*قصة قصيرة
…………………
لا أنسى ..
ولن أنسى ذلك النهار حين مرتا بقربي ..
كانت تعترض مخيلتي أفكار شاذة حول تلك الغريبة التي تلوح لي على الشرفة المقابلة،
وكنت أعتزم القيام بفعل جريء أمام أعين المارة حين لمحتهما، امرأتان ترتديان ثياب الغجر ثياب بألوان مستوحاة من بيئة صاخبة، تشبه إلى حد كبير أكثر الموضات “صرعة” في أسواق الأزياء العالمية.
نسيت فور لمحهما، تلك الفتاة التي طالما لوحت لي بمنديلها من الشرفة المقابلة .
تلك هي الحال دائماً، أتبادل معها الإشارات، ولم يحدث أن تحقق ما أتمنى، أقصد لو أستطيع أن أتبادل معها أشياء أخرى أكثر جدية.
أومأت للمرأتين لتقتربا، فقالت إحداهما فرحة:
بصَّارة ؟
أشرت برأسي موافقاً، لكنني – ضمنياً – لم أوافق، فأنا لست من الذين يؤمنون بمثل هذه الاعتبارات، لأنني أثق بأنه مهما كانت النتائج،تبقى البصارة … ” بصارة “، ويبقى الأمر كله مجرد ضرب من التنجيم، لكني أضمرت في نفسي شيئاً يتناسب مع ما يدور في مخيلتي.
فتاة الشرفة اختفت فجأة مثل عادتها في كل مرة.
“تلك الغبية “… ما زلت أسأل نفسي
“ألم تتعلم بعد كيفية النزول إلى الطابق الأرضي- المقابل – ؟”.
تخيلت أن المنديل سوف يكون أكثر إثارة لو لـُـوِّح به من الطابق الأرضي – المقابل –
دخلت الغجريتان ، أرادتا الجلوس على أرضية المدخل، لكني دخلت ـ لكي تتبعاني ـ إلى الغرفة الأبعد عن عيون الذين قد يرونني، فأنا لا أهتم بــمجرد التبصير.
دخلت إحداهما، وتربعت الثانية على عتبة الباب … ما أقبحها!
عندما كنت صغيراًحكى لي أبي عن النساء اللواتي يرتدين مثل هذه الألبسة، التي ترافقها تلّة قماش على ظهرها، قالوا إنها ملأى بـسكاكين وخناجر، يذبحون بها الناس وينهبونهم، ويسرقون أطفالهم.
بصراحة،عندما جلستا شعرتُ بالاطمئنان تماماً، وعندما انتشلت واحدة منهما طفلها – اللّهُمَّ – من تلك التلة.
لا أخفي أنه راودني بعض الخوف من حكايات أبي التي حكاها، ربما لتكون بمثابة ضمان للحول دون اختلاطي بهؤلاء الناس، وتعلم عاداتهم التي لم يكن راضياً عنها، لكن الأمر الذي أفكر فيه فعلاً يستحق المغامرة .
أيقنت أنه مهما حصل أستطيع أن أبقى حياً، نعم .. هناك وسائل كثيرة: الصراخ مثلاً .
مدَّت الأولى التي دخلت يدها وقالت كلمات كثيرة متشابهة، فهمت منها كلمتين أنهت بهما الجملة ” : قل يا “الله “، فقلت: “يا الله ” بآلية مطلقة، وعندما سألتني عن اسمي، وجدت في السؤال فرصتي لكي أتحذلق عليها، وأجد طريقة للدخول في موضوعي، فقلت إن عليها أن تعرف اسمي وأسماء أجدادي من مجرد رؤيتي، فـــ ( رجتني ) أن أسمع، وأجابت بحوار طويل، وجدت نفسي لا أقول عنــد فواصله إلا ” نعم – أو- لا”.
حوار طويل رماني في ما هو أعمق من الذهول.
يا الله .. من أين لها أن تعرف كل هذه الحقائق ؟!

ذُهلت .. أنا الذي ضاعت مني كل الفرص المحتملة، وضاعت نزوتي معها، حتى إنّي لم أشعر بأية إثارة حين أمسكت يدي ووضعت فيها حبة من القمح بعد أن كسرتها بأسنانها، وهي تقول جملاً متتابعة، كأنها بانتهائها بأحرف موحدة اقتطعت من حكايات الهمذاني، كانت مقدرتها على إدغام الإيقاعات مذهلة .
ذكرتْ الكثير عن الفائدة العظمى التي ستتأتى عن تغليفي حبة القمح بأكبر عدد أستطيع الاستغناء عنه من الأوراق المالية التي أملكها، وذكرت أيضا شيئاً له علاقة بما يزيد نبضات قلبي في الأوقات الخاصة جداً، وعرجت على ذكر غريبة تسكن في شرفة الخيال متنبئة بأنّي أتمنى لو كنت أملك القدرة على الطيران، لكي تكف الجدران التي تفصلني عن ضم غريبتي عن الحد فيما بيننا، وأنهت كلامها قائلة مرة أخرى : ” قل يا الله .”
قلت: ” يا الله” .. قلتها ممتثلا ًهذه المرة، على الرغم من رفضي التام لأية حالة استغلالية قد أتعرض لها، ودرايتي الكاملة بأساليب المبصّرين والمبصّرات، لم أقلها فحسب، بل بدأت أصدق أنها تعلم الكثير، بتأثير ما خُيِّل إلي أنها تقصد تلك الغريبة .
عصَّت على يدي أكثر، وهي ترفد تنبؤاتها بالقول بنفس طريقتها السابقة، إنّي أحلم بثروة ما تأتي من بعيد.
قلت بعد تنبؤها هذا:
“إن شاء الله “… كما اقترحت علي أن أقول.
فكررتْ طمأنــتي على أنني سأحصل على ما أبتغـيــه، بعد مــدة لطولــها علاقة طرديـــة بكرمي أثناء تغليف حبــة قمحــها بــ ” مبلغ ما “، وبعد أن غلفتُ حبتها بما غلفت، وارت مبلغي في ثيابها وهي تنصحني بالقول : ” سترك يا الله “، ثم صمتتْ لثوان بدأت بعدها تحرك شفتيها بطريقة غريبة، تقول كلمات في سرها لا يعلمها إلا الله، ولا يعلم إلا الله أيضاً ما إن كانت لا تقول شيئاً، كان شكي الكبير يتمازج مع الرهبة التي أودتني فيها طريقة الحبكة لكل تلك القصة.
أردت أن أستفسر عما كانت تحكي بكل ذلك الصمت، لكنها حين حاولتُ النطق، رمقتني بنظرة تفيد في معنى “انتظر”، أو “اخرس” بمعنى أقرب إلى ما فهمته .
“خرست” …. من دون أن أفكر أدنى فكرة عن نوع العلاقة التي فكرت قبل دقائق في أنها ستربطني بها، أو بهما .
الثانية ؟؟
كانت على العتبة تزيد الجو رهبة بألفاظها التي أعجز عن تذكرها، فهمت أنها كانت تساندها في كل كلمة.
قامت الأولى، وأخرجت من جيبها ورقةً بيضاء، سحبت من قميصي خيطاً صغيراً ولفـَّته بها، وقالت بلهجة لم أعرف لهجة أكثر ذكاء منها :
هذا الخيط أسيرٌ في ورقة عمرك، بتحريره ستحظى بالأمان، فــ حَرِّرْ هذا الخيط بالــ ” مصاري”.
دفعتني لهجتها إلى أن أخرج من جيبي الورقة الأكبر قيمة، لكنها رفضت أن تأخذها قبل أن تتأكد من أنني لن أندم، وعندما دفعني شعوري بالزهو، لكوني من الرجال الذي لا يندمون عادة على ما يدفعونه من مبالغ، إلى أن أقسِم، فتناولتها بتواضع غريب، وأمرتني أن أضع الورقة في جيبي، وأنتظر ما سيحل بها عندما أصحو صباحاً.

وعدتني بأشياءَ كثيرة،وصدقتها نوعاً ما، لكن تصديقي لم يصل إلى حد الإيمان بأقوالها، وربما كان هذا هوالسبب الذي أبقى الورقة على حالها في الصباح الباكر … ” الباكر ! ”
لأنها قالت قبل أن تغادر: “يجب أن تؤمن ”
فتاة الشرفة لوحت لي بمنديلها هذا الصباح، لكني لم أغضب هذه المرة، فقد وعدتني من خلال التلويح بأنها سوف تحاول تعلّم كيفية النزول إلى الطابق الأرضي – المقابل – .
وعندما اختفت، تلفـَّتُ حولي فرأيت غجريتين غيرهم، فأومأت لهما لتقتربا، ولا أدري ما إذا كنت هذه المرة سأنال مرادي من واحدة، أم أن واحدة منهما ستنال مرة أخرى مرادها مني .
*بقلم: فؤاد عمران
*اللوحات الفنية للفنان المصري حسن الشرق
