين طلبوا مني هذه القصة.
تُسلط الكاتبة الضوء نحو واقع هنود أميركا وسكانها الأصليين، وما ألم بهم منذ مطلع القرن السادس عشر من مظالم، على يد البرتغال والإسبان وغيرهم، من الذين جاؤوا طامعين بثروات تلك الأرض البكر، وتنفي عنهم ما أُنيط بهم من صفات، كالوحشية والبدائية، وتوضح ما يمتلكونه من مبادئ سامية، تفوق قيم ومبادئ مجتمعاتنا المعاصرة، وتقرّ حقهم في ممارسة حريتهم وإنسانيتهم.

تحصر الكاتبة أحداث روايتها ضمن مربع جغرافي هو غابات الأمازون، وتمنح أدوار البطولة لفتيان صغار هم ( الكسندر كولد) وابنة المترجم (ناديا)، و تدفع بهما نحو أرض روايتها الجديدة.
تهيئ الليندي القارئ لدخول عالم روايتها الواقعي الأسطوري، عبر حلم البطل “الكسندر”، وارتطام ذاك الطائر العجائبي الأسود بنافذته، وحمل أمه المصابة بمرض عضال.
يرافق “الكسندر” جدته كاتي في حملة استكشافية، أعدتها مجلة (انترناشيونال جيو غرافيك) نحو أعماق الأمازون، عبر النهر الأسود، بحثاً عن كائنات بدائية تستوطن تلك الأرض، إلى جانب الهنود، وتدعى ب “الوحوش”.
تضم الحملة الدليل المترجم “سيسر سانتوس” وطفلته “ناديا”، والطبيبة “أومايرا”، وآخرين.
تنطلق الحملة عبر النهر الأسود على متن كوكب مائيّ يسير على إيقاع النهر، والمدّ والجذر، والأمطار، تمكن أفرادها من مشاهدة دلافين وطيور الفجر، وعيون التماسيح المترصدة في الظلام، وكانوا كلما توغلوا في النهر تزداد الخضرة كثافة، وصولاً إلى “سانتا ماريا دي لا ليوبيا”، موطن الهنود سكان الأمازون الأصليين، حيث أقامت الحملة مخيمها.

تلتقي الحملة التاجر الجشع “ماورو” الذي أثار اهتمام المجلة بأسطورة الوحش كغطاء لخطته بالقضاء على الهنود، اللذين يشكلون عائقا أمام أطماعه في هذه المنطقة الخرافية الغنى والجمال، بعد إصدار قوانين جديدة لحمايتهم.
يتمكن “ماورو” من شراء ضمير قائد الجند الرقيب “آريوستو”، وعواطف الطبيبة “أومايرا”، المكلفة بلقاح الهنود من أمراض البشر.
توظف الكاتبة في سردها طبائع الهنود ومزاياهم أبطال ثانويين، لتعبر من خلالهم عن رؤيتها وما تحمله من أفكار، كراهب الكنيسة الذي يصف مزايا الهنود لكل من “أليكس، وناديا”)، بقوله:
(إنهم طيبون يقدسون الحرية ويفضلون الموت دونها، متقدمون ذهنياً رغم بدائيتهم، عشاق للطبيعة الأم، وروحانيون، لا يروّن ضرورة في جمع الثروات، ما داموا لا يستطيعون حملها إلى العالم الآخر، ويرى أن من يُشكل الخطر الأكبر هم تجار الأسلحة، والأخشاب، والمخدرات، والماس)، كما حدثهم عن الوحش فقال:
(هو مارد يزيد طوله على ثلاث أمتار، يطلق عند شعوره بالخطر رائحة رهيبة تشل من يلامسها، ويردد لغة منطوقة ويختفي).
أثناء رحلة على ضفاف النهر، شاهد “أليكس وناديا” أحد زعماء الهنود، ويدعى “التشامان”، رجل هرم، قصير القامة، يتمتع بقوى سحرية خارقة، جعلته الدليل الأوحد نحو “الإلدورادو” مدينة الذهب أو الوحوش، جثت ناديا على ركبتيها احتراما، فانحنى الهندي أيضا، عبّر عن غضبه من وجود الغرباء على أرضه، ووصفهم بقوله :
( إنهم يقتلون مالا يأكلون، وكالتماسيح لا يشبعون، ويخلّفون القمامة حيثما يمرّون، ويخادعون ويكذّبون، وهدّد بأنهم سيكونون أهداف سهامهم إن لم يغادروا تلك الأرض، وبارك روحي الطفلين البيضاء ومن ثم اختفى).
تُشكل الحروب لدى الهنود طقوساً احتفالياً، تختبر عبرها شجاعة أفراد القبيلة، و فيها يكثر سفك الدماء والأرواح، لذا لم يرغب “التشامان” إثارة الحرب مع هؤلاء القادمين، حفاظاً على حياة ما تبقى من الهنود أولاً، ويقينه بأن تلك الحملات لن تتوقف، لذا أرسل من يقوم بخطف الطفلين، للعب دور الوساطة مع أفراد الحملة.
(هنا تعود الكاتبة لتوضيح مآثر الهنود وما يتمتعون به من كرم وحكمة).
استقبل الهنود “اليكس وناديا” باحتفالية بالغة، تخللها تقديم لحوم الصيد، وثمار الغابة والعسل، ولبيا دعوتهم لزيارة وادي الآلهة موطن الوحوش، الذين نشأت مابينهم والهنود علاقة تكافلية، بعد أن استوطن الهنود أرضهم هرباً من الجنود الإسبان، الذين جاؤوا بحثاً عن الذهب.

فشل خطة الفناء
دخل الطفلان وادي الآلهة في الجبل المقدس، ورأى “اليكس” ذاك الطائر العجائبي الذي حلم بأنه ارتطم بنافذته وحمل أمه، وتمكن من إحضار ماء الحياة الشافي، وطافا مدينة الذهب (موطن الوحوش)، تلك المخلوقات الضخمة الممتدة بجذورها إلى آلاف السنين، الأقرب إلى” الدببة الكسولة البليدة”، والتي تتمتع بذكاء إنساني، وتأكل قليلاً وتمضغ طويلاً، وتخضع حياتها لقانون ثابت هو”لا أخذ دون عطاء”، ولم يبدُ العالم “لاليكس وناديا “بمثل تلك الروعة من قبل.
ودّع ” أليكس وناديا ” تلك الكائنات بأسى، آملان بأن يدافع المجتمع العلمي عن تلك المخلوقات الاستثنائية.
عاد الطفلان نحو المخيم، برفقة رسالة مضمونها استياء وغضب الهنود أو “شعب الضباب”، من وجود الغرباء على أرضهم، وبأنهم سيكونوا أهدافاً لسهامهم إن لم يغادروا.
تمكنت ناديا من كشف مؤامرة التاجر” ماورو”، والطبيبة ” أومايرا”، بالقضاء على الهنود من خلال لقاحات فاسدة.
تمكن “ماورو” والطبيبة من استدراج الهنود لتناول لقاح يحمل لهم الموت، دوّت صرخة ناديا العنيفة أرجاء الغابة، واندفعت لمنع الهنود من تناول اللقاح، توجّس الهنود بالخطر الذي ينتظرهم، فاختفوا فجأة كالأشباح يراقبون عن بعد.
يظهر الوحش فجأة يطرح برائحته النقيب “آريوستو “والتاجر “ماورو”، ويطوق الهنود أفراد الحملة.
(تمنح الكاتبة القرار الحاسم في أمر الغرباء لإحدى نساء الهنود، التي تلعب دور الزعامة في القبيلة، إشارة لدور المرأة المرموق في ذلك المجتمع، وحقها في الزعامة والحكم، إلى جانب الرجل).
هدأ العنف وخيم الهدوء، وتمكّن الجميع من تبادل وجهات النظر، تقدمت زعيمة الهنود تطالب أفراد الحملة بمغادرة تلك الأرض.
حلت لحظة وداع أناس الضباب، مع سماع دوي طائرة الهليوكبتر التي حطت لنقل أفراد الحملة، ولم يتمكن “ماورو” ورجاله من هزيمة شعب الأمازون، وأنهاره وشلالاته.
*قلم: بيلسان الأسود/ كاتبة سورية
**يُعبر المقال عن رأي الكاتبة، ولا يعبر بالضرورة عن رأي المدونة.

يعطيك العافية
لا أبالغ ان قلت ,وفرت علينا قراءة الكتاب, لكن يبقى للرواية نفسها سحر الخاص يتذوقه كل شخص باحساسه الذي لا يتطابق بالتأكيد مع اي شخص اخر.
شكرا على متعة القراءة