كان فيكتور فيدروفسكي ضحية الجواسيس، يتبعونه إلى كل مكان، ويتعقبون خطاه، ويقتفون آثاره، لأنه كان فيما مضي مشبوها. وكان اسمه في رأس الأسماء التي تحملها القوائم السوداء، في مكاتب «أوخرانا» ( إدارة البوليس السري) الخفية. وكانت الشرطة السياسية في موسكو وبطرسبرج توقع العقوبات بالشبهات، فكل مشبوه لديها متهم، وكل متهم في نظرها مذنب، فلما هاجر فيكتور إلى لوزان بسويسرا ليلتحق بجامعتها حتى يتم دراسة الرياضيات العليا التي بدأها في كلية الهندسة بمدينة أورالوف، شعر بأن وراءه جاسوسا يتبعه، وكأنه صحبه من حدود روسيا الى صميم سويسرا محدثا نفسه: لن أصبر على هذا الرجل ولن أدعه يقتفي أثري في بلاد الغربة، ولا بد من أن أرغمه على الاعتراف لي بعلة تتبعي، وأذكره بأننا في جمهورية حرة، ولسنا في شوارع موسكو أو بطرسبرج، وأن أهدده بکشف القناع عن حرفته أو أرفع شكواي إلى ریاسة الشرطة، محتجاُ بتحريم التجسس على الأبرياء في بلد أجنبي، فإذا ما خشي الفضيحة وهرب من وجهی عدت أدراجي إلى محطة السكة الحديدية حيث تركت فيها متاعي، لأتسلق سلم المركبة الأولى التي تصادفني في أول قطار ليحملني إلى مقري و مرتعي … إلى مدام جابونسكي.
إلى أحضان تلك المرأة الحنون، فإذا ما سألتني عن عودتي غير المنتظرة، بعد القلق المقيم المقعد الذي ساورني قبل عيد الفصح، أجبتها في إيجاز بأنني رضيت من الغنيمة بالإياب، لأني ما كنت أستطيع البعد عن بيتي، فقد اكتشفت في هذا السفر القصير أنني مصاب بداء الخوف کالسنور الذي يعلو ظهره وتنتفخ أوداجه، وتبعث أعصابه المهتاجة بشعره الناعم، فيصير كالشوك، ويتحفز للهجوم على غريمه كائنا ما كان لينشب فيه أظفاره التي تخفيها كفه الملساء، لقد حاولت أن أضلل الجاسوس، ولكن ذهب تدبیري سدی.
وبعد فإنني أعود أدراجي لأن بالمكان الذي وصفوه لإقامتي سجنا كبيرًا ومشرحة. أما السجن فلا عجب، لأن بأطراف المدن وبضواحيها قد تبنى السجون؛ أما المشرحة ما شأنها في جوار هذا المنزل، وفي مثل هذا اليوم الشديد القيظ كأنه من أيام جهنم؟ يا له من يوم له ما بعده!
كنت عدواً دائماً لمن يخضعون للأقدار، وأسخر من الذين ينصحون بالاستسلام للقضاء المحتوم وأرميهم بالجبن والعجز والخور؛ وهأنذا قد لعبت بي أيدي الأقضية والأقدار كما تلعب الأطفال بالكرة… فكيف المفر، وإلى أن الهرب؟ ليس لدي من الوقت ما يكفي لتقليب الفكر وتدبير الأمور على على مهل، ولم يعد في صدري متسع للصبر والتأمل- فوطدت نفسي على الحرب التي لا هوادة فيها ولا رحمة؛ وكان الجاسوس لا زال قابعًا في مقعده بمركبة القطار ينتظر مغادرتي إياه ليتبعني متابعة الظل، فلم أستطع أن أخيب أمله إلا بطريقة واحدة وهي أن أبقى في القطار لأعود به، متظاهرًا أنني ما قصدت من هذه السفرة الممتعة الطويلة إلا الارتياد والاستطلاع … وهذا أمر جائز ومباح، خصوصًا وأنا خالي الوفاض فلا متاع ولا أحمال توهم أني كنت قادمًا للإقامة، وكانت السلامة مكفولة بهذا الحل السريع المنقذ، ولكن كرامتي أبت عليّ التسليم، وكراهتي للرجل دفعت بي للنزال، جمعت نفسي ونهضت ونزلت، فنزل الجاسوس، ومشيت فسار ورائي يتعقبني … وقبل أن أستدير لأشتبك معه معاركًا، وأنا لا أعلم مدى ما تؤدى إليه المعركة، إذا بالرجل الذي ظننته جاسوسًا محترفًا يقف فجأة ويقول لي: فيكتور! فيشنكا! … داسکویا …! فيشا … ألا تذكرني؟ ألا تعرفني؟ وكانت هذه كلها ألقاب تعزيز وتدليل يناديني بها رفاقي الصغار في المدرسة اقتداء بمربيتي وخادمي في تدليلي.
وكان الرجل يخاطبني بالروسية الفصحى، أيكون الكسندر برافسكي، أم خياله الحي؟
فوقفت على سلم القطار وقلت له: من تكون أنت؟
قال: أنا … أنا ساشا رانسي، راشسكويا … ألا تذكرني؟ وارتمى المسكين في حضني وهو يبكي، فلقد غادر البائس بيت الموتى … سجن سيبيريا منذ حين هاربًا من أيدي أعدائه وأعدائي.
كان ساشا قرويا ابن فلاح، دخل في خدمة مثّال اسمه بورما كلامي، لا يزيد أجره على روبلين يتقاضاها في كل أسبوع، وما لبث الصغير أن أظهر ميلاً تشد أزره موهبة فائقة مولودة معه، فكان يحسن الحفر في الخشب وتأليف الألوان الزاهية والقاتمة لصبغ تماثيل العذراء ويسوع والقديسين، وبرع في إظهار علائم الحزن وأمائر الانقباض أو الفرح التي تبدو على وجوه الشهداء كما كان يراهم في كنائس المدينة، وكان المثال يبعث به إلى الأسواق والموالد ليبيع تماثيل الرسل والملائكة، فيجلس ليبسطها بين يديه على قطعة من القطيفة الباهتة، ثم يبقى في انتظار هواة الإيمان ممن لا يضنون على أرواحهم بكوبك أو اثنين ليشتروا بهما رمز معبود أو نصف معبود ليزينوا بها حجراتهم القروية ويشعلوا تحت أقدامها قناديل الزيت التقليدية. فكان الموجيك من أهل القرى يرد السوق في حفل من أهله وجيرانه، فإذا فرغ من البيع والشراء والأكل والشرب واللهو البريء أو غيره، طاف بأطراف السوق حتى إذا ما لمح « فرش » الأرباب والملائكة، وقف على رأس الغلام ولمس المعبود بقدمه سائلا عن ثمنه، فاذا علمه ماکس ما شاءت المماكسة حتى يصل إلى الثمن الذي يرتضيه فيلتقط التمثال الذي وطأته قدمه، فيقبله ويضعه في جيبه بحرص وعناية، ثم يخرج قطعة الفضة الصغيرة وينقد الصبي ثمنه وينقلب إلى أهله حاملا تمثال ربه في ثنايا «كازاكه » – نوع سترة-.
وكان ساشا الصغير يعجب لهذا المسلك ويضحك ثم يأسف على فنه الضائع بين هذه القطعان الشاحبة الكالحة التي تعد من بني الانسان وليست منهم. . ثم أخذ يثور على الديانة التي تحتسبهم من
تابعيها وعلى الكهنوت الذي يصبر على عمايتهم ويستغل ما هم فيه من غفلة بالغة. وما انقضت عليه ثلاثة أعوام بين المصنع والأسواق حتى شكا إلى أمه ما يلاقيه من ألم النفس وتعب البدن. طالبًا إليها أن تحث أباه على إرساله إلى المدرسة.
فصممت الأم على تنفيذ رغبته، وقرعت الوالد على رضائه بأن ينشأ طفلهما على هذه المهانة وها هو ذا قد نما وترعرع، ومارس الصناعة والتجارة ولم يفد منها ما يذكر، لأن جهوده عائدة كلها على معلمه بوريا الذي لم يعلمه إلا ما رآه ملائمة لمصلحته الخاصة، فلا بد من إرساله في بعثة تعليمية إلى، بطرسبرج ليتلقى الفنون الجميلة في « مجمع المصورين القيصري » ويتردد على متحف إرميتاج الشهير بآثاره الغالية. سافر الوالدان والولد إلى بطرسبرج في قطار الليل بعد أن تزودوا للسياحة واستقروا في فندق وضيع في حي « إيليانا » وهو خط المفلوكين، ومرتع « البوهيمية » والنور، لأن ما حملوه من المال المدخر لا يقوم بأودهم أياما معدودة إذا هم اختاروا الاقامة في أحد الأحياء الغنية. وبعد يوم من وصولهم ذهب الرجل وولده إلى دار الفنون الجميلة وعرضا طلبهما، فقوبلا بالازدراء من الموظف المختص، وقد دهش لجرأتهما على ترك الفلاحة في الحقول لإلحاق الولد بمعاهد التصوير والحفر!
فحنق رافلوف والد الكسندر ( ساشا ) برافسكي على « الموظف المسؤول ». وخرج متحاملاً على نفسه، وصفق الباب وراءه صفقة كانت أشد وقعا من الصفقة على صدغ الموظف الكبير، وقد عقد النية على أن يلحق الفتى بالأكاديمية ولو أدى الأمر به إلى بيع أرضه وإنفاق آخر کوبیك من ماله وعقاره في هذا السبيل، وعاد إلى الفندق حيث كانت الوالدة المسكينة في انتظارهما، فدفعه غضبه وكرامته المجروحة إلى أن روى الحديث بحذافيره عليها، وختمه باظهار رغبته التي تتردد في صدره، وكان صوته يهدج ويداه ترتجفان حتی خشيت الأم ( نادیا سيبانا ) عليه أن يصيبه سوء أو ينفجر شريان في دماغه، فيذهب ضحية الفالج نتيجة حبه الخير لولده، فبكت وأجهشت وقبلت يد زوجها وطيبت خاطره ولكنها أبت أن يكون ولدها سببا في فقرهما، وهي التي تعلم أنه ليس من الغنى بحيث يحقق أمنيته وأمنيتها.
بيد أن الفلاح العنيد سعى في الأمر دون علمها، وكاد المسعى يكلل بالنجاح لولا أن علم به الموظف المسؤول بإدارة الفنون ورفع إلى « المراجع العليا » مذكرة نفث في دسمها سموم حقده، وألقى ظلالا من الشك على هذا الصنيع فأفشله، فسافرت الأم مكسورة الخاطر، موجعة القلب، ناقمة على الدنيا، واستمسك الشيخ بعزيمته لترقية ولده، وسعى إلى توظيفه أولا في إدارة صغيرة كان رئيسها قريبا له، بوظيفة لا يزيد مرتبها على عشرين روبلا في الشهر. وقال له:
ساشا! ولدي العزيز، لا تمس هذا المرتب، بل ادخره بأجمعه، وإن شئت فابعث بقليل منه إلى والدتك، لا على أنها محتاجة إليه، ولكن لتشعر بأنها تشرب قدحًا من الشاي من عرق جبينك وكد يمينك، فيكون له طعم ونكهة لا يعرف حلاوتهما إلا من كان في براءتها ونقاوة قلبها، أما البقية فأنفقها في شراء الألوان والصور وأجور التعليم الليلي. أما مأكلك ومشربك ومسكنك وملبسك فأنا الكفيل بها، وتعلم ما استطعت، وزاول من الفنون الجميلة ما شئت، فإن لك يوما ينتظرك في الأكاديمية الإمبراطورية؛ وإن جدران الارميتاج تنتظر لوحاتك بفارغ الصبر.
ولم يكن من ساشا إلا أن بكى وشكر أباه وقبّل يده وهو يقول في نفسه: يا لها من حياة كالموت! وربح خير منه الخسارة! لقد ضاع حظي في هذه الوظيفة، ولكن من يدري؟
ولم يكن له أن يرضى من الغنيمة بالبقاء في العاصمة، يعيش حينا في كنف قريبه الموظف في الحكومة، وآنًا يحفزه الشباب للوثب والمغامرة فيأوي إلى نزل صغير في حي نیکولسكوي لقربه من الدواوين وبعده عن مركز الثراء والزهو في العاصمة حيث مراتع الغزلان، ومواطن الفتنة، ومعارض الزينة الرائعة، ومظاهر الغنى والنشب، وكان لأول عهده ببطرسبرج ( وهي دنيا عريضة بالنسبة لأورالوف وعاصمة المقاطعة الشاملة لقريته ) يدهش لما اجتمع لأهل هذه الحاضرة من أسباب الترف، ودواعي الاسراف والتبذير، ومختلف المتع لا تنازعها إياها أية عاصمة أخرى.
وكان إذا قادته قدماه إلى الأحياء الرائعة في الثراء يتحرق على نعيم الدنيا الذي يرى آثاره المغرية في المحلات الجارية والسيارات المتسابقة، والشوارع الرحبة، والمخازن الحافلة بأنواع المتاجر، والحوانيت والجواهر، والعمائر العالية ذات الطبقات المعدودة، والحدائق الغناء، والظلال الوارفة للأشجار المنضدة، والمعاني الآهلة بالغواني، والمراقص المرددة لرنات المثالث والمثاني، ورمق بعين الدهشة جماعة المياسير الذين اتخذوا من الحياة تلهية، ومن أسباب المسرات وسيلة لمدافعة الملل وإيقاظ الشهوات التي رانت عليها التخمة والسآمة فزهدوا فيها وتعلقوا بها في آن، يأكلون من الأطعمة أشهاها وأحلاها، ويعيشون أرغد الحياة وأترفها، معافين في أبدانهم، لا يأخذهم حر ولا يزعجهم برد، ولا يعوقهم عن السعي إلى ملذاتهم مطر ولا رعد، إن أدركتهم علة فالأطباء والصيادلة لديهم يحضرون، وإن طاف بهم طائف الضجر فألف وسيلة تطرده عنهم وهم لاهون، يسيرون في الأرض مختالين فخورين، يكادون يهتفون بالناس ( أن انظروا ! وسبحوا وإن شئتم فاحسدوا )، متوهمین راحة الضمير وقرة العين، بما قسمه الحظ لهم من صنوف المنح على رغم أنوف الحاقدين والمحرومين…
ولو أن ساشا برافسكي كان من معدن غير معدنه لسخط وحقد، ولاتهم الزمان والمكان والناس بأنهم سبب ما يعاني من حرمان وفقر؛ وساءه أن أمه المسكينة كانت ترجو أن تباهي به العاصمتين، وهي جائعة في كسر بيتها القروي. ولو أنها رأته الآن لانزوت خجلاً من بساطة شأنه وهو يطوي شوارع المدينة الكبرى على قدميه صباح مساء، وأعظم منه شأنا في نظره تلك النحلة الواقفة على زهرة في غابة لفاء تبحث في حناياها عن رزقها المقسوم. وفي تلك اللحظات كان يتذكر ماضيه القريب وحياته في حضن والديه وأحضان الطبيعة الساذجة، والأحاد التي كانت تداعب مخيلته الفتية و في معاهد الفنون كأحد طلابها النابغين، وكان قليل الذهاب إلى الكنيسة، ولم يجد في العاصمة ما يغذي في نفسه عاطفة الدين.
وقد كان أصدقاؤه الأولون من طبقة الموجيك مؤمنين وفي قلوبهم ذرة من الجحود الذي سببه الفقر والجهل، أما أصدقاؤه في العاصمة فملحدون، وليس في قلوبهم شعاع من الإيمان، وكان في وسعه أن يغشى دار قريبه، حيث يلقى الترحيب والإکرام، ولكنه كان من التعفف والاباء بحيث أن يفطن أحد من أقاربه إلى سوء حاله. ومن هنا تعرف الكسندر (ساشا) بطائفة من الشبان الذين ساعدهم الدهر بالانضمام إلى صفوف الأكاديمية، والفتيات اللواتي تحرران وغلبن آباءهن على أمرهم وأقنعنهم بمشاركة الشبان في اجتناء ثمار العلوم العالية وتلقي العلم معهم على أستاذ واحد في صفوف الجامعة.
وفي اجتماع للطلاب والطالبات التقى بدليانا التي كانت تعاشر کهلا من کهول الثورة على مضض، وكانت إذا التقت بساشا في حضرة الكهل لا تعير حدیث عشیرها سمعًا ولا وعيًا ولا لفتة، مندفعة في الاستيلاء على لب الشاب الفنان بحديثها الجذاب الذي كان ينصت إليه فلا يفوته من تعاريجه والتواآته حرف واحد، وفي تلك الفترة كان ساشا قد أخذ بأهداب الفن وعرف لدى أساتذته بحسن الذوق، ودقة البصر، والقدرة على تمييز الألوان، وخلط الأصباغ، ولكنه أبى أن يدخل الامتحان أو يعرض لوحاته. وكان يتقزز كلما تذكر الموظف الكهل، ذلك السخيف الذي حرمه الإلتحاق بالأكاديمية. وكان أبوه يبعث إليه بالرسائل، ويأخذ عليه المواثيق أن يحتفظ في قصره المأمول بمكان رحب ليصون فيه شيخوخة أمه من الفقر وذل المسغبة.
والأم تكتب إليه خفية أن يسرع في إتمام عمله ليربح منه ما يكفي لإراحة والده المكدود من تعب السعي على الرزق والإکباب على الأرض التي تجود حينا وتماطل أحيانا. فكان الولد يعد والديه وهو حانق، لأنه ما زال في رحاب الفن يؤمل أن يملك ناصيته ولو بعد حين . أما المرأة التي تعرفت إليه وأعجبت بفنه فقد استهوته وخدعته وحسنت له أن يوزع بين أقرانه رسالة أدبية، وكان الكسندر سليم القلب حسن النية فلم يعلم ما تحويه الأوراق التي قبل بتفريقها، ولم تكن سوى المنشور الذي أدى به إلى الخروج من العاصمة مكبلا بالحديد إلى سجون سيبريا الموحشة، وما زال ساشا يحفظه عن ظهر قلب كأنه إصحاح من العهد القديم، يتلوه على مهل، وأخذ يلقيه على مسامع صديقه فيكتور فيدورفسكي الذي أنصت إليه:
عندما تزول دولة القياصرة من الوجود سوف يتلو أبناء الأجيال المقبلة صفحات من تاريخها تقطر أسطرها دمًا، لأنها كتبت بالخناجر في لحوم الرجال، ولا سيما العظاء منهم الذين دافعوا عن أوطانهم ضد المظالم الصارخة، ووقفوا وجهًا لوجه حيال الدوقات أهل الغدر والخنا.
عندما تزول دولة القياصرة من الوجود، ويحشر الحق جل شأنه كل تلك الأمم في يوم العرض العظيم، ستبعث بعض النفوس سوداء كالفحم، لأنها أبت أن تخرج من الدنيا إلا وقد أساءت إلى من أحسن إليها واستكبرت!.
عندما تزول دولة القياصرة من الوجود سيكشف للذين سمعوا بمجدها، وقرأوا بدهشة الإعجاب، عن أخلاقها المزجاة، وفضائلها المزيفة، وعظمتها الكاذبة، تلك العظمة القائمة على الباطل، فإنهم سيعلمون أنهم كانوا من المخدوعين.
عندما تزول دولة القياصرة من الوجود، سيعلم الذين شهدوا وأحفادهم مصرعها أن الله أهلك أكبر دولة بناها الشيطان واستعان في بنائها بكل القوى الكامنة في الظلام المرعب المخيف، تلك القوى التي لبست وجوه الخفافيش لتخفي وراءها نجاسة الأجيال، ورجس أعوانه، وقسوة الضواري الجائعة، وأن الشيطان الأكبر بعد أن شاد هذا البناء المهول ودعمه وزينه وجمٌله نصب أعواد ملاعبه لتابعيه ليلعبوا أدوارهم فلعبوها، ولكن أنصاف البشر الذين شاركوهم تفوقوا عليهم وسبقوهم واختلقوا صنوفًا من الشر وألوانا من الأذى عجز عنها أعوان الشيطان فغضب إبليس وهدم البناء على رؤوس ساکنیه.
عندما تزول دولة القياصرة من الوجود ستفضح قوة القوى المسيطرة على الكون أسرارهم، وتنشر بين أيدي الملأ أخبارهم التي دونوها بأقلامهم ونطقت بها ألسنتهم، وتأتي أيديهم وأعينهم شاهدة عليهم وجوارحهم شاهدة عليهم.
عندما تزول القيصرية من الوجود سيترحم الملائكة والناس على الذين نبذوهم وأبغضوهم واحتقروهم واضطهدوهم وطاردوهم لأنهم ضحايا تلك الدولة وفرائسها البريئة، فلا توجد حيلة ولا مكيدة، ولا خبث ولا حبالة ولا فخ ولا نفاق ولا دسيسة إلا ووردت سجلات تاريخها المشؤوم.
لقد كان (المنبوذون) من أبناء الشعب عيالاً عليهم في طمعهم، وجشعهم، ولؤمهم، فتجسدت هذه الفظائع في أرواح قادتهم وساستهم وزعمائهم، فلم تعرف قلوبهم الرحمة، ولم تذق نفوسهم الحنان. يصفون العدل والحرية والمساواة كأنهم يشعرون بها، ويتخذونها ُتكأة ومسندة للموجيك البائسين في عزلتهم.
عندما تزول القيصرية الظالمة من الوجود، سینادي منادي في السماء وفي الأرض:
ألا إن الأرض قد طهرت من المظالم التي أهرقت الدماء البريئة.
ألا إن الأرض قد طهرت من المظالم المفضوحة.
ألا إن الأرض قد طهرت من النفاق والعدالة المزعومة.
ألا إن الأرض قد طهرت من إجرام السياسة، ورجس الحياة الملوثة، ومنکرات المجتمع.
ألا إن الأرض قد طهرت من النفاق الأسود والخبث الأصفر.
ألا إن الأرض قد طهرت من اللصوصية المزوقة، والخيانة المستخفية، والغدر المندس في زوايا الخديعة.
ألا إن الأرض قد أُنقذت من الكذب المتغلّب، الذي قتل الصدق وضربه على أم رأسه بهراوة الباطل فصرعه وولغ في دمه.
ألا إن الأرض قد خلت من مظاهر الدعوى بالفخار الكاذب، والخداع الذي طال أمد حكمه، وفشى ظلمه وتحكمت إرادته في ضمائر الشعب المغلوب على أمره.
ألا إن الأرض قد نظفت من التزوير والحنث في الأيمان والوعود الكاذبة.
ألا إن الأرض قد نجت من الوعود الباطلة التي سموها “كلمة الشرف”.
ألا إن الأرض قد طهرت من قطاع الطرق في البر والبحر، الذين لبسوا القبعات العالية و تقمشوا بالثياب الغالية، وأخفوا أيديهم الملطخة بالدماء بقفازات من جلود ضحاياهم في قلعة بطرس وبولص، وفي سجون سيبريا التي يكتنفها الجليد من كل حدب وجانب .
كان ساشا يتلو من الغيب كأنه يقرأ في صحيفة مفتوحة بين يديه، لا يقف ولا يتلعثم ولا ينسی ولا يخطئ، حتى لقد ذهل فيكتور فيدوفسكي مما تلاه صديقه القديم، ولكنه لم يستطع أن يوقف تیار حديثه الجارف، فقال له:
وكيف استظهرت هذا كله؟
قال : عمرًا طويلاً قضيته في سجون سيبيريا، كنت أتلوها صباح مساء، حتى لقد جعلتها صلاتي لأنها سببت شقوتي وسجني، أما المرأة دليانا فقد شنقوها، نعم شنقوها في بطرسبرج، وأما والدتي التي كانت تنتظر البر والخير على يدي فقد ماتت ولم تذق منهما شيئاً، والآن ها قد عثرت بك لتحملني إلى… السجن أو إلى القبر الأبدي.
واغبّر وجهه، وارتعدت فرائصه، ووقع على الأرض ميتاً، فلم يكن سلامه إلا وداعًا، وحديثه إلا نذيرًا بدنو أجله.
وكان مصيره … إلى المشرحة …
*المصدر:
صفحة الأدب الروسي على الفيس بوك، وحسب المصدر:
تُنشر رقميًا لأول مرة: قصة تولستوي الممنوعة: ” الثائر الساذج”، والتي فر بها تولستوي هاربًا من السلطات!
الترجمة بقلم الأستاذ محمد لطفي جمعة، نُشرت في مجلة الرواية، عدد 25، تاريخ الإصدار:1 فبراير 1938م.
