مواسم الحب والموت
*للحب كل المواسم، لا سنة، لا شهر، لا يوم، لا ساعة، هو لحظة انخطاف كامل، تُسلم نفسك لها وكفى.
*تجربتان شخصيتان جداً، مهما كُتب عنهما، ومهما حاول أحدهم شرحهما، يبقى هناك شيء ما ناقص، الموت والحب.
موتنا الشخصي هو السر الأبدي الذي نرحل به عن العالم، ويبقى غامضاً للجميع، فلا أحد عاد من الموت ليخبرنا عن ذلك، وكل ما تعجُّ به كتب الدين والفلسفة هي تكهنات ليس إلا، تكهنات كلٍ منها آتٍ من منطقة ما..
وكذا موت الآخر، وشعورنا الفادح بالفقد حيال ذلك.
هي تجربة تُعاش، ولا يُمكن لكلمات ما بأية لغة أن تُعبر عنهت، لأنها ببساطة تجربة “الفقد”.
ما زلت أتذكر جيداً، لقاء على التلفزيون السوري لأم فقدت ابنها شهيداً في جنوب لبنان، كنتُ طفلة حينها، ولكن كلامها وصوتها المبحوح والغارق بدموعها، لا يُمكن نسيانه، ويسألها المحاور: ماذا تشعرين وأنت أم الشهيد؟ هل تشعرين بالفخر؟
أجابت الأم الثكلى: أشعر بهول الفقدان، أفتقده، ببساطة أفتقده، وأشتاق له، وأنا أعرف أنه لم يعد بإمكاني اللقاء به.
الحب أيضاً، تجربة تُعاش، ولا يمكن تفسيرها أو الحديث عنها، وهي تجربة شخصية جداً، وحتى بالنسبة للشخص نفسه، تتعدد تجاربه، ومع كل تجربة يعيشها هو كائنٌ آخر غير ذاك الذي كان في تجربة سابقة.
الحب والموت، تجربتان فريدتان، تجربتان لا يُمكن الحديث عنهما مهما استفضنا، وكلّما كُتب عنهما أكثر كلّما ازداد غموضهما، ببساطة هي تجارب تُعاش فقط.
كل الأشياء تولد صغيرة ومن ثم تكبر، إلا نهايات تجارب الحب والموت، فهما يبدآن كبيران ثم يصغران، تتجاوز تجربة الحب الفاشلة هازئاُ بزمن لم تكن فيه أنت، زمن أضعت فيه ظلك، واستثمر أحدهم بهذا الضياع، والذي كان مرئياً له دون إدراك منك، و ستكتشف أن لا شيء يُشبه الموت، وأنه لا فشل في الحب يؤدي إلى الموت، وأن خياراتك الخاطئة وثقتك التي وضعتها في غير مكانها، وهدر وقتك و جهدك، وكثير من التفاصيل الأخرى، كل هذا كان ثمناً لدرسٍ كان لابدّ لك أن تتعلمه: لا تزرع بذورك الطيبة، في أرضٍ وعرة وجافة. …وها أنت حي، لم تمت …

عن الحب والاستلاب
* من يحبون تقودهم أرواحهم، النرجسيون تقودهم مصالحهم، فالحب يحول الإنسان إلى كائن خفيف كفراشة، النرجسية تحول الإنسان إلى وحش ضال.
الاستلاب، أحد الكوارث التي تُضيّع حياة البشر أفراد وجماعات، وأخطر أنماط الاستلاب هو ” الاستلاب العاطفي” ..
مع الاستلاب، وحسب القاموس اللغوي يعيش الإنسان: (حَياةَ خُضُوعٍ واسْتِعْبادٍ بِفِعْلِ ظُرُوفٍ اجْتِماعِيَّةٍ ، اقْتِصادِيَّةِ ، أَوْ فِكْرِيَّةٍ ، أَوْ سِياسِيَّةِ خَارِجَةٍ عَنْ إِرادَتِهِ) .
أي هو حرفياً: اِسْتِهْواءٌ ، إِغْواءٌ…
استهواء وإغوء يخضع له الناس، عندما يتركون مشاعرهم وانفعالاتهم تتحكم بهم، وبذلك يتبعون شخص معين رغم كل ما يفعله بهم، أو تتبع جماعة ما جماعة أخرى، رغم تنكيلها بها.
فالاستلاب يجعل الإنسان يخضع لتأثير الآخر، ويُصبح عاجزاً عن السيطرة على نفسه، وكل إرادته تذهب باتجاه الخضوع هذا وتكريسه، وتنفيذ كل ما يطلبه الآخر منه دون تفكير، ولو كان ذلك على حساب نفسه، ومتطلباته الشخصية.
ليس هناك أبشع من استلاب الإرادة.. .
الحب أحياناً يحول بعض الناس إلى مستلبي الإرادة، عندما تضع الحياة في طريقهم شركاء نرجسيون وأنانيون، يتبعون أهواءهم ورغباتهم، ولا يأبهون بأي شيء إلا ما يخدمها، وورطة حقيقية، الارتباط عاطفيا بأحد هؤلاء الأشخاص.
الذليل وفاقد الكرامة، والذي لا يملك أي كبرياء وعزة نفس، وحده فقط من يقبل الاستمرار بهكذا نمط من العلاقات ….
أول ما يفعله الاستلاب بالإنسان، هو اغترابه عن نفسه وذاته.
*في قانون الغابة، صيد الفريسة لا يعني امتلاكها، المُستلِب صياد ولكم في غابة البشر.. حيث لا قانون إلا جشع الكائن البشري وجحوده.

كرم المحبة
* يقولون: وحيدة هي الأيادي الممدودة عن آخرها، بينما أقول:
فقير ومسكين ووحيد، من يٌفرط بمحبةٍ باذخة كمحبتنا، فالحياة لا تمنح الفرص العظيمة، إلا مرة واحدة…
* لا تعشق وهماً، ولديك واقع أجمل منه وأصدق.
يدفعك واقع ما أحياناً، لأن تسقط في بئر الأوهام، ويمنحك الوهم أجنحة من خيال، أجنحة من شمع تذوب كلّما هممت في التحليق عالياً في سماء الحب، بينما يستنبت لك الواقع ريشاً حقيقياً من تحت مسامات جلدك، ويتأنى برعايتها لتكبر وتكبر، إنها عملية قاسية جداً، وموجعة، لأن من طبائع ولادة الأشياء، المرور بمخاضات أليمة… ستتألم كثيراً ثم تنجو..
ثم تتنعم، و تسعد في التحليق عالياً، وأنت تفرش جناحيك عن آخرهما، لثقتك بقوة المنبت، وثبات ورسوخ الرعاية…
لا تعشق وهماً، ومن ثم تجرب أن تطير، لأنك ستسقط بطريقة لا نهوض بعدها…
استفق، استفق فأجمل ما تعيشه هو ما تملكه الآن …
الحب والحرب
في الحب و الحرب، لا أحد يربح، وإن تبجّح طرف من الأطراف بانتصاراته، فالجميع خاسرون، و الجميع مهزومون، والجميع سيمضون ما تبقى من أعمارهم، وهم يلملون بقايا حياتهم المتناثرة، وشتات ذواتهم المُدمرة.
في الحب والحرب، وفي اللحظة التي تظن أنك انتهيت، وإن الأبواب قد أغلقت دون عودة، كلّ منّا سيتمنى بكل برهة، لو أنه فقد ذاكرته، ولو أنه بإمكان أحدهم أن يعيد برمجة عقله وإعادة صياغة شخصيته بشكل مغاير… لكن كل هذا عبث، لأنه يأتي بعد فوات الأوان….
كل هذا ممكن فهمه بالحديث عن تجارب الحب الحقيقية، فكل حاجة أو مصلحة مُغلفة بغلاف الحب، لا يُمكن حسبانها – هي أشياءٌ لا تُشترى – ففي ميزان المال كل شيء قابل للبيع والشراء، إلا الحُب، حتى الرغبات والنزوات العابرة التي يعيشها الناس خلال لحظات فقدانهم توازنهم، وضياعهم، واغترابهم عن أنفسهم، يُدفع ثمنها سلفاً، فغالباً ما يكون ثمن رغباتنا كبيراً جداً.
*مقتطفات من رواية (جسد الخرافة) لخولة حسن الحديد.
*الأعمال الفنية، للفنانة المصرية “نجلاء فتحي”، أعمال مشغولة بالمسامير والألوان.

جميلة جدا تلك المقاربات مابين الأضداد ومايعتريها من تشابه خلق بإلهام وقلم مبدعة..
شوقي ازداد للحصول على الرواية