ـــ 2 ـــ
بعد عشرة أعوام من بناء كوخ دحام الصفيحي، وصلت أسلاك الكهرباء إلى الحارة، وتغطت نصف بيوت الحي تقريباً، بخطوط الكهرباء التي أنارت قسماً غير قليل من الدروب والأزقة. وبعدها بأقل من عشر سنوات أخرى ـ أي قبل نشوب الحرب بسنوات قليلة ـ لم يعدْ بالوسعِ أن يُشاهَدَ مسكنٌ واحدٌ، حتى لو كان خيمة مصنوعة من شعر الماعز، لم تدخله الكهرباء. أما الجامع الذي بُنيَ في حقبة زمنية مبكرة، فقد بُنيَ بعدَه أربعةُ جوامعُ أخرى، على مراحل زمنية متراخية، وعلى مسافات متباعدة فيما بينها. أما أقسام الشرطة ودوائر الحكومة، والمشافي وأقسام الإسعاف، فلم تُبْنَ نهائياً في حارة الصفيح، وظلّ الناسُ يترددون عليها في المدينة، عند حاجتهم إليها في الليل أو النهار.
في زيارته الثانية فرح زيدان، وشعر بغبطة خاصة. ومكث ضيفاً في زيارة دحام قرابة أسبوع، ثم ارتحل على وعدٍ منه أن يُنهيَ بعضَ الأعمال الضرورية، ليعودَ في أقربِ فرصة، ولكي يسكن مع دحام سكناً نهائياً، مُنْهياً به كل هذا السفر والتشرد، وليلقيَ بسكنه مع دحام عصا الترحال. ومع وعده أنه سوف يعود عاجلاً، خلال أيام أو أسابيع، إلا أن غيبته هذه المرة، طالت حوالي ثلاث سنوات، لا يَعرِفُ أحدٌ أين قضاها.
كانت بانة، زوجة دحام، قد هجرته ورحلت، كما فهم منه، بعد أن أخذت معها طفله ـ الذي سماه عبود ـ والذي ولد خلال فترة غياب زيدان الأول. ثم عادت ثانية، ورمت إليه بالطفل ذات مرة ـ دون أن تجتاز عتبة كوخه ـ وغادرته. ثم رجعت بعد أسبوعين، وأخذت منه الطفل مرة أخرى. وبعد ثلاثة أشهر، عادت وألقت الطفل في حضنه بغضب، صارخةً في وجهه:
ــ خذ.. استلم ابنك..
ورحلت هذه المرة رحيلاً نهائياً. فلم يكترث دحام، ولم يبتئس، لا بانتزاع الطفل منه، ولا عند إعادته إليه. كما أنه لم يخطرْ بباله أن يتساءل أين هي رحلت، ولا أين استقرَّ قرارُها أخيراً. إذ سرعانَ ما نسي الأمرَ برمته، ولم تخطر له على بال. وأثناء زيارة زيدان الثانية، وحين إقامته في بيته مدة أسبوع، خطر ببال دحام أن يسأله:
ــ وأنت؟ ألم تتزوج بعد؟
قال زيدان:
ــ أنا؟
ثم ابتسم بمرارة ساخرة:
ــ لا.. أنا لم أعد أصلح للزواج أبداً.
ثم شرح له مفسراً:
ــ بعد اعتقالي في العاصمة من قبل رجال الأمن، مكثتُ حوالي ثماني سنوات في زنازين جماعية تحت الأرض. هناك تعرضتُ لتعذيب شديد، ولقد خسرتُ أربعة أظافر في الزنزانة، وأُصبعين من أصابع قدمي. ولقد اغتصبوني هنالك عشرات المرات، ثم عقموني عن الزواج بطريقتين: واحدة فيزيائية، وأخرى كيميائية، ولن أقوى على شرح كيف جرت الطريقة. ولا أحب أن أتذكر شيئاً من تلك الأيام، أو أستعيد الحديث عنها.
قال دحام معقباً على الموضوع ببرود:
ــ لا غرابة في مثل هذا الذي حدث لك. تحدث كثيراً مثلُ هذه الأشياء في بلادنا.
فقال زيدان:
ــ الغرابة في الأمر كله، تكمنُ في حرارة الاعتذار مني، حين أطلقوا سراحي بعد ثماني سنوات. لقد أبلغوني أن الأمر كله حدث نتيجة خطأ، بسبب تشابه في الأسماء بين اسمي واسم مطلوبٍ آخر للاعتقال. أطلقوا سراحي، بعد أن منحوني أجرة الطريق وثمن تذكرة الباص الذي سوف يعود بي إلى قريتنا. ولقد قال لي المحقق قبل أن يوصلني إلى باب الخروج:

ــ لا تحقد على الدولة نتيجة هذا الخطأ. أنت إنسان شريف، إنسَ كل ما حصل، ولا
تُحَدِّثْ إنساناً به. أنت تشبه كثيراً ابن أخي الذي توفي العام الفائت. مسكين ابن اخي،
مرض مرضاً غريباً لا شفاء منه، ومات خلال أقل من شهرين. يا إلهي كم أنت تشبهه يا زيدان. حتى كدتُ أن أقولَ إنك هو. (خُيِّلَ إليَّ أنَّ الرجل أوشك أن يذرف دمعة من شدة التأثر). إنسَ الامر، وانقلعْ من هنا بسرعة، لا أريدُ أن أراك أو أسمع اسمك أبداً. ولم ينسَ أن يرفسني بقدمه وأنا أخرج من الباب.
سأله دحام، كمن هو غير مكترث بسماع جوابه:
ــ وعُدتَ إلى قريتكم بعد أن أطلقوا سراحك؟
ــ عدتُ إلى القرية مباشرة. لكنني تفاجأتُ بأن جميعَ أهلي واقاربي قد هجروها بسبب مشكلة ثأر انتهت بجريمة قتل. ووجدت نفسي مهدداً ووحيداً وخائفاً من أن ينالني قِصاصُ أهل المقتول. كما نصحني بعضُهم أن أغادرَ القرية بسرعة، لأن هناك من ينوي قتلي. فغادرتُ قريتنا ليلاً على عجل. أما الحكمَ عليَّ بالإعدام، والذي سوف آتي على ذكره لك فيما بعد، فلقد جاء بعد خروجي من القرية مباشرة. بعدها بحوالي شهرٍ تقريباً.
قال له دحام:
ــ حين تفرغُ من أشغالك جميعها عُدْ إلي. سوف أصحبك إلى دار جمعة الساحر. إنه سوف يشفي كل جراح بدنك ونفسك. كما شفاني أنا تماماً.
ــ لا أؤمن بالسحر والسحرة.
ــ سوف تؤمن.. أنا واثق من ذلك.
ثم أضاف:
ــ لقد شفى رجلاً يُحْتَضَرُ على سرير الموت. وأعاد صبياً إلى الحياة بعد أن خرجت روحه.
قال زيدان بعد تفكير طويل:
ــ لم يعد مصيري يهمني في قليل أو كثير. في خيبة المسعى نعرفُ عَدوَنا أكثر مما نعرفُ أنفسَنا. ويعرفُنا عدوُّنا أكثر مما يعرفُ نفسه.
ثم راح يتحدث، كأنه يخاطب نفسه بتلك العبارات:
ــ في مساحات الجنون التي يُفسِحُها التاريخُ، يصبح قتلُ الناسِ لبعضهم تثاؤباً بريئاً. والتنكيلُ المُفْظِعُ ببعضهم بعضاً جدولَ سعادتِهم، وأغنيتَها الطروبَ. يومئذٍ لا يعلمُ مقتولٌ لِمَ قُتِلَ. ولا يعلمُ قاتلٌ لِمَ قَتَلَ. ويومئذٍ يظنٌ كثيرٌ من الناسِ أن الموتَ ميزة مجيدة، وعادةٌ جميلة، تستحق المفاخرة والخيلاء. وأن الدمارَ بدعةٌ ظريفةٌ لطيفة. والبوارَ نُكتةٌ لماحةٌ وشفيفةٌ.
في مساحات الجنون الجماعي، تَزرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى. ووِزْرَ أختِ الوازرة الأخرى. وجارتِها وقريبتِها ونظيرتِها في الشكل واللون. وشبيهتِها في الاسم ومفترعِ غصنِها، في شجرتها التي نبتت منها، في تلك الكيمياء ينحَلُّ التطهرُ فيغدو عاراً، وينْحَلُّ ما يندى له الجبين، فيغدو فَخَارَاً.
أضاف دحام:
ــ دعْكَ من هذا الشعر الذي لا معنى له. لندعَ النهاياتِ إذن ترسم ما شاء لها أن ترسم. وأن تُقَدِّرَ علينا أفظعَ وأفدحَ ما في النهايات من نهاية.
قال زيدان:
ــ ليغفرَ الموتُ من ذنبنا ما تقدم وما تأخر.
قبل الحرب بوقت طويل، كانت هذه الأرضُ تُسمى أوطانُنا في الماضي. قبل أن تخطفَها الأساطيرُ من بين أصابعنا. وكانت إرثَ آبائِنا وأجدادنا. قبل أن تُعْوِلَ الريحُ فيها كما تُعْوِلُ الجِنْيَّات في شقوق الجبال المهجورة. ثم دارَ الزمانُ عليها، فصارت لغيرِنا. ونحن نلتف بين حراشفِ جلد الصديق، وبين لثامِ العدو. ونحن ندورُ بين الشفاء وحلم الرحيل.
نرتشف قهوة اليائسين. ونقرأ نعيَ قتيلٍ كان يتناول عَشاءَهُ على سُفرةِ العشبِ، قبل عبورِ الحدود. هذه الأرضُ وُلِدتْ من نحيب الخرافات. وأرضعت أبناءَها مما يجودُ به الطغاة من موائدَ ممدودةٍ عند ولاداتِ زوجاتهم وختانِ أطفالِهم. هذه الأرضُ تجلُدُنا عند التخيل. ترجمُنا عند التأمل. ترضعُنا سُمَّها السكريَّ المذاق. ونحن نعبرُها سَفراً وذاكرةً من هشيمِ معاركَ، كانت تدور بين طغاةٍ جيدين وطغاةٍ سيئين. ومُشتَجَرِ حروبٍ بين مجرمين رحيمين ومجرمين قساة. لم نعدْ نذكر منها وفيها، إلا تلويحة الأيدي وهي تُلَوِّح لبعضها بالوداع الأخير. لقد سلخت هذه الأرضُ الحياةَ عن جلدتها، وارتضت بالعدم. وأتلفتها فاتورةُ الآلام الباهضة، بالاسترجاعات الملتاعة.
عاد دحام يقول؛ دون أن يوجه الخطاب مباشرة إلى زيدان، الذي نام على الأرض بقربه، ولم يسمع شيئاً مما قال:
ــ لم يعد في الوسع، ولا كان ممكناً بعد هذا العمر الذي أنْقَضَ ظَهري أن أحزن أكثر. ولا أن أفرح أكثر. ولا أن أغضب أكثر. ولا أن أرضى أكثر. فلقد فاضت كأسُ العمر حتى حافتها. وما بقي ممكناً لي، إلا أن أسفحَ كأسَ العمر فوق التراب. لا أن أبدأ من جديد بالفرح والحزن والغضب والرضى.
*صورة الغلاف واللوحات الداخلية للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
