نُهى عزي، كاتبة سورية مقيمة في رومانيا، حائزة على إجازة في علم الاجتماع، وتواصل دراستها بعلم النفس في جامعة بوخارست.

لطالما بدأت نوازِعُ الأدب باختلافِ توجُّهاتهِ من محاوَلاتٍ منعكسةٍ عن الحالةِ الوِجدانيِّةِ للكاتبِ، تمثّلُ مدى وعيهِ الوجداني كَحالةٍ فردانيّةٍ ، أو محاكاةٍ لحالةٍ خارجيةٍ محيّطيّةٍ ، يسبِرُها الكاتب برؤيتهِ الخاصّةِ لما يدورُ حَوله، فتمثّلُ بعداً ثالثاً مرتدّاً، و متفاعِلاً عَن و مَع السّمات العامّة، الّتي تُشكّل السّواد الأعظم في مرحلةٍ ما مِن مَراحِل الحِقبات المُنتميةِ لزمانٍ و مكانٍ معيَّنَين .

العَصف الوِجداني يَترافق بالضّرورة مع الأحداث المفصليّةِ في حياةِ الكاتب، و تطوّرها، و وعيهِ بها، و كذلك الأمر مع الأحداث المحيطيّةِ المأزومةِ، كما في الحروبِ، أو التّغيّراتِ الاقتصاديُةِ و السّياسيّةِ المتسارعةِ، و لا يمكن أن يكونَ الكاتبُ الحقيقيّ ليسَ بصاحبِ رأيٍ، و نظرةٍ فلسفيّةٍ ، لدرجةِ أنّ بمقدورهِ دخولَ أبوابِ الصّحافةِ الحرّةِ، و الميدانيّةِ، سواءَ من بوّابتهِ الخاصّةِ، أو بطرائقهِ غير التقليديّةِ في الاتصالِ مع المحيط، كمراقبٍ ثاقبِ الرؤيةِ، و مستقرئٍ ممتاز للنّتائج.

اليوم، و مع هذا التّسارعِ الرّهيب للتطوّرات المحيطة، و خاصّة ثورةِ التِكنولوجيا، و المِنصّات الحُرةِ، المترافقةِ مع الأوضاعِ العالميّةِ المأزومةِ سياسيّاً و اقتصاديّاً، بالإضافةِ إلى طوفانِ تغيير المفاهيمِ المُسلّمِ بها، بجانبيها السّلبيّ و الإيجابي ، تطفو الكثير من الحالاتِ الوجدانيّةِ لتقول: سنخرُجُ من عُنِقِ الزّجاجةِ، و هنا تمثّل تلكَ الحالات ” الوجدانية” سمة عامّة، و ليسَت حِكراً على الكُتاب، لكن ما يحدثُ، أنّ هذهِ الحالة، و مع سُهولةِ تصديرها عبرَ المَواقعِ المفتوحةِ، من إعلامٍ متعدّد المصادر ( فيس بوك ، يوتيوب ، انستغرام ، تويتر . .الخ )، هذه الحالة أوجَدت نوع آخر من الأدب غير الناضج، سواء أكانَ شِعراً أم رواية، أسميها : “أدب الخروج من عُنقِ الزّجاجة”.

تلكَ الزّجاجة الموبوءَةِ بالعُرفِ، والتّقاليد، والسّلطة الديكتاتوريّة بشقيها السّياسي والاجتماعي، و هنا: فإن الكيانات البشريّةِ المُحتجزةِ داخلَ الزّجاجةِ، تحوّلت عبرَ عقودِ من الضغطِ والتّحجيم، و كلّ ما هو مزروعٌ، و متأصلٌ في لاوعيها، تحوّلت إلى كُتلِ صلبةٍ يصعب إخراجها من عنقِ الزّجاجةِ أصلاً، دونَ أن تتعرضَ للحتّ و التكسير، لدرجةِ أنّ الحالة الوجدانيّة الواعية، وليس المثقفة ، تكاد تضيعُ وسطَ الجموعِ المتزاحمةِ، لتأكيدِ هويّتها الأدبيةِ كمطلبٍ يحدّدُ لها هُوّيةٍ جديدة، تسمُى زوراً بأنها فنّ أو أدب، بينما هي تشكّل حالة فرويديةٍ بحتةٍ من الخيالاتِ المكبوتةِ، تجاهرُ بظهورها بطرائق مواربةٍ، متسلّقةٍ على الأدب توأم الوجدان الواعي لا المنقوص، بل و يتم استهلاك هذا النوع من الأدب الفرويديُ كمفاجأةٍ سارّةٍ، تزيدُ أرباحِ المستفيدين من هذهِ الحالةِ المتأججةِ فتعطى الألقاب ” على قفا مين يشيل “، هل هذا يعني أن اللاوعي المكبوت لم يكن أيضاً في الحِقب الماضية ؟!؟

طبعاً كانَ موجوداً، لكن كما ذكرتُ سابقاً، الأديب الحقيقي كان و لم يزل، يحمل سمات خاصة، و يمثل النُدرة النادرة من نسيجٍ اجتماعيّ متلاطمٍ، وليسَ إبرةً ضائعةً بين كومةِ قشّ الصّبيةِ الفرويديّن.

أقرأ الكثير من القصائد للشّاعراتِ و الشّعراء، و الرّواياتِ يقبلون على أنفسهم لقبَ أديبٍ أو شاعر، كلّها لا تتجاوز مرحلةَ الخيالات، و كأنّكَ في عرضٍ لفيلمٍ إباحيّ مسطّحِ المشاعر، يتناولونَ الجنس من بابِ المقدّسِ المحرّمِ، باسم الجرأةِ و الحريُات والإلحادِ الزّائف، مثلهم مثل شيوخِ الدّينِ تماماً، فقط منبرهم منصّات التواصل، والمراكز الثقافية الرخيصة، لا منابرَ الدّين، و لإنقاذي من حالةِ اليأسِ هذه سأقولُ لمن استطاعَ فهمَ رسالتي مما كُتب أعلاه:

و بينَ يديكَ لي عينان….. فعانقني حتّى أرى كلّما عَصفَ اللّقاء….

*نهى عزي.

*الأعمال الفنية، للفنان العراقي ضياء العزاوي.

Leave A Comment