العنصرية ورُهاب الأجانب

يقول الفيلسوف الفرنسي “إيمانويل تود”: (ما ينبجس في الحاضر ما هو إلا صدى الأنساق الثقافية المضمرة حينما تشق ظلمة التاريخ لتستريح في الحاضر)، والنسق حسب “عبد الله الغذامي” كلمة في وصف الفكرة حين تترسخ وتكون أقوى من العقل.

قد تكون “العنصرية” أحد أبرز الأنساق الثقافية التي يتمثلها العقل الاجتماعي الذي يدّعي أنه تحرر منها، ثم ما تلبث أن تظهر على السطح، ويُعلن عنها بكل أريحية أمام الهزات والكوارث التي تتعرض لها المجتمعات، وهذا ما أثبتته ردود الفعل على انتشار وباء كورونا في البلدان التي كان يبدو أن “العنصرية” قد اختفت بين ظهرانيها كنسق تفكير اجتماعي،وأصبحت تُثير حالة من الاستهجان والرفض والغرابة، بينما تبين أن العنصرية موجودة بقوة ولكنها مستترة في اللاشعور الفردي والجمعي، ولم تستطع كل وسائل الضبط الاجتماعي محوها من الذاكرة الجمعية للمجموعات البشرية.

بالرغم من أن الأسباب الأساسية وراء ظهور مرض كورونا ما زالت قيد البحث، فقد تجاوزت رودو الفعل تجاه الصين والشعب الصيني فكرة الحذر من انتشار الوباء، وتحولت إلى شعور بالتحامل والكراهية ضد الصينيين، ولم تكتفِ ردود الفعل بالسخرية والاشمئزاز من نمط الطعام الصيني على مواقع التواصل الاجتماعي، بل حتى في بلدان شرق آسيا  سُجلت مئات الحوادث التي اتسمت بالعُنف أحياناً ضد كل ما هو صيني، بينما انتشر “رُهاب الأجانب” في أوربا وأمريكا ضد كل العرق الأصفر، وانتشرت أنماط مختلفة من السلوك العنصري ضد الصينيين حتى على مستوى الخطاب السياسي، عندما سمى الرئيس الأمريكي “ترامب” الوباء ب”الفايروس الصيني”، كما شهدت المدارس والجامعات والمطاعم والأماكن العامة في أمريكا وكندا وعموم أوربا، العديد من أشكال السلوك العنصري الذي وصل إلى حد تعرض صينيين للطعن والضرب، حتى باتت مصطلحات مثل ” رُهاب الصين”  و” وصمة العار” من التعابير المألوفة في الصحافة الغربية، مما حدا بلجنة الطوارئ التابعة لمنظمة الصحة العالمية لأن تصدر بيانًا مع نهاية ينايرالماضي، تنصح فيه جميع البلدان بأن تضع في اعتبارها مبادئ المادة  الثالثة من اللوائح الصحية العالمية ، والتي تعتبر حسب منظمة الصحة العالمية إجراءات احترازية من “الأعمال التي تعزز الوصمة أو التعصب”، عند اتخاذ تدابير وطنية استجابة لتفشي المرض.

الموجة ذاتها من السخرية والاشمئزاز من الطعام الصيني والثقافة الصينية، اجتاحت أيضا البلاد العربية على مواقع التواصل الاجتماعي على شكل نكات وتهكم وسخرية وكاريكاتيرات، وحتى مقالات تُنشر في الصحف، إضافة إلى تعرض الصينيين لمواقف عنصرية واقعيا في لبنان والأردن وغيرها.

العنصرية والعمى الثقافي

تبين العلوم النفسية والاجتماعية، إن المجتمعات في أزمة الحروب والكوارث ترتد سلوكياً إلى أكثر الحالات بدائية في التاريخ الإنساني، ويبدو هذا جلياً اليوم، إذ تحولت العنصرية والشعور بالتميُز، والتمايز القائم على التفضيل الجمعي إلى نوع من العمى الثقافي، الذي تجاوز العنصرية التي تم تبريرها تجاه الصينيين بخروج الوباء من الصين، إلى تمييز تفضيلي لبعض المجموعات تجاه غيرها ممن تعتبرهم أقل عرقياً أو طبقياً، ففي حمى البحث عن علاج للمرض عرض رئيس وحدة العناية المركزة في مستشفى كوشين في باريس، جان بول ميرا، اقتراح إجراء تجارب لإنتاج لقاح محتمل لفايروس كورونا على فئات سكانية في أفريقيا، وأثار اقتراحه هذا انتقادات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما ذهب بعض أعضاء اليمين المتطرف في أوربا إلى أن تفشي الوباء في القارة كان بسبب سياسة الحدود المفتوحة، وطالب بعضهم منذ وقت مبكر بإغلاق الحدود، حتى بين دول الاتحاد الأوربي ذاته، ورفض السماح للسفن المحملة بالمهاجرين بدخول البلاد.

على الخط العنصري ذاته سار بعض العرب، كتعبير أقصى عن “رُهاب الأجانب”، فها هي فنانة كويتية قديرة “حياة الفهد” تطالب في حوار تلفزيوني بإبعاد المقيمين “الوافدين”، حتى لو تم رميهم بالصحراء (نقطهم في البر)، ورغم توضيحها بأن كلامها قد أسيء فهمه وقد خانها التعبير، إلا أن خيانة التعبير هي التعبير الحقيقي عن اللاشعور وما يحمل من مكبوتات. فالإنسان الذي يشعر بالتهديد زمن الأزمات والكوارث يرتد إلى أنماطه السلوكية البدائية التي يُعتقد أنها تلاشت ،على سبيل محاولة الشعور بالأمان والطمأنينة، كإحدى أهم آليات الدفاع النفسي الأولية، ولطالما كان الآخر المختلف هو موضوع التهديد، حتى لو كان مصدر التهديد هو المرض، فحالة تضخم الأنا والنظر إلى الآخرين ك“أغيار”، وإنكار تعرضنا شخصياً لما يتعرضون، كلها آليات نفسية دفاعية، تطفو على السلوك الإنساني خلال الأزمات والكوارث.

قصور معرفي وفشل في التعاطي

إذا كان الخوف والقلق قد تحول إلى حالة من الهلع، التي تطورت إلى “رُهاب اجتماعي” لدى بعض المجتمعات، فإن ذلك لا يُخفي حالة القصور المعرفي الكبير، معرفة الآخر المختلف وأنماط ثقافته، وخلل معرفي أيضاً فيما يرتبط بالمرض، والذي يتبدى في نقص كبير بالمعلومات حول الفايروس وآلية انتقاله، وأهمية اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة، دون السماح لحالة الخوف من المرض بأن تفقد الإنسان توازنه النفسي والأخلاقي، فيُصاب بحالة من العماء الثقافي والمعرفي التي تُظهر أنساقاً من التفكير البدائي، التي تعود إلى مراحل سابقة من مراحل تطور الإنسانية وتحضّرها، وكما يقول عبد الله الغذامي: (النسق في الثقافة مثل الفيروس في الجسد، خفي وقاتل، وعنده القدرة على التبدل والتنوع والاحتيال لكي يظل يفتك بالجسد، وهذه كلها صفات الأنساق الثقافية كالعنصرية والطائفية والدكتاتورية والفحولية، وكلها فيروسات ثقافية قاتلة، وهي تحتلنا وإن كنا ندعي أنها ليست فينا، ولها قدرة على إضمار نفسها والتخفي تحت صيغ مضمرة، تفتك في رؤانا وليس لنا إلا محاولة كشفها وتعريتها من باب تسمية المرض باسمه كما يفعل الطبيب).

من السهل بناء الخطاب على أساس العنصرية كرؤية عملية، لكن هذا النهج لا يُحصن المجتمع، و لا يصنف الآخر بشكل مباشر على أنه وضيع أو حقير فقط، لكنه يُهاجم أنماط الحياة البديلة التي يواجهها المجتمع بشعارات زائفة، بدلاً من التضامن الإنساني والتعاون الذي يُحاصر المشكلة ويجعلها تتلاشى، وبهذا الصدد يُمكن الختام بما قاله المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية “ليجيان تشاو” كنصيحة للجميع في مختلف البلدان، باقتباسه لمثَل صيني مأثور: “استدر إلى الداخل وافحص نفسك عندما تواجه صعوبات.”

المصادر

  • حساب عبد الله الغذامي على تويتر / مقولات في النقد الثقافي.
  • د.سمير الخليل، دليل مصطلحات الدراسات الثقافية والنقد الثقافي، دار الكتب العلمية، بغداد 2014م.
  • الوكالات الإخبارية العالمية.

4 Comments

  1. Hussam Al din al mustafa April 10, 2020 at 11:30 am - Reply

    رائع جداً ….
    مقال قيم والوصف حقيقي للواقع الإنساني بالعالم أجمع.
    للأسف

    • kmarabia April 12, 2020 at 3:34 pm - Reply

      من المهم رصد ردود أفعال الناس خلال الأزمات والكورث والعمل على تعديلها لاحقا

  2. محمد ابراهيم April 10, 2020 at 7:34 pm - Reply

    مقالة رائعة في وصف الواقع وتشريح أنماط التفكير الجمعي في الازمات…

    • kmarabia April 21, 2020 at 5:50 am - Reply

      شكرا محمد، وأتمنى تنال إعجابك موضوعاتنا. تحياتي

Leave A Comment