
مثل كل الأوبئة التي مرت بتاريخ البشرية، نشطت مع وباء كورونا ردود فعل فردية وجماعية لتفسير المرض وتحوله إلى وباء، وتُعتبر ردود الأفعال هذه جزء من التمثلات الاجتماعية للأفراد والجماعات، وبالرغم من اعتبار التمثل الاجتماعي نمط من أنماط المعرفة، فهذا لا يعني أنها معرفة صحيحة كما – ذُكر في موضوع سابق –.
كان “دروكايم” من أوائل من تنبهوا إلى هذا الأمر عندما تحدث عن العصبية القبلية، فقد اعتبر (الدين والمعتقدات واللغة والعلم والأسطورة تمثلات جمعية واجتماعية)1، وبهذا السياق يُمكن ذُكر ما مر عبر التاريخ من تفسيرات لوباء الطاعون أو الكوليرا على أنه غضب إلهي، أو اتهام فئة مجتمعية بأنها وراء انتشاره كاتهام “اليهود” بتسميم الآبار حين انتشر الطاعون الأسود في أوربا بالقرون الوسطى، أو أنه بسبب غضب الأسلاف كتفسير لمرض إيبولا عندما تحول إلى وباء في إفريقيا، ومن ثم اقتراح علاجات تقليدية ودينية لهذه الأمراض، لم تساهم مطلقاً في شفاء ولا حالة واحدة من أي وباء.

لم تخرج ردود الفعل الحالية لدى عدد من الشعوب إزاء وباء كورونا، عن الأنماط التقليدية المعروفة التي رافقت كل الأوبئة، وبل زاد عليها أيضا ظهور أنماط أخرى خرجت من رحم التمثلات الاجتماعية ذات الجذر الإيديولوجي، أو تلك المعبرة عن الموقف من الآخر المختلف، عرقياً وثقافياً ودينياً وطبقياً، بالإضافة إلى اقتراح حلول وعلاجات تحد من نجاح المعرفة العلمية في مواجهة الوباء، وتكاد تتسبب بكوارث صحية واجتماعية، فما هي أبرز هذه التمثلات ؟
المرض والوباء كغصب إلهي
اعتبر العديد من الأفراد والجماعات الدينية أيضاً، أن ظهور المرض وتحوله إلى وباء، ليس إلا تعبير عن السخط الإلهي، لأن الآخرون لا يتبعون الأوامر الإلهية، والفايروس ليس إلا “جندي من جنود الله” المتخفين والذين أرسلهم للانتقام من البشر لفسادهم في الأرض ومخالفتهم تعاليمه، وكتمثل لهذا المعتقد والتفسير الديني، خرجت مجموعات من الناس في مصر والمغرب العربي تُكبر وتهلل بالأدعية، كما توجهت فئات أخرى في إيران والعراق إلى الحسينيات ومقامات وأضرحة الأئمة للتبرّك وطلب الغفران، والدعاء والاستشفاء من المرض، كما قام بعض كهنة الكنائس بإقامة الصلوات في كنائسهم مطمئنين الناس أن يسوع يحميهم، ورفضت وتجاهلت هذه الفئات ضرورة التقيد بالحجر الصحي لمنع انتشار الوباء، وأصروا على مواصلة طقوسهم حتى اضطرت السلطات للتدخل وفرض الحجر بالقوة، كما فعلت سلطات “الكيان الاسرائيلي” مع طائفة الحرديم (الحريديم)، التي رفض غالبية أفرادها وقف الصلاة وإغلاق المدارس الدينية، في حين فشلت السلطات العراقية في منع زوار مقام الإمام الكاظم من الزيارة، واقتحم المئات من الزوار الحاجز الأمني ودخلوا المقام وأدوا طقوسهم كاملة.

هذا الإنكار الاجتماعي للمرض، يعود بنا إلى انتقال مفهوم المرض من الحقل الطبي إلى الحقل الاجتماعي، فكما قال دوركايم: (إن الألم لا يُقاس بشكل طبيعي، فكل ألم لم يتم الاعتراف به اجتماعيا فهو ليس مرضا)، ولعل هذا ما يتجلى بشكل كبير خلال انتشار الأوبئة.
اقتراح أنماط مختلفة من العلاج التقليدي الشعبي
إضافة إلى الدعاء والتبهل وترتيل الأناشيد الدينية والصلوات، ودعاء النبي محمد عليه السلام للوقاية والشفاء من الأمراض، وأحاديثه عن الأوبئة، ظهرت اقتراحات علاجية ووقائية لا يُمكن حصرها، كلها جزء من الذاكرة الشعبية الجمعية، كالعلاج أو الوقاية من المرض بالأعشاب من مثل شرب اليانسون، والزعفران المخلوط مع العسل، والزنجبيل، والثوم… وغيرها، كما روّج بعضهم للعلاج بالسحر والرقية الشرعية على اعتبار المرض سببه الحسد والعين، في حين نشر بعضهم على مواقع التواصل الاجتماعي، إن شرب الخمور بأنواعها تمنع الإصابة بالمرض، حتى إن بعضهم حدد نوع الخمر.

المصادر
1- مجلة علوم التربية العدد 7، ص: 28 -29
- الكاريكاتير المرفق عن جريدة الخليج الإماراتية

هل يتطلب بعد الجائحة الجارحة من أهل العلم والبحث العلمي والاجتماعي وكافة مراكز التطوير الأكاديمي.
توجيه برامج علمية عن طريق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية للإستفادة من الأخطاء التي حصلت.
وأحداث مراكز بحثية علمية عالمية لعدم الوقوع بمثل تلك الكوارث؟ فهل نستفيد ونتعلم الدرس .
نتمنى والله ، وخاصة في بلادنا العربية، أتمنى يأخذوا العبرة من هذه المحنة، وإيلاء أهمية للعلوم الاجتماعية والنفسية. شكرا لتفاعلك وتواصلك .