الساعةُ الآن هي الثانية عشرة ظهراً. دخلنا جميعاً، نحن طلاب الصف الثالث الثانوي، شعبة ب، إلى صفنا دون أن يُطلَبَ منّا ذلك بطريقة آمرة مُلزِمة، كما تجري عليه العادة كل يوم.

إنها الحصة الأخيرة، وما أدراك ما الحصة الأخيرة حين يكون الطقسُ حاراً، وكلُّ شيء من حولنا يبعث على الضجر الذي لا يخفف منه حتى النكات والمشاجرات الحادة بيننا، والتي تنتهي أحياناً بالعراك بشتائم اللسان والأرجل والأيدي، وغالباً بالضحك والمزاح.  

حتى اليوم، حين أتذكر ما جرى بالضبط، لست أدري.. هل أعتبر ما حدث ذلك اليوم مضحكاً أم مؤسياً. يصعب تحديد ذلك صعوبة بالغة. على الأقل، ماتزال مشاعر القلق الممزوج بالتوجس والسأم والـ.. المهم.. ذلك اليوم كان الشعور بالسأم يكاد يلتهمُنا. رغبات صغيرة لا يستطاع تحديدها بالنسبة لعصبة مراهقين، كانت تفعل فعلها في قحف الرأس، فتزيد حرارة الدماغ، وتهيج القلب.

وحتى اليوم أيضاً، رغم مرور تلك السنوات الطويلة التي انقضت على الحادث، لست فاهماً ما الذي جرى بالضبط، على وجه من وجوه اليقين. بل لست متأكداً إن كان مُدرِّسُنا الجديد، والذي لا أعرف اسمه حتى اليوم، كان مدرساً حقيقياً أم طيفَ شبحٍ مرَّ الهُوينى، في غفلة من غفلات الأسماع والأبصار.. وهو أمرٌ يحدث أحياناً، كما تعلمون. بل الأحرى إن جميع طلاب الصف لم يتعرفوا عليه، ولا عرفوا له اسماً، كما جرت العادة التقليدية المتبعة بين الطلاب والمدرسين الجدد.. أكثر من ذلك، فقد اقتحم الصف، ونحن لا نعلم اختصاصه الدرسي، ولا أية مادة سوف يُدَرِّس لنا.!    

جلسنا ننظر إليه، غير شغوفين ولا متشوقين حتى للتعارف التقليدي، الذي يبدأ عادة: أنا المدرس فلان الفلاني.. أستاذ مادة كذا.. سأكون معلمكم ومعينكم في تعلم كذا.. ولسوف نتعاون معاً هذا العام على..

وبعد سلسلة من تلك الكليشيهات المحفوظة بصماً، نبدأ بالتوالي بتقديم أسمائنا وتعريف أشخاصنا للمعلم. ذلك اليوم، كان كل شيء مختلفاً رأساً على عقب، فلم يحدث شيء مما يُتوقع حدوثه عادة. إذ فجأة بادرنا المدرس الجديد قائلاً بلهجة محايدة، لا تشوبها أية نبرة يمكن وصفها أو تقييمها تقييماً مسبقاً:

ــ اليوم سوف تتدربون على تجربة جديدة. تجربة لم يسبق لكم، كما أظن، أن خضعتم لها بمقاييس الامتحانات التي تعودتم عليها.. هو امتحان تجريبي بسيط إن شئتم ذلك..

قال بعض الطلاب:

ــ امتحان؟ امتحان ماذا..؟

وأضاف آخر:

ــ لم نكد نُحَصِّل من المنهاج إلا أكثر من شهر واحد بقليل.. فماذا سوف يسألنا، وبماذا سيمتحننا..؟

حتى رزمة الورق الأبيض المسطر الذي نعرفه جيداً، ذلك الذي يدعونه أوراق الامتحان، حين يكون مطوياً ومختفياً ثلاثة أرباعه داخل حقيبة المدَرِّس السوداء، كنا نعرفه معرفة وثيقة لا تخطئها العين، ولا تبدلت نحوها مشاعرنا يوماً ما. وبعد أن تم توزيع الورق على جميع الطلاب، قال المدرس الجديد:

ــ ليكتب كل واحد منكم اسمه في زاوية الصفحة.. وليشرع في الكتابة.. بدأ وقت الامتحان..

ثم أضاف:

ــ كتابة الاسم على ورقة الإمتحان ليس شرطاً مُجبِراً لكم، فأنا سوف أعرف كل طالب منكم حتى وإن أغفل كتابة اسمه..

كأن شيئاً من عدم التصديق، وانعدام كل مشاعر الجدية بما يجري، قد غمرت القلوب كافة. ولكن كنا نحتاج إلى دقيقين أو ربما ثلاثة، حتى يظهر من بيننا من يقول بلهجة متكدرة، تترجح بين ثورة خفية وضراعة غير مؤكدة، هاتفاً:

ــ بدأ الوقت..؟

ــ بدأ..

ــ ولكن أين الامتحان.. نحن لا نرى أسئلة مكتوبة على السبورة أمامنا..

ــ ننتظر الأسئلة..

ابتسم المدرس الجديد ابتسامة حانية مشفقة. تُذكّر كثيراً بابتسامة الأمهات الريفيات، حين يشجعن أبناءهن، وهم يتأهبون للسفر لقضاء خدمة الجيش الإجبارية. ابتسامة تستبطن التشجيع بقدر ما تضمر من الدموع والرثاء، وبأكثر من القول: “أنت رجل. والرجل لا يخاف ولا يحفل بالمصير أو يفكر فيه”.

قال مدرسنا الجديد بصوت وادع، حرص أن نسمعه جميعاً:

ــ هذا هو الامتحان. بل هذه هي تجربة الاختبارات الحديثة.. حيث لا أسئلة..

ــ أعلينا أن نُحَبِّر صفحة ورقة الامتحانات بإجابات، دون أن نعرف حتى ما هي الأسئلة المطلوبة؟

قال المُدرّس:

ــ بالضبط.. الصعوبة كلها في أن التجربة جديدة عليكم.. في الدول المتقدمة والحديثة.. هكذا يُختبر الطلبة..

ــ الدول المتقدمة والحديثة؟ يالمصيبتنا إذن..!

ــ والآن.. ماذا علينا أن نفعل بالضبط؟

ــ أنعتبر الأمر لغزاً أو حزورة من الحزازير؟

ــ وبماذا نجيب.. أو نكتب..؟

هتف المدرس الجديد:

ــ تلك هي المسألة.. وذلك هو الامتحان.

همس بعض الظرفاء بصوت خفيض:

ــ شخصياً هذه أفضل طريقة، وإنني أُفَضِّلُ هكذا امتحانات.. فلطالما لم يكن هنالك من أسئلة، فكل الإجابات سوف تكون صحيحة. وكل العلامات سوف تكون عشرة على عشرة.

أجابه طالب يقعد خلفه، وهو من رفقاء صحبته وشلته الطلابية:

ــ ما أدراك بذلك؟ ولماذا لا تكون كل نتائج العلامات صفراً.. طالما أننا سوف نكتب كل ما سيخطر لنا.. أي كالطاحونة التي تجرش بحصاً ناعماً..؟

كرر المدرس تذكيرنا مرة أخرى بلهجة مشفقة وحريصة:

ــ الوقت يمر.. لا تضيعوا دقيقة واحدة دون أن تستفيدوا منها في الأجوبة.. هذا لصالحكم..

ــ نستفيد ماذا؟ نحن لا نعلم بمَ نُمتَحَن؟ ولا ما الذي سنجيب عنه؟

ــ سبق أن شرحنا هذه النقطة.. اكتبوا الأجوبة المناسبة.. وهذه فرصة لصالحكم.!

صمتنا جميعاً. ورفعنا رؤوسنا المُنْكَبَّة على الأوراق، ونحن متلهفون لأي عبارة قد تفيد في صرف الحرج والارتباك. فجعل يقول:

ــ النقل من بعض مسموحٌ به..

صاح طالب من بيننا بدهشة فرحانة:

ــ و”الراشيتات” مسموحٌ بها أيضاً..؟

أجاب المدرس بمخارج حروف صارمة النبرة:

ــ أجل.. بل وأكثر من ذلك؛ يحق لكم أن تضعوا الكتب والكراريس أمامكم فوق المقاعد.. وأن تستعينوا وتستعيروا ما تشاؤون.. لا محظورات في مثل هذا النوع من الاختبارات..

فأردف أحدنا مازحاً:

ــ السؤال الثاني اختياري أم إجباري؟

فأجابه أحدهم:

ــ أرى أن الثاني أصبح كالتاسع والعاشر.. كل واحد منهم كالـ…

وأجرى إشارة بذيئة بيده، فضحك بعضُنا. حينئذٍ همس طالب كان يقعد في المؤخرة:

ــ ألم تساوركم ريبة في أن يكون هذا الأستاذ شخصاً مجنوناً؟

ولعل همسه وصل إلى المدرس الذي لزم الصمت، وراح يراقبنا باهتمام.  

فقال طالب آخر:

ــ يا شباب؛ ما أدراكم أن هذا مدرسٌ أصلاً؟ ألا يُحتملُ أن يكون شخصاً مريباً اقتحم صفنا ونحن لا نعرف من يكون في الأساس؟

ــ صحيح.. إننا نراه لأول مرة.

كرر المدرس عبارته الخشبية الثابتة الإيقاع:

ــ الوقت يمر.. لا تهدروه جزافاً..

تابع أحدنا مسائلاً المدرس:

ــ هل تضاف علامات هذا الامتحان إلى علامات الامتحانات الأساسية؟ فيكون له أثر على نجاحنا ورسوبنا في الفصل؟

ــ لا تأثير لنتائج هذا الامتحان على نجاحكم ورسوبكم.. هو اختبار بسيط، وغير تقليدي، حتى يتسنى لي الاطلاع على المستوى التعليمي لصفكم.. المسألة لا تتعدى ذلك..

ثم أضاف:

ــ يتوقف الأمر على مقدار ذكائكم وإيمانكم بطبيعة الامتحان.

فنهض الطالب المتسائل أخيراً، وهو يقول:

ــ إذن سأسلم ورقتي بيضاء، وأخرج من قاعة الدرس..

أجاب المدرس:

ــ من حقك تسليم ورقتك بيضاء دون إجابة.. أما الخروج من القاعة فلا.. سوف تظل تنتظر حتى ينتهي جميع زملائك من الإجابات، وبعدها تخرجون جميعاً.

اختلط اللغط بهمس أحدنا:

ــ يا إلهي..

ــ ماذا..؟

ــ لا شيء.. ساورني شعور عابر بالقلق للحظة وانتهى..

ــ شعور بأي شيء؟

ــ بأننا ربما نكون.. لست متأكداً.. ربما نكون رهائن أو مخطوفين من قبل هذا المدرس، وأننا محتجزون في الصف لا أكثر..

ــ يا لك من أبله.!

مضى أكثر من ربع ساعة من الوقت. وما زلت أحدق في الصفحة البيضاء الفارغة. لا فكرة لدي كيف أجيب عن أسئلة لا أعرفها. ورأيتُ أن أكتب كلَّ ما عَنَّ ببالي من خواطر طارئة، فذلك خيرٌ من أن أمضي في البحلقة في صفحتي دون أن أخطَّ حرفاً.

سمعتُ طالباً ينهض واقفاً، وهو يستميح المدرس عذراً:

ــ سوف أسأل زميلي الجالس في الزاوية سؤالاً.. “معليش”؟

ــ سلهُ ما بدا لك.. فهذا مسموح في الامتحان.

فنهض طالب آخر، يقول مستأذناً:

ــ وأنا سوف أذهب إلى قاعة الحمامات لقضاء حاجة لدقيقتين لا أكثر.. مسموح؟

ــ مسموح.

فتمطى أحدنا، وهو يردد بحبور وشغف خاص:

ــ ما أجمل المدرسين الذين يسمحون بكل شيء في الصف، أثناء الدرس.

ــ هي حرية صحيح.. لكنها تضمر مكراً لنا جميعاً، وخديعة لا يُعلم ماهي..

فعاد المدرس يكرر على أسماعنا:

ــ الوقت يمر.. لا تنسوا ذلك..

فاستأنف طالبٌ كان يقعد بجانب المتحدث أخيراً:

ــ لو علمتُ بأن كل شيء مسموح به، إذن لاشتريتُ صندويشة بيض وبطاطا من بسطة عم حمزة، قبل دخولنا الصف.

بدأتُ في الكتابة أخيراً، وانا كالغائب عن وعيه. كتبت في ورقة الامتحان الفارغة أمامي: هنالك مليارات الأسماك التي تملأ البحار. نحن متأكدون من وجودها تحت سطح هذا الأزرق الذي لا يكشف من أسراره إلا غطاءه الأزرق المنسدل، وإلا أمواجه الرهوة المتماوجة حتى أطرافه. تلك التي تلامس اليابسة.. علمتني التجربة أن السمك موجود، رغم أننا لا نراه ولا نشعر به.. أو تسمعُ له رِكْزاً..

بينما همس الطالب الذي يجلس خلفي لرفيقه، فيما يشبه الضراعة المتمنية:

ـ ما قولك لو.. نمارس العادة السرية مبادلة فيما بيننا..؟ بدلاً من هذا الامتحان.. أما كان ذلك أجدى وأكثر متعة؟

ـ نعم، أؤيدك بأن ذلك أهدى صواباً وأجدى.. لولا أن القلق من هذا الامتحان يلجمني عن فعل ذلك.. كما أخشى أن يرانا المعلم ونحن….

ـ نقول له عندئذٍ إن العادة السرية جزء من الامتحان وليست شيئاً من خارجه.. لا أظن بأن لديه مانع..

ــ يبدو أنه من النوع الذي ليس لديه أي موانع من أي شيء. وهذا ما يخيفني..

تابعت التدوين على الورقة التي أمامي: وبالتجربة أيضاً، تعلمت بأنه لو خلَّفتْ كل سمكة في أعماق تلك البحار، من بقاياها وفضلات طعامها ما يعدل مقداراً أصغرَ من حبة حُمُّص طيلة حياتها، لكان يجب الآن، وبعد أن أصبح عمر الأرض أزيد من أربعة مليارات سنة ونصف، أن تكون تلك البحار والمحيطات كومة روث وغائط أسماك.. لا مياه زرقاء دافئة، عذبة اللون والروائح. كما هو حالها..

رجع الطالب الذي طلب إذناً لكي يذهب إلى الخلاء، وأسرَّ لنا فور وصوله:

ــ المدرسة فارغة نهائياً. الطلاب جميعهم انصرفوا. المدير والمدرسون غادروا في فرصة الظهر، ولم يبق أحد سوانا..

ــ وعم حمزة بائع الصندويش.. هل انصرف هو الآخر؟

عاد الطالب الذي تحدث قبل قليل، يؤكد:

ــ بدأت مخاوفي تزداد بأننا رهائن.. وهذا المعلم المزعوم ليس أكثر من خاطف.

ــ نحن مختطفون أو أسرى في صفنا إذن؟ تعتقدون ذلك؟

ــ لا تخشَ شيئاً.. في جرابي أخفي سكين قندرجية أبو السبع طقات.. تستطيع أن تفتح له طاقة من جانب الخاصرة لو حاول أن يؤذينا.

ــ ماذا نفعل لو غادر فجأة، وأغلق باب الصف خلفه بالمفتاح؟

هبَّ أحد الطلاب فجأة وبادر يقول:

ــ يا أستاذنا المحترم الموقر.. طالما أنه لم يكن هنالك من أسئلة، فهذا يعني أنه لا أجوبة.. وبالتالي، فالاستنتاج المنطقي أنه لا يوجد امتحان من أساسه.

أجاب المدرس بتوقير وإعجاب:

ــ يعجبني جداً هذا الاستنتاج.. أكتب ذلك في ورقتك.. لك ملء الحرية أن تكتب ما تشاء.. فهي فكرة ذكية على أية حال.

لكن الطالب رجع يحدق في الورقة، كالميكانيكي الذي بدأ يتفحص آلة معقدة يراها لأول مرة، وهو غير واثق مما قال. فلم يكتب حرفاً في ورقته.

وتساءل طالب آخر:

ــ هل يتوجب على إجاباتنا أن تكون في التاريخ أم الجغرافيا أم الرياضيات أم اللغة أم.. ؟

فلم يزد المدرس الجديد على أن قال متذمراً:

ــ أسئلة سخيفة، والوقت يمرُّ لغير صالحكم.. أكتبْ إجابات عن كل ما ذكرت، وعن كل ما تعرف.. وما لا تعرف..

استأنفت أكتب في الورقة التي أمامي: {لا ندري.. أشرٌ أريدَ بمن في الأرض؟ أم أراد بهم ربُّهم رَشَدَاً؟}. وسمعتُ طالباً آخر:

ــ بدايةً، فرحنا بأن كل شيء مسموح به.. الراشيتات والكتب والنقل من بعضنا.. لكن الأمر بدأ يتحول إلى كابوس.

ــ حقا هو أشبه بكابوس.. هذا محنة وليس امتحاناً.

فنهض أحد الطلاب مصفرَّ الوجه، يطفح الغضب من مسامات وجهه:

ــ أستاذ أنا لا أريد أن أُمْتَحَن.. وأريد الانصراف إلى بيتنا فوراً.

ــ من حقك أن لا تُمْتَحَن. أما الانصراف فسيكون متاحاً للجميع فور أن ينتهي كلُّ زملائك من الانتهاء من الكتابة، وتقديم الأوراق.

ــ ألم أقل لكم منذ البداية إنه يحتجزنا؟ وإننا صرنا مجرد رهائن؟

ــ ربما كان لهذا المدرس المزعوم شركاء خارج الصف، وهم يطالبون أهلنا بفدية الآن..

ــ كل شيء جائز..

عاد المدرس يصيح محذراً:

ــ الوقت يمر.. الدقائق والثواني تمر.. لا تضيّعوا الوقتَ جزافاً..

مضى الوقت سريعاً، كالطلقة التي تخترق حاجز الشعور بالأمن. وتَسَيَّد قلقٌ متحفز على كلِّ ما تبقى في الذاكرة. ولم أدرِ كيف أعلن بعض الطلاب قائلاً:

ــ انتهينا جميعاً من الكتابة..

فسأل المدرس:

ــ هل بقي ثمة من لا يزال ينهي ورقة الامتحان؟

ــ لا أحد.. لا أحد.. انتهينا كلنا..

ــ أثمة من يحتاج لأن يضيف شيئاً إلى ورقة الإجابة؟

ــ هل نسلم الأوراق ونمضي؟

فأنشأ معلمنا الجديد يقول بنبرة خطابية واثقة، مبتسماً ابتسامة صفراوية:

ــ بقي الجزء الأخير من الإمتحان.. ولن يكلفكم وقتاً طويلاً..

ران صمت خاشع على صالة الصف. فلم يتجرأ أحد على التعقيب بأية ملاحظة. حتى أردف المدرس مستأنفاً القول:

ــ والآن.. ليسلم كل طالب منكم ورقة إجابته لزميله الذي يجلس بجانبه، لكي يصححها ويضع له العلامة المناسبة كما يراها ويقدرها بنفسه.

ــ نسلم أوراقنا لبعض؟

ــ بالضبط.

ــ ونصحح أوراق الامتحان لبعضنا؟

ــ تماماً.. يجب أن ينتهي الجميع خلال دقائق معدودة.

صاح أحدنا:

ــ أنا أرغب أن أصحح ورقة زميلي قدور، وإن لم يكن جالساً بجانبي.. أشتهي أن أمكر به وأكيد له وأضع له صفراً..

ــ إفعلْ ذلك.. فهذا مسموح به.

وكرر أحد الطلاب بهمس مسموع:

ــ ألم أقل لكم منذ البداية إن هذا المدرس مجنون؟

ترك أحد الزملاء الطلبة مكانه، ودنا من المدرس على مضض واستحياء، وقال بنبرة منكسرة سمعها الجميع:

ــ أستاذ.. أنا ابن سيادة العقيد قائد شرطة المدينة.. وإنني أطلب منك أن تسمح لي بالمغادرة فوراً إلى البيت.

فصاح المدرس وقد انقلبت عيناه إلى جحوظ سافر، وتبدى كوحش مستنفر غاضب:

ــ إرجع مكانك.. لن يخرج أحدٌ قبل أن تفرغوا جميعاً من الامتحان.

ــ لكننا فرغنا من الأجوبة.. فماذا بعد؟

ــ لم يبدأ الامتحان بعد.. عليكم أن تحددوا من خلال الأجوبة التي دونتموها في أوراق الامتحان: ماهي الأسئلة التي أجبتم عنها.!

فقال أحدنا بلهجة اللائم لرفيقه:

ــ أين السكين أبو السبع طقات، الذي طمأنتنا بأنك تخفيه في جرابك قبل قليل؟

فقطع المدرس الجديد هواجسنا جميعاً، وقد جحظت عيناه غضباً، حين قال:

ــ لن تنفعكم لا سكاكين ولا حتى مسدسات.. لن ينفعكم شيء إلا أن تجتازوا الامتحان بسلام.

ــ يا أخي ضع لنا صفراً ولننته من كل هذا الـ…

ــ نعم.. نعم.. نريد أن ينتهي ذلك بسرعة..

صاح المدرس، وقد شحب وجهه كالمجنون أو السفاح القاتل:

ــ سوف تنتهون وتذهبون إلى بيوتكم بسرعة.. ولكن ليس قبل أن تدوِّنوا الأسئلة عن أجوبتكم التي اخترتموها بملء إرادتكم.

ولست متأكداً كم مضى من الوقت الذي تلا ذلك. ففي لحظة غائمة غاب عنها وعْيُنا بالأشياء وهي تحدث من حولنا، سمعنا صوت أحد الطلاب وهو يضحك مقهقهاً:

ــ يا مهابيل.. المدرس جمع كل أوراق الامتحان ومضى بها..

ــ تقصد هرب بها؟

ــ ولماذا تقول هرب؟ هو معلمنا مثل بقية المعلمين..

ــ نعم.. هو لم يخطئ معنا، ولم يرتكب جرماً.

ــ هو أحد مدرسينا، وما نحن سوى طلبة عنده خضعوا للامتحان.

ــ يارب.. نَجِّنا من الشرير، ولا تدخلنا في التجربة.. آمين..

ــ أيُّ معلم هذا؟ يدخل فجأة. يخضعنا للامتحان فجأة. ثم يولي هارباً دون أن نتعرف حتى على اسمه وشخصه؟

ــ لو كنت أعلم بهكذا نهاية لكان لي شأن آخر.. ولكتبتُ غير ما كتبت من أجوبة.

تدفقنا خارجين من الصف بتدافع وفوضى. كان الامتحان قد ترك آثاراً على العيون والمنظر المشاهَد في فضاء باحة المدرسة. بل وحتى على مشهد السماء الخريفية الصفراء. حتى بدا لنا للحظات أن منظر العالم قبل ذلك الامتحان، لا يكاد يشبه منظره بعده. 

                                       

*معبد الحسون،كليرمون فِرّان (Clermont-Ferrand) في 4 / 2 / 2021

كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

*لوحة الغلاف للفنان “فادي فرنسيس”.

Leave A Comment