ـــ 8 ـــ

بعد أن سلَّم التسليمة الأخيرة في صلاة العشاء، التفت الشيخ عبادة، إمام الجامع، إلى المصلين، قبل أن ينفضّوا هاربين من المصلى إلى صحن المسجد، وهتف بهم صائحاً بصوت حاسم:

ــ ليبقَ الجميع في مكانه، فلديَّ ما أريد أن أُبَلِّغَكم به.

في الحق كانت عادة الإسراع في الخروج من الجامع عادة غير حميدة، أملتها في الواقع كثرة سرقة الأحذية أثناء الصلاة، من قبل لصوص متربصين خارج الجامع، لا أخلاق لهم ولا ضمير. فلبث الجميع جلوساً في أماكنهم، ليبدأ الإمام القول:

ـ هنالك أختٌ لكم أرملة، تعيل خمسة أطفال. يمنعها الإيمان والحياء من أن تشتكي أو تنشدَ من أحدٍ عوناً.

ظل الجميع صامتين وهم جلوس، بينما أردف متابعاً:

ـ إنها من تلك الفئة التي وصفها الله عز وجل بقوله: (لا يسألون الناس إلحافاً).

تابع الحشدُ الإصغاءَ بصمت، وأتبع الشيخ عبادة القول:

ـ ومن الذين قال فيهم ربُّنا عز وجل: (يحسبهم الجاهلُ أغنياءَ من التعفف). فمن وجد في نفسه فضلةَ خيرٍ زائدة من مال أو طعام أو أثاث بيت، وأراد أن تُكتَبَ له في صحائفه يوم القيامة، فليسرع في الخيرات، وليتقِ النارَ بأفعال أهل الجنات.

وسرعان ما مُدَّتْ بطانية وسط الجامع كالسماط، وفار الناسُ وثاروا إليها. يُلقون بما تيسر وحضر من مال، حتى أن بعضهم لم يكتفِ بذلك، بل أسرع إلى بيته؛ يجلب منه ما حضر من مال ومتاع، وما تيسر من أطعمة ولباس وأثاث، حتى اجتمع في وسط تلك الصرة الكبيرة بيدرٌ له وزن وشأن من المتاع، وعِدةُ مالٍ ثقيل، وعددُ أثاثٍ كثير.

قال الشيخ عبادة بعدها:  

ـ إن أختكم الأرملة يؤذيها أن يظهر الناس عليها، وهي تتلقى منهم الصدقات، لذلك سوف أوصلُ لها هذا الذي جمعناهُ في غَلَسٍ من الليل، أثناء هجوعِ الناس في بيوتهم ومراقدهم.

تابع عبدو السكير روايته للحكاية، وهو يسرد لدحام وزيدان ما سمع بعض الناس يتهامسون به، وهي تنتقل على الشفاه بين عدد من أفراد حي الصفيح أرادامس: 

وقد أضاف الشيخ عبادة، مشجعاً ومتشجعاً بالنتائج:

ـ تصدقوا في السر.. حتى لا تعلم شمائلُكم ما أنفقت أيمانكم.

ثم أضاف عبدو السكير هذه الملاحظة:

ــ الإشاعات التي بات الناس يتناقلونها عن حرب سوف تحدث. أو شيء من هذا القبيل الذي يشبه الحرب، كما يتقولون، هو الذي سلط الشيطان الرجيم على الشيخ عبادة، وجعله فريسة لضعف نفسه. وقبيل بزوغ فجر اليوم التالي، كانت عربة يجرها حصان قد اصطفت أمام بيت إمام الجامع، فحمل على العربة كل هذا الحمل الثقيل، ثم ركب وانطلق في الدروب الضيقة لا يلوي على أحدٍ وراءه، وهو يجمجم في نفسه ساخراً:

ـ أية أرملة هذه التي سأعطيها كل هذا المال يا سلالة المجانين؟

ثم قال أيضاً:

ـ إنها الحرب. وطالما أنها واقعة لا محالة، رغم أنني لم اصدق منام الحارث، ولا تفسير الساحرة حليمة له، ورغم أنني أشد المنكرين لما سمعت من القوم. غير أنها الحرب. يجب أن نعترف بذلك، وأن لا نكابر. ولسوف أجدد توبتي وأبدأ حياتي من جديد، في مكان بعيد، لا يَستدِلُ عليَّ وعلى مكاني فيه أحدٌ ما حييت.

اعترضه دحام مستفسراً:

ــ وكيف تحَصَّلَ لك أن علمت بكل هذه التفاصيل؟

أجاب عبدو السكير:

ـ الشيخ عبادة هو من حدثني بنفسه بما جرى له. أنت تعلم بأنه يعاملني مثل ولده تماماً. أعترف بفضله عليَّ، وأنه نشأني التنشئة الفاضلة. وعلمني الصلاة، وحفظني القرآن عن ظهر قلب. قبل أن يستميلني الشيطان، وقبل أن أقع في حبائله وأبيعَ نفسي له، وقبل أن أتحول إلى مجرد مخلوقٍ شقي وسكير وشرير.

ثم تابع القول:

ــ وحين تعب الحصان من السير، دخل الشيخ بلدةً بعيدة، يرتاح فيها بعض الوقت، ويسعى بالعلف والشرب للحصان كيما يريحه من تعب السفر قليلاً. جال في أزقة المكان الذي يراه لأول مرة، فقد كان لا يعرف أحداً من أهل تلك البلدة، ولما وقف ونزل عن الحصان، لفت نظره مرأى متسولة على الرصيف، وقد تربعت على الأرض، وفرشت قدامها ـ كعادة كل الشحاذين ـ قطعة قماش مبسوطة كالمنديل، وأطرقت برأسها نحو الأرض كجذع شجرة مقصوص ومنكس.

فشعر الشيخ عبادة بلوعة في القلب، قهرته ودفعته لإلقاء قطعة نقد صغيرة في حضن المتسولة، وعلى منديلها المفترش، وحين قارب الجسمُ الجسمَ، والنظرُ النظرَ، رفعت رأسها نحوه، وصكته بنظرةٍ من نار اشتعلت بها عيناها. التقت العينُ بالعين، واصطخبت النظرةُ بالنظرة كما يقول الشعراء، وكما ينقدحُ حجرُ الصُوَّان بحجرٍ مثله فيلتدعان بالشرر. فسألته الشحاذة بلهجةٍ آمرةٍ موبِخة:

ــ لماذا تأخرت كل هذا الوقت؟

فزع إمام الجامع، حتى أوشك أن يشتمها صارخاً:

ــ يا بنت الكلب!

لكنه انكفأ راجعاً مرتداً عنها، وهو يتساءل:

ــ عفواً.. ما بكِ يا هذه؟ هل تعرفينني أو أعرفُك قبل هذا الساعة؟

صرخت المتسولة في وجهه:                                         

      ـ ألستَ الشيخ عبادة؟ إخرس يا حقير. أنا أنتظر منذ ساعاتٍ، وأنت تتسكع متلاهياً في طريقك كالسكران. هيا ضع الأمانة التي تحملها فوق عربَتِكَ وانصرف بسرعة. انقلع، لا بارك الله بك.

قال لي الشيخ عبادة:

ــ لقد تحسستُ ثيابي في موضع البول، فقد استبدت بي وقتها فكرة أنني قد أكون قد بلَّلت ثيابي. وعندئذٍ أحس الرجل بقوة تُمسك قلبَهُ، ثمّ تلويهِ لياً منكراً، حتى قطفت روحه أو كادت، وأوشكت أن تستلها من بين ضلوعه، وسارع إلى العربة يحمل أثقالها وحمولتها، حتى ركنها بجانب الشحاذة، وسرعان ما سمعها تهتف به غاضبة:

ــ إذهب. انقلع الآن. لا أريدُ أن أراك أكثر مما رأيتك.

سلَّم الرجل المال والأثاث الذي يحمله إلى تلك المرأة الغريبة المجهولة، وتطوح تطوحاً وهو يعتلي عربته، ويقفل راجعاً نحو حارتنا هذه. كانت دموعه تسحُّ، وقلبه يوشك أن ينفجر من الدهشة والرعب. وحين وصل، أَمَرَ الناس أن يجتمعوا في الجامع، ثم راح يقصُّ عليهم ما زعزع نفسه وأفقده عقله، ولم يزد في الحكاية أو ينقص منها شيئاً.  فسأله أحد الحاضرين:

ــ ولكن ما دفعك لأن تفعل كل هذا الذي فعلته؟ وما حملك على ذلك؟

أجاب:

ــ الله. الله وحده هو من تولى الأمر وصرَّف الأقدار بمعرفته.

ــ ألله؟ أم الحرب؟

ــ الله أو الحرب! أحدهما أو كلاهما. الحقُّ أنني لم أعد أدري..

ولما حضر وقت الصلاة، قام من بين وسط ذهول الناس، وشتات أفئدتهم وتفكرهم في الحكاية، فأذَّن للصلاة، ثم وقف فيهم إماماً يرصُّ الصف ويقيم الصلاة. كأن شيئاً من كل ذلك ما حدث أبداً.             

هز زيدان رأسه وقد تأثر بما سمع، مضيفاً هذه الملاحظة:

ـ يبدو أن الحرب التي يتحدثون عنها سوف تذهب بعقول الجميع.

*صورة الغلاف واللوحات الداخلية للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment