
تربع الأدب الروسي على قمة الأدب العالمي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحتى أوائل القرن العشرين.
لم يكن أدب المرحلة السوفيتية فردياً، أو معزولا، بل كان على الدوام منبثقاً من براكين الواقع ، السياسية، والاجتماعية، ينبئ وينذر، يلعن ويفضح، ويمجّد ويبّصر، مشكلاً مسمار الأمان الأكثر ضماناً على كافة المستويات.
إثر انهيار الاتحاد السوفيتي المروّع، والمثير للسخرية والدهشة، لم تسلم الثقافة من تبعيات هذا التحول العظيم، وبما أن الطامة الكبرى لأية حضارة، أو تاريخ، تتجلى في زوال ثقافتها، فإن ذاك السقوط الصاعقة، شكل صدمة إيديولوجية قبل أن تكون صدمة سياسية، انفتحت عقبها بوابات التاريخ للأسئلة الصعبة، أمام مجهر الفكر والضمير، مع ما تتعرض له الثقافة الروسية من إبادة بعيدة المدى، يتقدمها سؤال الأسئلة الأهم والأكبر:
ماذا بعد انتهاء حضارة الاتحاد السوفيتي برمتها؟!

بما أن الأدب الروسي كان أحد أهم إنجازات تلك الحقبة السوفيتية، وكوكبها الساطع، شكلت تلك الصدمة خللاً واضحاً في مسار خطه البياني على أصعدة ثلاثة شملت: (الكاتب)، و( الكتاب)، و(القارئ) بآن معاً.
أزمة الكاتب الروسي
تماشيا مع تغير المناخات السياسية في ظل انهيار الاتحاد السوفيتي، انقسم اتحاد الكتاب الروس إلى عدة فرقاء، الأول ينتمي إلى العهد السوفيتي، من أدباء تمسكوا بالقضايا الأزلية والقيم التي نادت بها الثورة البلشفية والدفاع عنها، وفريق آخر من كتاب ولدوا في ظل أواخر العهد السوفيتي، شكل نتاجهم الأدبي ردة الفعل الرافضة للأحداث الجارية على الساحة السوفيتية بشكل عام، مشكلين الخصم الأكثر عداءاً للفريق الأول، مطالبين باستبعاد الكتاب الأوائل عن الساحة الأدبية كما ظهرت مجموعة من الأدباء الذين يُمثلون وجهات نظر معتدلة، استوعبت وجدانياً أدب المرحلة السوفيتية السابقة، بتحفظ نحو ما تخللها من تبعية سياسية، ارتأى بعض منهم أنها قد قيدت حرية ماتبقى من الأدباء.
في خضم تلك التجاذبات الأدبية، تقلص عدد الكتاب، بعد أن غدا لكل فريق منهم إلهاً مختلفا، وضاعت الرغبة لدى كثر منهم بالكتابة، وغابت عن الساحة الأدبية الروسية مواضيع ذات قيمة تستحق الكتابة عنها، ونأت عنهم الأفكار وتلاشت، مع ما راودهم من سؤال مشروع :

إلى أين تسير روسيا بعد ذاك الانهيار؟
بعد أن شكّلت لعقود طويلة أحد أهم قطبي العالم على جميع الأصعدة، وأحد أهم صناع الفكر الإنساني، عبر ما قدمه عمالقة تلك الحقبة السوفيتية من أعمال أدبية، أمثال: ( تولستوي) و ( شولوخوف) و( يسلن) و( بولجاكوف) وغيرهم كثيرون، وما بين ماض مرفوض، وحاضر مضطرب، تغير أسلوب كتاب روسيا الجدد، وغدت لغتهم قلقة، متوترة، غير انسيابية، وكل شيئ غدا في غير محله.
يرى بعض من المفكرين والنقاد الروس، إن كثير من كتّاب روسيا اليوم لاعلاقة لهم بالأدب الروسي، وأن شخصياتهم الإبداعية، وانطلاقاتهم الأنانية بعيدة تماماً عن التربة الوطنية الروسية، ولا تتلاءم معها في الوقت ذاته، لذا كان من الطبيعي أن ينصّبوا أنفسهم ورثة للأدب الروسي، وذلك بمهاجمته وإعلان موته، وهذا يشمل جميع المواهب الإبداعية الأخرى، فهل حقا أن الأدب الروسي مات مثل التيار الروحي والأخلاقي، الذي يضرب جذوراً عميقة في عمق مصير الإنسان الروسي؟

الكتاب الروسي من القمة إلى الانهيار
لو قارنا الأدب الروسي منذ القرن التاسع عشر، حتى أواخر القرن العشرين بالحاضر الراهن، فإنه لايوجد أدب في العالم يقارن بأدبيات تلك الحقبة، لكن ما تعيشه روسيا من عاصفة في مختلف القضايا، فجرت أدباً خاصاً، اتخذ منهجا معادياً للحقبة السوفيتية السابقة، بعد تحول روسيا من دولة كبرى إلى دولة خارج العشرة الكبار، فغادر الأدب الروسي موضوعات مثل، الوطن والأمومة، والبناء الاشتراكي، البطولة والتضحية، ومصير الإنسان والشعب، والحزب، وتم التركيز على المصير الفردي والتفاصيل، وتفاصيل التفاصيل، وتلونت اللغة بطيف من السخرية، والمرارة، والتهكم، والعدمية، والهموم الوجودية.
كما تغيرت كمية الكتب المنشورة في البلاد، أما التغيير الأكبر، فيتعلق بمواضيع وأنواع الإصدارات في بداية التسعينات، مع تراجع إصدار الكتب بشتى أنواعها، وتجميد نشر الكتب العلمية والثقافية والصناعية المتخصصة، والمؤلفات التعليمية التي تتطلب قدرة فكرية عالية من جهة، وإلى كفاءة الإصدار والإخراج من جهة أخرى، إذ اختص بتلك الفئة من الإصدارات فئة قليلة من الناس، كما ظهرت دور نشر جديدة تفتقر إلى الخبرة والكفاءة، لذا تم إعادة نشر الكتب الصادرة قبل عام 1917، ومنعت الرقابة نشر الكتب الأجنبية، ودخولها إلى الأسواق المحلية، وجعلت الأولوية في النشر للكّتاب الروس المحليين، هذا ما أدّى إلى عزل القارئ الروسي عن العملية الأدبية العالمية، مما شكل طلباً كبيراً على الكتّاب الأجانب.

في ظل سياسة الانفتاح ( الجلاسنوت)، التي تبناها جورباتشوف، خفّفت الرقابة، وتم السماح لدور نشر خاصة اختيار إصداراتها، مما أدى إلى زيادة نشر الكتب الأجنبية في أواخر الثمانينات، لتتغلب على المحلية بنسبة 77%، وهو وضع ملفت للنظر لدولة ذات ثقافة وأدب عريق ومتنوع كروسيا، ومن ثم انخفضت تلك النسبة مع أوائل التسعينات إلى 65.6%، مع بقاء نسبة الكتب الأجنبية عالية في الأسواق الروسية.
افتقر أدب روسيا الجديد إلى مؤسسات تحتضنه وتقوم برعايته، من ترجمة ونشر ودعاية وتسويق، بينما كان الاتحاد السوفيتي سابقاً، يقدم الدعم بكافة أنواعه للأدب الخاص به بشكل مكثف جداً.
بعد منتصف التسعينات 1995م، طرأ تطور جديد مع ازدياد إصدار المؤلفات الاقتصادية، والاجتماعية، واللغوية، والعلمية، وحققت المؤلفات المتخصصة ارتفاعاً ملحوظاً عبر دور النشر الخاصة، مع ارتفاع كفاءة دور النشر الجديدة في إصدارها للكتب العلمية والتعليمية، مما أدّى إلى ارتفاع نوعية الكتب المنشورة.

القارئ الروسي بين الماضي والحاضر
بما أن الأدب عملية تجري ضمن علاقة تبادلية بين الكاتب والقارئ، لايمكننا إنكار تراجع مستوى القارئ الروسي في ظل الأزمات المتلاحقة القاسية التي مرت بها البلاد، بعد أن انصرف ملايين القرّاء الروس الذين تميزوا بامتلاك ذوقاً سليماً، وقواعد صحيحة عن القراءة، عبر ما خلّفه أدب المرحلة السوفيتية من صقل لذائقتهم الأدبية، وإن إهمال الكتّاب وفقدان الرغبة في التعامل معه، يفضح تغّير منظومة القيم والأذواق، وشذوذ هذه الظاهرة الأدبية الطارئة على الوسط الروسي وأدبه الرائع، مع إغراق الأسواق بالكتب الرديئة، التي تناولت الكذب على روسيا، وأخرى لعبدة الشياطين، والمومسات، وغيرها من أنواع الشذوذ، هذا ما أدّى بدوره إلى حجب ثقة القارئ عن هذا الأدب، وخوفه من تناول كتب من المرحلة الجديدة، بالإضافة إلى أسباب أخرى نتجت مما يعانيه القارئ الروسي من فقر، وصراع دائم للحصول على لقمة العيش من جهة، وتحوّل البعض الآخر عن القراءة الجادة نحو الاستمتاع، مع انتشار وسائل ساعدت على القراءة كالانترنت من جهة أخرى.

مع جميع تلك التحولات الجذرية في المسار الروسي، ومع تغير الرؤى، والاهتمامات، والموضوعات، خبت المياه في بحر الأدب، وتحول في وقتنا الحاضر إلى مجرد قناة رفيعة وخاصة، تختصر بكاتب أو اثنين، رغم ما تقدمه الدولة الروسية من جهود على كافة الميادين، يرى بعض المفكرين والنقّاد، أنه من المبكر على المتخصصين في شؤون الأدب الروسي، إطلاق الأحكام القاطعة في مسيرة هذا الأدب منذ انهيار النظام الشيوعي.

وهنا لابد من أن يراودنا السؤال التالي: هل سيغدو بإمكان الأدب الروسي استعادة مجده الأول، وتجاوز جميع تلك المعوقات؟
لايمكننا الآن التكهن بما سيكون عليه أدب روسيا غداً، لكن ما يُعول عليه الكثير من عشاق الأدب الروسي القديم، الذي تجسّد في وعي الكثير من شعوب العالم، أن ذاك الأدب سيبقى الملاك الحارس لأدب روسيا اليوم.
بقلم: بيلسان الأسود / كاتبة سورية
*ما ورد في المقال يُعبر عن رأي الكاتبة ولا يعبر عن رأي المدونة.

مقال مهم للكاتبة بيلسان الأسود، قراءة مهمة لمرحلة جد مهمة في تاريخ الإنسانية، مرحلة انهيار الاتحاد السوفييتي، وأظن أن من تناول هذه المرحلة في البلاد العربية كانوا قلة، شكرا للكاتبة جهدها
شكراَ لمتابعتك واهتمامك، لاشك أن طرح مثل هذه الموضوعات مفيد لقراءة تجارب الآخرين والتعلم منها، وإلقاء الضوء على أثر السياسة في الإبداع وتطوره وأثرها على المناخ العام الخاص به.