(الحُبُّ هوَ أنْ تتسلقَ ذلكَ الجبل البعيد الذي لاتراهُ ولايراهُ أحدٌ، وتَسقط علىَ شجرةٍ عملاقةٍ غيرِ موجودةٍ أصلاً، فَتَنجو _ تَماماً _ كما لو أنَّ رصاصةً قَصَدَتْكَ وأخطأَتْ)* الشاعر محمد المطرود.

 حينما تُصبح “الأنا” هي العدو، وليس الآخر كما في الحرب، وعندما تهدم لتبني كما في الثورات، وأن تُعيد الصدفة إعادة صياغة حياتك، وفي أن تمتلك الوعي وإدراك الحدود بين الوهم والواقع، إذ تهبنا مواقع التعارف الإلكتروني الكثير من الأوهام ومنها “وهم الحب” –حسب باديو-، وكيف يُمكن لأمر ما أن ينتقل بالفيلسوف من عالم التنظير إلى عالم الحياة الواقعية، كل هذا وغيره المزيد، يُقدمه لنا الفيلسوف الفرنسي “آلان باديو”، من خلال طرحه مفهوماً مختلفاً للحب في كتابه ” في مديح الحب”.

الحب والوجود الباحث عن الحقيقة

يُبين “باديو” إن الحب معنى وجودي وبحث عن الحقيقة:

(الُحب بحث عن الحقيقية، حقيقة علاقة شيء دقيق جدًّا: ما هو نوع العالم الذي يراه من يُجرِّبه من وجهة نظر شخصين وليس واحد؟ ما هو شكل العالم عندما يُجرَّب ويُطوَّر ويُعاش من وجهة نظر الاختلاف وليس الهويَّة؟ هذا ما أؤمن أنَّه الحُب)، ويُسمي هذا البحث ب“إجراء الحقيقة” فيقول:

(أعتقد بأن الحب هو فعليًا ما أسميه في قاموسي الفلسفي “إجراء الحقيقة”، بمعنى، الخبرة التي من خلالها يشيّد نوعٌ معين من الحقيقة، هذه الحقيقة هي ببساطة شديدة حقيقة الاثنين، حقيقة الاختلاف كما هي، وأعتقد بأن الحب الذي أسميه “مشهدًا من اثنين” هو هذه الخبرة.

 بهذا المعنى، الحب الذي يقبل التحدي ويقبل الاستمرارية، ويقبل خبرة العالم هذه تمامًا، فإنه من وجهة نظر الاختلاف يُنتج، على هذا النحو، حقيقة جديدة حول الاختلاف، لهذا، فإن الحب الحقيقي محط اهتمام الإنسانية كلها دائمًا، بغض النظر عن تواضعه الظاهري، وعن تواريه). ص75 .

يُضيف “باديو” في سياق الحديث عن انشغال الإنسانية عبر تاريخها بالحب، في الفن والأدب والفلسفة: ( لابد أن هناك شيئًا ما كليًا في الحب لكي تثير قصصه اهتمام هذا الجمهور الغفير، إن الكلّي هو أن الحب يقّدم خبرة جديدة للحقيقة حول كيف تكون اثنين وليس واحدًا، فأيًا كان الحب فهو يعطينا دليلًا جديدًا على أننا نستطيع أن نقابل العالم ونختبره بوعي آخر غير الوعي المنعزل).ص76.

* الحب هو مصدر الأزمات الوجودية العنيفة. مثل جميع سيرورات الحقيقة.

 الحب كبناء عالم وحياة متجاوزاُ نشوة البدايات

الحب الذي توجده الصدفة، لا يُعوّل فيه على اللقاء الأول، بل شرطه “الاستمرارية” و”الولاء”، وهنا يوضح “باديو”: (إن الحب ليس ببساطة عن لقاء شخصين وعلاقتهما الداخلية: إنه بناء، حياة تُصنع، لم تعد من منظور واحد منذ تلك الأشياء، بل من منظور اثنين، وهذا ما سمّيته “مشهدًا من اثنين”، شخصيًا، كنت دائمًا مهتمًا بقضيّتي الاستمرارية والسيرورة، وليس قضايا البداية)، ص66 .

( إن اللغز في التفكير حول الحب هو قضية المدة الزمنية الضرورية التي يحتاجها ليزدهر. في الحقيقة، إن النقطة الأهم، أساسًا، ليس قضية نشوة البدايات، بالطبع توجد نشوة في البداية، لكن الحب فوق كل شيء بناء يبقى، نستطيع أن نقول إن الحب مغامرة متماسكة، الجانب المغامر منه ضروري، لكن لا يقل عنه ضرورة الحاجة إلى التماسك، إن التخلي عنه مع أول حاجز، مع أول اختلاف جاد، مع أول شجار، يعني تشويه الحب، الحب الحقيقي هو الحب الذي ينتصر باستمرار، أحيانًا بألم، فوق العوائق التي تقف حاجزًا عبر الزمن والمكان والعالم).ص68.

الحب كولاء

يقول “باديو”: (إن إعلان الحب هو الانتقال من الصدفة إلى القدر، ولهذا فهو محفوف بالخطر ومشحون بنوع من رهبة خشبة المسرح المرعب). ص78.

ثم يبين كيف يُمكننا تجاوز اللقاء الأول كمحض صدفة، بالالتزام بشروط الاستمرارية وتحوّل هذا الالتزام إلى ولاء:

(ليس من السهل على الإطلاق أن تقول “أحبك”. اعتدنا على أن نعتبر هذه الكلمة الصغيرة مبتذلة وتافهة، علاوة على ذلك، نفضّل في بعض الأحيان لكي نقول “أحبك” باستخدام كلمات أخرى أكثر شعرية وأقل شيوعًا، لكن ما نقوله دائمًا: سوف أستخلص شيئًا ما آخر مما كان محض صدفة، سوف أستخلص استمرارية وعناد، وارتباط، وولاء، وهنا أستخدم كلمة “ولاء” ضمن قاموسي الفلسفي الخاص، مجرّدة من معناها المعتاد، إنها تعني بدقة ذلك الانتقال من اللقاء الاتفاقي إلى بناء، بقدر ما هو صلب، هو ضروري على السواء).ص78

الحب كحالة صوفية

يقترب مفهوم الحب عند “باديو” من الموقف الصوفي، فالحب بين اثتين واندماجهما معاً بدون ذوبان أحدهما بالآخر ، وهذا يعني لقاء ذات مع ذات أخرى، وفي تذاوتهما معاً يبقيان منفصلين، ويمنح كل منهما الآخر معنى مختلف لذاته وللآخر، ويعيدا معاً بناء العالم برؤية مختلفة، فهما يقومان بإعادة خلق عالم جديد، وبهذا يختم “باديو” كتابه:

(أن تحب يعني أن تناضل، في ما وراء العزلة، مع كل ما يمكن أن ينعش وجودك في هذا العالم. في هذا العالم أرى أمامي مباشرة ينبوع السعادة الذي يفيض مع الآخر عليّ. “أحبك” تعني: أنت ينبوع وجودي في هذا العالم. في مياه الينبوع، أرى فرحنا. وأرى فرحك أولاً، كما أرى في قصيدة مالارميه:

في الموجة التي تكوّنها

نشوتك العارية). ص124.

  • آلان باديو، فيلسوف فرنسي، من مواليد 1937م، وهو من مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا، من مؤلفاته: الكينونة والحدث، نظرية الذات، و”مديح الحب” والكتاب عبارة عن حوار أجراه معه “نيقولا ترونج” ضمن سلسلة “مسرح الأفكار” الذي ينظمه مهرجان أفنيون، والمقتطفات المذكورة أعلاه من هذا الكتاب.
  • *محمد المطرود، شاعر وكاتب سوري، من مدينة الحسكة، مقيم في ألمانيا، له عدة مؤلفات بيت الشعر والنقد والمقالات ( ثمار العاصفة صدر العام ١٩٩٧ شعر، سيرة بئر ٢٠٠٥ شعر، مايقوله الولد الهاذي شعر ٢٠٠٩، أسفل ومنتصف الحياة شعر ٢٠١١، الحساسية الجديدة في الشعر السوري نقد ٢٠١١، اسمه أحمد وظله النار نصوص ٢٠١٤، آلام ذئب الجنوب نصوص ميتاروائية ٢٠١٩،أرباب أرضيون / مقالات في الثقافة والعطب واللحوء ٢٠١٩.

2 Comments

  1. Nabil Ibrahim April 16, 2020 at 8:20 pm - Reply

    لا أعتقد أن هناك اثنين اتفاقا على تعريف الحب أو استطاع أن يدرك مراميه اللامتناهية ,فمن عرف كنه الله فقد أدرك معنى الحب وهذا هو المحال ,وحيث تجد الله تجد الحب والعكس ,أو كما الكهرباء لا يمكن أن نعرفها لكن نجدها عندما نجد أثرها فقط.
    الحديث يطول ….
    شكرا على هذا الموضوع

    • kmarabia April 16, 2020 at 10:36 pm - Reply

      شكرا لاهتمامك الدائم نبيل، فعليا من الصعب تعريف الحب لأنه تجربة خاصة جدا، ولكن دائما الفلاسفة من أمثال “باديو” يطرحون تصوراتهم عن أمر ما، وأعجبني طرحه لأنه يتوافق مع رؤيتي الشخصية للحب كونه جواب على سؤال وجودي. أشكرك مرة أخرى.

Leave A Comment