ـــ 9 ـــ
كان عويصة يبيع ثمار الكيوي لأهل الحارة، الذين رأوا ثمرة الكيوي وتعرفوا عليها لأول مرة، بوصفها قطعاً أثرية ثمينة، قبل أن يتم تسجيلُها وتداولُها رسمياً في الحارة، على أنها نبات يشبه البطاطا في الشكل، لكنه حامضي المذاق، ضاربٌ إلى الحلاوة قليلاً، وهو من عشيرة التفاح والموز والبرتقال والليمون والمانغا، ولا يمتُّ بأية قرابة لقطع الآثار الثمينة.
وعويصة كان معروفاً بأنه من الجاهلين والأميين غير المتعلمين، الجاهلين، ولكن الأذكياء جداً كما يعتقد أهل الحي. لكنه ارتبط في مخيلة الناس، بأنه هو الكائن الوحيد في الحارة ـ وربما في العالم كله ـ الذي جاء إلى الحياة من دون أب أو أم بشرييَن، فلا أقرباء له بين البشر، وهو ليس من فصيلة البشر، وإنما ينتمي بنسبه الى الحيتان الشريفة المحتد والعريقة الأصول.(الساحر جمعة، وبسبب الصداقة الحميمة التي تربطه بعويصة، كان يشيع في الحي بأن نسب عويصة ينتهي إلى الحوت الذي ابتلع النبي يونس).
كما يُشاع عنه ـ رغم كونه أمياً، لا يعرف القراءة والكتابة ـ بأنه يخفي كتاباً أثرياً قديماً، اشتراه من الغجر العابرين. وفي هذا الكتاب الذي كُتب بلغة لا يفهمها أحد، دونت فيه كلُّ أسرار العالم، وكلُّ ما سوف يحدث للإنسان من مصير في قابلات الأيام. ولم تتح الفرصة لأيٍّ من أبناء الحي، أن يقعوا على مضمون الكتاب، أو يجتهدوا في فك أسراره العاتمة. ناهيك عن أن أحداً لم يرَ هذا الكتاب المزعوم ولو مرة واحدة، فعويصة لا يسمح لأنسان أن يلمسه، بَلْهَ أن ينظر إليه.
ولقد روى جيل الكبار، المتقدمين في العمر، أن عويصة هذا لا أقرباء له في أيٍ من بيوت هذا الحي، ولا أنسباء ولا زوجة له ولا أطفال. ولا يُعرف عمره على وجه الدقة. وهم يؤكدون بأنه جاء من بطن سمكة كبرى، قذفها البحر إلى الشاطىء في إحدى سنوات المحل العجاف. وحين شُقَّ بطنُها، خرج منها جنينٌ بشريٌ، جيء به إلى هذه الحارة بعد ولادته. فكبرَ وتربى وعاش بين أظهر أهل الحارة.
ولقد قال علي عليوي، الذي يعرف نسب كل أبناء الحي، ونسب آبائهم وعشائرهم، عن هذه الرواية، رواية أصل عويصة المتحدر من نسل حيتان بحرية ضخمة:
ــ يبدو أنها صحيحة.
هذه الروايات كان يُهمس بها، ويتم تناقلها مشافهة بوصفها نصف أسرار، لا يجب أن تقال علانية أمام الناس جميعاً. ويقولون أيضاً، إن عويصة لا ينام أبداً لا في ليلٍ ولا في نهار. (لأن الأسماك كما يعتقدون، لا تنام؛ لا في الليل ولا في النهار). وهذه الشائعة الأخيرة باتت بديهية، يستطيع أيُّ امرئ يمكنه أن يراقب عويصة على مدار الليل والنهار، أن يتثبت من صحتها. وذلك لمعرفة جميع الناس بأنه من سلالة أسماك، لا من سلالة البشر.
لقد كان ذلك المخلوق البحري الأصل، عالي التهذيب، ويتحلى بخلقٍ حميد، حتى أن إحدى الفتيات من بنات العوائل الكريمة أحبته ذات مرة، وكادت أن تدعوه لخطبتها، لولا أنها تراجعت وثابت إلى رشدها قبل أن تتورط. ثم رجع لها عقلها، في اللحظات الأخيرة.
كان بيت عويصة وحيداً منعزلاً، لا يرغب أحد أن يدخله. على الأصح يساور الناس خوفٌ مبهمٌ من دخوله. سوى عبدو السكير ـ أقرب المقربين من عويصة، وصاحبه في المجلس، وصديقه الأثير ـ والذي كان يمر به ويجالسه يومياً، ثم يرتحل بعد أن يجبره على دفع مبلغ من المال ـ كإتاوة يدفعها عويصة مكرهاً ـ كلما زاره في بيته. وكان عبدو السكير يتقبل أي مبلغ يهبه له عويصة، سواءً كان كبيراً أو صغيراً، ويسمي تلك الإتاوة التي يجبر عويصة على دفعها يومياً، باسم “دعم العمل الشعبي”. أما عويصة، فكان يقول مدارياً شعوره بالضعف والخوف من عبدو السكير، إذا ما سمع أحداً يتحدث عن موضوع المال الذي يدفعه لعبدو، خوفاً من بطشه:
ــ إنني لا أعطيه المال مكرهاً، بل أشفق على عبدو لأنه يتيم. ولأنه سكيرٌ وضال.
كما كان عويصة قد اعتاد أن يكسب رزقه، من مقايضة أو بيع وشراء بعض الأمتعة القديمة من الغجر. والذين كانت خيامهم محاذية تماماً لحارة الصفيح، وكلما اتسعت الحارة وامتدت بمرور الوقت، كانت الخيام تنزاح تلقائياً قليلاً إلى الخلف، وعلى مستوى مسافة واحدة لا تكاد تزيد أو تنقص، ولا تكاد تلحظها العين المجردة.
بات عويصة يعرف الغجر معرفة وثيقة خلال عشرين عاماً، ولقد سبر حتى مشاكلهم الخاصة وأسرارهم العائلية والشخصية، رغم المشاكل الكثيرة التي كانت تحدث بينه وبين الغجر، من وراء تلك المبايعات والمقايضات في الأمتعة والأثاث، والتي تصل في بعض الأحيان إلى حدود المشاجرات والصياح، وفي حالات نادرة إلى حدود الاشتباك والتضارب بالأيدي.

وفي غالب الحالات كان عبدو السكير، يتدخل بينهم في اللحظة المناسبة، فيسعى إلى فض الاشتباك فيما بينهم وبين عويصة، صارخاً في وجوه الجميع:
ــ عارٌ وعيبٌ عليكم. أنتم بالغون راشدون جميعاً، ولستم أطفالاً حتى تتقاتلوا. والناس جميعاً تحسبكم من أذكى أفراد مجتمع الحارة، والفهيمين فيها.
أو يجبرهم أحياناً بسكينه الحادة، التي طالما اشتهر بها في الحي، أو بشنتيانته اللامعة النصل، على أن يتفرقوا، بعد أن يدفع كِلا الطرفين بعض المال، ضريبة وجزاء بسبب الفوضى التي أحدثوها، قبل أن يتراضوا فيما بينهم كيفما اتفق، وعلى كراهة من الطرفين. ولقد ظل راسخاً في نفس الغجر، حتى آخر يومٍ سكنوا فيه جوار حارة الصفيح، أن عبدو كان طرفاً غير حيادي البتة، وأنه دائم الانحياز لصالح عويصة، فلا يتدخل إلا لمصلحته، أو لمصلحتهما المشتركة. حتى أن بعض الغجر الغاضبين هتف، ذات مرة، بعد واحدة من تلك المشاجرات، في وجه عبدو مستنكراً:
ــ أنت لست حكماً عادلاً. أنت منحاز، وتميل إلى عويصة.
فحزن عبدو من التهمة، وصاح غاضباً:
ــ ماذا تقول..؟ لو علمتُ للحظة، بأنني لستُ حكماً عادلاً بينكم وبين عويصة، أو جال بخاطري شيءٌ مما تقول، إذن لانتحرتُ فوراً ولأنهيت حياتي بشرف كالأبطال. على أن
أحيا بهذا العار.
وبعد أن توطدت عرى الصداقة بين عبدو السكير وزيدان، صار لهما مجلس يومي في ظل الجدار البارد، عند فناء دار دحام. وكان عويصة ينضم إليهما أحياناً، إذا لم يكن لديه من عمل يعمله. يستمع إلى نصائح عبدو وخبراته وتجاربه الواسعة في الحياة. وغالباً ما كان عبدو هو المتحدث الوحيد في ذلك المجلس، أما زيدان وعويصة فمجرد مستمعَيْن.
في ذلك اليوم، من تلك الأيام الهادئة والعادية التي عاشتها حارة الصفيح، قبل أن تنشب الحرب، كان عبدو يحدث رفيقيه الأثيرين، عويصة وزيدان، وهم يرتشفون الشاي بلذة ومتعة خاصة، في ظل الجدار البارد، قائلاً:
ــ يوم كنتُ يافعاً صغير السن، أقرب إلى مرحلة الطفولة، وقبل أن أتحول إلى إنسان شرير وخاطئ كبير، في هذه المرحلة، لم أكن أفارق الشيخ عبادة، إمام مسجدنا، أو أتخلف عن حضور دروسه، ولقد حفظت عشرة أجزاء من القرآن عن ظهر قلب، على يديه، كما علمني كل أحكام الدين وفضائله، وكل أحكام العبادات وسننها.
نشأت نشأة رضية في حضن الدين، وكان يُضرب بي المثل في الفضيلة وحسن الخلق، قبل أن أنحرف، وأتحول إلى إنسان شرير وسيء كما أنا عليه الآن. أما السبب المباشر الذي حدا بي لأن أترك الشيخ عبادة، ومجلس علمه اليومي، فلقد حدثت لي حادثة مع الشيخ عبادة، وأنا فتى صغير.
كان يقرأ عليَّ شيئاً من القرآن، ويشرح لي كيف أباد الله قوم ثمود، ومحق حضارتهم من شدة غضبه عليهم، كل هذا بسبب ذلك الرجل الخاطئ، الذي تجرأ وعقر ناقة القوم. فسرحتْ روحي قليلاً، وغرقتُ في شرود. ثم تساءلت:
ــ هل أباد الأمة كلها بسبب رجل واحد عقر ناقة؟
فقال الشيخ، وقد اغتاظ من سؤالي:
ــ نعم.
ــ وعدَّ ذلك أمراً جيداً يستحقُّ أن يفخَرَ به؟
فرجع الشيخ يقول، وقد ازداد غيظه:
ــ نعم.
قلت:
ــ إذن….. سوف أفعل مثلما فعل اللهُ مع قوم ثمود تماماً. لا أقل ولا أكثر.
فلطمني على وجهي لطمة أطارت صوابي. مما جعلني أقفز راكضاً من مجلسه، وأهرب منه دون عودة. رغم أنه التقى بي بعد بضعة شهور، واعتذر لي بهدوء وأسف، عما بدر منه وقتها، وطالبني بالرجوع إلى مجلس علمه. غير أنني آليتُ أن لا أعود إلى مجلس علمه ما حييت، وأن أختار السبيل التي تعجبني في هذه الحياة.
ثم يستـأنف، بعد أن يرق صوته، حتى ليكاد أن يجهش بالبكاء:
ــ في تلك الفترة كنت أستطيع أن أُحَدِّثَ الناس، وأجيب على أسئلتهم بآيات من القرآن، كما يتحدث بعضهم إلى بعض. ولكن كل شيء يمضي بقدر الله. ومهما يكن من أمر، فإنَّ ذلك تقدير العزيز العليم.
كانت تدهشني ظاهرة، كنت أراها في الأرياف وفي برية المدينة. كنت أرى منظر العدد الكبير من الغنم، والذي قد يصل إلى مئات من رؤوس القطعان، حيث يكون مطلوباً من الراعي يومياً، أن يقوم على حلبها لمرة أو مرتين، فكنت ألقي على نفسي الأسئلة سراً: كيف يستطيع الراعي أن يلمَّ شعث كل هذا القطيع المتراقص، والمتفلت والمتناثر في كل الاتجاهات، فيضبطه، ويحلبه دون عناء أو تعب؟ كيف تنضبط هذه النعاج أمامه؟ وكيف لا تتفلت منه؟ يقيناً لو تُرِكَ الأمرُ لي، ربما لفشلت في إنجاز هذه المهمة، مهمة صف القطيع وحلبه، حتى لو اقتضت مني هذه المهمة ستة أشهر لا ساعة واحدة، كما كان يفعل الراعي في حينها، فكيف يتمكن أن ينجزها هو بهذه الخفة؟
بلى أيها الأصدقاء؛ ذلك ما كان يحيك في نفسي قبل أن أتحول عن طريق الخير والصلاح، إلى طريق الشر والخطيئة. كان الراعي يُحضر حبلاً طويلاً طولاً غير مسبوق في قياسه، مبسوطاً كالشريطة، فيعمد إلى الإمساك بعدد قليل من النعاج، لا يتجاوز الأربع أو الخمس نعجات، ثم يلظمهن متجاوراتٍ بعقدة خاصة به، خفيفة الربط سهلة الفكاك حين ينتهي من حلب قطيعه، وحين يريد أن يطلقه ليرتع ويلعب في كل الجهات، كسابق عهده قبل أن يُربَط استعداداً لحلبه.
كان يكفي الراعي أن يوقع في الأسر، أقل من خمسة بالمئة من النعاج، ثم يكتفي بها ولا يلاحق الأخريات. وهنا تحدث المفاجأة: النعاج التي وقعت في أسر الراعي تشعر براحة نفسية عجيبة، فقد كانت تبدو عليها من هيئتها العامة علائم الاستسلام والهدوء، والاستعداد الكامل للقيام بالمهمة المطلوبة منها. كانت الحالة النفسية للنعاج التي وقعت في الأسر مستقرة فيما يبدو مائة بالمائة؛ وقفتها الهادئة المطمئنة، انعدام الهياج في حركتها، والأهم من ذلك استقرارها في الأسر، وسباتها المطلق إلى حد يثير الدهشة.
والمفاجأة الأخرى، من جهة ثانية، تتبدى في منظر النعاج التي لم تقع في أحبولة الراعي، والمفترض أنها مازالت طليقة: فإنها تهيج هياجاً غير مسبوق، وتصرخ وتثغو وتتكوم حول نفسها بذعر، ومن شدة هلعها تتحول إلى كتلة واحدة متلاحمة متزاحمة، تكاد كل نعجة أن تدخل في بطن الأخرى، وتغيب عن الوجود خوفاً وذعراً.
هنا تبلغ الظاهرة الغريبة ذروتها، ويحدث أنها تكون هي فرصة الراعي التي كان ينتظرها: النعاج الطليقة خارج الأسر، وقد تحولت إلى كتلة واحدة من هذه المخلوقات، تدنو من الأسيرات تتزاحم حولها وتماحكها وتستنجد بها. إنها تطلب حلاً أو خلاصاً منها. كأنما النعاجُ الطليقة تنشد الخلاص لمحنتها من النعاج الأسيرة، وكأنها تتوسل إليها؛ لا العكس. ثم يبدو على النعاج الطليقة أمارات الاستعداد الكامل للدخول في الشباك، والرضوخ لأسر الراعي، الذي يرحب طبعاً بهذه الخطوات التي تساعده على إنجاز مهمته في منتهى السهولة واليسر.
ثم يصمت عبدو قليلاً، قبل أن يلخص الحكمة الكامنة من وراء مشاهداته:
ــ هذا المنظر لم يجعلني أفقد إيماني الكامل بالخير، لكنه جعلني أؤمن بالله في الليل، وأؤمن بالشيطان في النهار. وكذلك كنتُ أؤمن بالله حين يكون الجو صحواً والسماء صافية زرقاء، لكنني أعود وأؤمن بالشيطان كلما تلبدت الغيوم واسودت السماء وقصف
الرعد وأومض البرق. يا أصدقاء؛ ثمة مثل يقول: صحيح بأن الله هو من ﻳَﻬَﺐُ ﺍﻟﻄﻴﻮﺭ ﻏﺬﺍﺀﻫﺎ. وﻟﻜﻦ ﻻﺑﺪ لها ﺃﻥ ﺗﻄﻴﺮ اولاً ﺣﺘﻰ ﺗﺤﺼﻞ ﻋﻠﻴﻪ. ولقد قررت أن أطير كالطيور.
ثم يضيف بعد صمت:
ــ هناك رواية داخلية لهذا العالم في نفسي. أنتظر أن أقرأها منذ سنوات طوال. لم أقرأها حتى الآن. إذ لا يمكن لمجرم كبير مثلي، أن يكون ذا كرامة وشمم.
كما اعتاد عويصة على ارتداء بيجاما من قطن خشن الخيوط، اشتراها من الغجر منذ وقت طويل، وكانت بيجامته تشبه لوحة طبيعية في معرض فني، يرتسم عليها، من كل الجهات، منظر طبيعي لبيت ريفي بين جبال شاهقة، تحفُّ به البحيرة والأشجار والطيور من كل جانب، ووسط اللوحة ظهر فلاح يركب عربة خشبية ذات دولابين، مشدودة إلى حمار. والحمارُ في اللوحة قد ظهر دقيق التفاصيل، حتى لكأنه هو أبرز تفصيلاتها، وباقي المساحات المتوزعة حوله، ملحقات وتفصيلات صغيرة. فكان الفضول والدهشة دوماً ما يدفعان بعبدو السكير إلى تمعن المنظر المنقوش على بيجاما عويصة، وكأنه مأخوذ بروعته وسحره. فكان في كل مرة يلتقيان فيها، يتساءل:
ــ برأيك، ما الحكمة العميقة الكامنة وراء هذا الجحش البديع، والرائع والقوي، وما هو سر اختيارك له هو بالذات. لتجعله يرتسم على ثيابك؟
فكان عويصة يبدي ضيقاً من السؤال، ويقول مغيراً الموضوع:
ــ أنا لم أخترْ صورة هذا المنظر، ولا الحمار المرسوم على البيجاما. بادلت هذه البيجاما مع الغجر مقابل ثلاثة أقفاص عصافير كبيرة، ملونة ومزينة بالخرز. أعطيتهم الأقفاص، فأعطوني بدلاً منها البيجاما. إنها مجلوبة من أشهر مصانع الثياب، القريبة من جبال الكاربات في أوربا الشرقية.
فيهز عبدو رأسه هزة أعجاب وهو يردد:
ــ أنا مشفق من قلة عقلك. أنا على يقين من أن هنالك حكمة عميقة، وسراً خفياً، لا يعرفه إلا الفنان الذي رسم هذه اللوحة. فهناك فكرة كبيرة من وجود هذه العربة والجحش الذي
يجرها وراءه، وسط هذه الطبيعة البديعة والرائعة.
ثم يتغير الحديث فجأة، فيتساءل عبدو:
ــ وماذا اشتريت منهم أيضاً ليلة البارحة؟
فيجيبه عويصة:
ــ اشتريتُ منهم قفير نحل، مقابل منخل طحين، ودفعت فرق سعرٍ، زيادة على المنخل سبع ليرات.
ــ يا للمسكين الساذج. لقد خدعوك واستغلوا غباءك الشديد الذي لا شفاء منه.
ــ أرجعتُ لهم قفير النحل، بعد أن عدت إلى البيت، وتفحصته جيداً؛ لقد غشوني، فقد كانوا يملؤنه دبس عنب أبيض اللون يشبه العسل، وقد طلوه بقليل من العسل الخفيف فوق سطح طبقة الدبس.
ــ وكيف أجبرتهم على إعادة النقود والمنخل؟
ــ لم يقبلوا. تشاجرنا مرة أخرى، وأوشكنا أن يضربَ بعضُنا بعضاً. ثم تدخل شيخُهم الرجل الطيب، الحاج عباس القرباطي، لحل المشكلة. وقد تم حل المسألة بعد أن أعطوني ساعة يد سويسرية ذات ماركة معروفة، فخمة وشهيرة، وإن تكن الساعة معطلة لا تعمل ابداً. ودفعوا لي أيضاً أربع ليرات من فرق السعر، قبل أن يستعيدوا قفير النحل.
هز عبدو رأسه بأسى، متعاطفاً مع صديقه عويصة:
ــ إنهم يستغلونك دائماً بلا شفقة. فهم يعرفون بأنك لا عشيرة لك هنا ولا أقارب، وأنك من سلالة أسماك.
ــ حليمة الساحرة تبعث كل يوم ورائي بالحمامجي فرهود، وهو يعرض عليَّ أن يشتري مخطوطة كتاب الأسرار، مقابل زوج من الحمام القبرصي.
فينصحه عبدو مشدداً:
ــ لا تبادل الكتاب بزوج حمام. الكتاب يعدل ما هو أثمن من ذلك. وفرهود خبيث ولعين، ومعلمته الساحرة أخبث منه. إنه لم يذق طعم سكيني ولا شنتيانتي بعد، ولم أترك له علامة على وجهه، حتى يتذكرني دائماً. أو حفرة تبقى شاهدة على خده أو في جبينه مدى الحياة.
فيقول عويصة بتصميم وثبات:
ــ لا داعي لأن توصيني. لن أبيع الكتاب للساحرة.
ثم يضيف:
ــ هنالك عند الغجر كتاب ضخم ورائع. وهو مجلد بجلد سميك، مليء بصور فخمة وملونة. يقولون إن تاريخ هذا المؤلف يرجع إلى تسع مائة عام مضت. عرضوه عليَّ مقابل ست دجاجات وديك رومي.
ــ واشتريته؟
ــ لا. دفعت فيه أربع دجاجات فقط. فرفضوا العرض. والبازار عليه قائم منذ أكثر من سنتين، وهو يتجدد كل فترة.
*صورة الغلاف واللوحات الداخلية للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
