ــ 14 ــ
في منتصف الليل، جلس عبدو السِكِّير في الشارع، مستنداً بظهره إلى جدار طيني بجانب بصطة خضار أبو تامر الخضري، التي تحتل محلاً ثابتاً فوق مصطبة الخربة القديمة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً. وغرق عبدو في بكاءٍ ومناجاةِ نفسٍ. وحديثِ قلبٍ وإسرار نجوى لنفسه، وهو يُحدث نفسه بلوعة. وفجأة انتبه عبدو إلى وجود شابين يجلسان صدفة غير بعيدٍ عنه، وعلى نفس مصطبة الخرابة القديمة، فانتبه غاضباً، وأخذته العزةُ فجأة، بعد أن توهمَ أن الشابين قد تقصدا أن يستمعا إلى حديثه لنفسه. واهتز كليثٍ هصورٍ جُرِحت كبرياؤه وطُعِن في إبائه ورجولته. فأقبل نحو الشابين منتفضاً وقد نوى الشر، وهتف بهما بتحدٍ وشراسة:
ــ منذ متى وأنتما تتجسسان عليَّ في هذا المكان؟
رفع أحدهما طرف عينه بتثاؤب وسخرية، وقال:
ــ ماذا يريد السكران منَّا أيضاً؟
وقال الآخر:
ــ انصرفْ عن وجهي. انقلع من هنا، فإن ما بنا يكفينا وزيادة. وما كان ينقصنا إلا السكارى والمهابيل بعد منتصف هذا الليل.
صرخ السكير عبدو صرخة اهتزّ لها المكان، وزُلزِلت أجزاءُ جدران الحي التي رددت صدى صراخه، وهو يقفز بقدميه عالياً عن الأرض، ثم صاح مخاطباً السماء في الليل:
ـ يارب. أمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم. يتجسسان على حديثٍ شخصي بيني وبين نفسي، ثم يهيناني ويسخران مني.
وبمثل لمح البصر، سحب شنتيانة ملتفة حول خصره، استلها بخفة ودرابة طالما أتقنها، ثم راح يُرَقِّصُها في الفضاء برشاقة، وهي تلتمع؛ فتضيء كالمراية المتراقصة في عتمة الليل. وجعل عبدو السكير يلف ويدور، والشنتيانة ترسمُ دوائرَ من حولَه، وهو يقترب
مهدداً بتقطيع أوصال الشابين اللذين فزعا من منظر الشنتيانة، فقفزا مجفلين مرتدين إلى الخلف، وقد شعرا بالخوف والخطر، بينما صوت عبدو السكير يلعلع كالرصاص في جوف الليل:
ــ يا خيلَ الله اركبي.. حيَّ على الجهااااااااااااد.. الآن سوف تشتعل الحرب التي يتحدثون عنها.
ثم أضاف مصمماً على شرٍ مستطير:
ــ رحبُّوا بلقاء الله، واستعدوا للرحيل إلى الحياة الآخرة، فلسوف تموتان الآن.
قال أحدُ الشابين، وقد غاص قلبُه وصوته وانطفأ:
ــ يا عبدو، إنما نحن سكارى مثلك، ولا يجوز هذا الذي تفعله.
وقال الشاب الآخر:
ــ لقد رأيناك قبل قليل في نفس الخمارة التي كنت تشرب فيها. في دار قَتِيْلْوْهْ اليزيدي.
وقال الشاب الأول مؤيداً كلام صديقه:
ــ نعم، قَتيْلْوْهْ اليزيدي. الأخوّة في السكر مثل الأخوّة في الرَضاع. ونحن إذن إخوتك في السكر يا أخ عبدو.
صاح عبدو:
ــ كنتما في نفس الخمارة؟ كنتما قبل قليل عند قَتيْلْوْهْ اليزيدي ولم ألحظكما؟ إذن فأنتما تتبعاني منذ وقت طويل؟ وقد آن الأوان لأن تعترفا بأسماء شركائكما، ومن حرَّضكما عليَّ. ومن أرسلكما ورائي؟
ــ يا رجل اتقِ الله، فنحن لم نكد نلحظ أنك كنتَ إلى جانبنا.
صرخ عبدو:
ــ الله أكبر. الآن حصحص الحق. اختارا من بينكما من سيموت بسرعة قبل صاحبه.
سوف أقطِّعكما كباباً وأفرمكما بهذه الشنتيانة.
ثم رفع الشنتيانة في الهواء ملوحاً، وهو يزمجر:
ــ شنتيانتي سميتُها غضب الله، وهي مخلوقة فقط لأمثالكما أيها الجاسوسَين الحقيرَين. والآن. اضربا قرعة فيما بينكما إذا شئتما. وليتقدمْ من بينكما الأشدُّ يأساً من الحياة.
ــ يا.. عبدو.. استمع أولاً لما سنقول..
ــ إخرسْ.. ليودع كلٌّ منكما الآخر. أنتما.. لقد سمعتما القصة كلها على لساني، حين كنت أتحدث إلى نفسي.
ـ أية قصة أيها الأهبل؟ نحن لم نسمع شيئاً.
ــ ثم إنك رجل شهم. أنت مثال المروءة والنخوة يا عبدو.
ـ بلى، لقد كنتما تختلسان السمع، وسمعتما بالقصة من أولها. لا تحاولا أن تؤثرا عليَّ، فلقد سبقت الشنتيانة العَذَل. وسبق غضبي عفوي عنكما.
ــ أقترح أن..
ــ لا تقترح شيئاً. أنتما مقبوضٌ عليكما منذ الآن. ولتعتبرا نفسيكما أسيرين منذ اللحظة. لابدَّ أن تعترفا على شركائكما المتورطين في مراقبتي والتجسس عليّ.
ـ يا رجل أطلق سراحنا ودعنا نذهب، فالناسُ توشكُ أن تستفيقَ، وتخرجَ من بيوتها بسبب صراخك.
ـ إخرس أيها الحقير، وإلا عاجلتك بضربة تفصل رأسك عن كتفيك. رأسك هذا الذي ستودعه على كل حال، ولن تحتاج إليه بعد قليل. هيا اعترفا.!
ساد صمت قصير، قبل أن يقطعه أحد الشابين قائلاً:
ــ إذن دعني أذهبْ إلى البيت لأودعَ أهلي. ــ إخرسْ أيها الكلب، أنت أسير، فكيف تريد أن تذهبَ إلى بيتك؟ تريد أن تفلت هاه..؟ لقد
سمعتما القصة كلها مني، وتريد أن تنفذَ بجلدك حياً؟
ــ أية قصة يا عبدو؟ اتقِ الله فينا.!
ــ ليس من العدل أن نموت قبل أن تقع الحرب! على الأقل امنحنا شرف وفرصة أن نموت بعد أن تنشب الحرب.
صرخ عبدو:
ــ الحرب؟ أية حرب تلك؟ إخرس أيها الأسير. اعترفا بأنكما عرفتما القصة كلها.
قال أحد الشابين:
ــ حقيقة الأمر.. إننا سمعنا القصة، نعم.. لا ننكر ذلك، ولكننا شابين غبيين جداً كما ترى.. غبيين إلى درجة أننا لم نستوعبها جيداً، ولم نفهم منها شيئاً.
أضاف الشاب الآخر:
ــ إذا كُنَّا أسيرين عندك، فمن حقنا إذن أن لا نعترفَ بشيء إلا بعد توكيل محامٍ. كما أننا نطالبك بكامل حقوق الأسرى، حسب ميثاق الأمم المتحدة، وشرعة حقوق الإنسان.
ــ نعم هذا من حقكما بعد الاعتراف. بعد الاعتراف لا قبله. بعد أن تعترفا على شركائكما جميعهم.
قال أحد الشابين، وهو يشير ناحية أبو تامر الخضري، المتمدد على الأرض، وهو يراقب المشهد أمامه بحذر، وعن كثب:
ــ أبو تامر الخضري واحد من شركائنا.
وفجأة هجم عبدو كالبرق الخاطف نحو الخضري، الذي كان يتمدد متظاهراً بالنوم عند بصطة خضاره، وصرخ فيه:
ــ أبو تامر؟ أيها الخائن.. لقد شككت أنك أنت أيضاً عرفتَ القصة كلها.
هبَّ أبو تامر متقياً شنتيانة عبدو، ومجفلاً إلى الخلف. بينما عاد صراخ عبدو:
ــ أبو تامر الخضري.. يا عدو الله وعدو الإنسانية. وعدو جميع شعوب الأرض المحبة للسلام. أنت أيضاً مقبوضٌ عليك.
تمتم أبو تامر بمذلة وخوف:
ــ يا عبدو. رجائي أن تبعد هذه الشنتيانة عن وجهي. واتقِ الله فيّ.
ــ أبو تامر أيها العجوز الأجرب.! أنت أيضاً أسيرٌ عندي ومقبوضٌ عليك منذ هذه اللحظة. فاذهبْ إلى جانبهما بجوار الحائط، وأدرْ وجهك للحائط.
حاولَ أبو تامر أن يتفوَّه بشيءٍ، إلا أن صوت الشنتيانة وهي تُصدِرُ صفيراً مخيفاً في الهواء أدخل الرعبَ إلى بدنه، فأسرع والتحق بالشابين.
مرت هنيهة قبل أن يقول أبو تامر:
ــ هل تسمح لي يا أخ عبدو، أن أُغطي الخيار والنعناع بقماشة مبللة؟
صرخ عبدو بفظاظة:
ــ منذ هذه اللحظة، لا بضاعة ولا خضرة لك. البضاعة مصادرة، وأنت أسيرُ حرب مقبوض عليك.
في تلك اللحظة كان الصوفي الفقير، الدرويش ملّوح، أشهر دراويش الحارة، يعبر الطريق أمامهما. مردداً مدائحه وتواشيحه، التي قلما يستوعب منها أحدٌ في حارة الصفيح أي شيء. مر الدرويش من أمام الرجال، وبصوته الشجي العذب جعل يغني بصوت واضح:
رأيتُ ظبياً، على كثيبٍ .. كشـقِ بدرٍ، إذا تـلالا
فقلتُ: أهلاً، فقال: سهلاً .. فقلتُ صِلْني، قال: تعالا
فقال أحد الشابين:
ــ ها هو ذا ملّوح أيضاً. مَلّوح أيضاً كان معنا، وهو أحد شركائنا.
ــ ومَلّوح أيضاً كان معكما؟ يا للفظاعة..!
صرخ عبدو موجهاً الأمر إلى الدرويش مَلّوح:
ــ ملوح أيها الصوفي المتصنع. أنت أيضاً مقبوضٌ عليك منذ هذه اللحظة. ولا شك أنك قد عرفت القصة منهما. فقف إلى جانبهم. فأنت منذ الآن أسيرٌ عندي، ولا شك بأنك قد سمعت القصة كلها وعرفتها. لا داعي لأن أعيد وأشرح.
همس مَلّوح بصوته الخفيض، وهو ينضمُّ إلى الرجال الثلاثة قرب الحائط، كأنه يرتل نشيداً صوفياً في تكية:
ــ ومَنْ مثلي لا يعرُفُ القصة على حقيقتها؟ بعد أن كشف الله الأسرار جميعها عن قلبي..!
ـ مَلّوح..! إذن فأنت تعترف. والاعتراف سيدُ الأدلة..!
قال ملوح:
ــ ألخيرُ أن نعترف جميعاً أمام إسراف القلوب، قبل أن يَطمِسَ اللهُ على سواد قلوبنا وشقائها. وقبل أن تذهب بنا الحرب، وتلتهمنا واحداً واحداً.
ــ لا خلاص لكم بعد اليوم. واللعنة عليكم وعلى الحرب أيضاً.
صاح عبدو السكير، بينما تابع مَلّوح القول مُعقباً: ــ نعم هذا صحيح. لا خلاص لنا جميعاً، إلا بكثرة الاستغفار والضراعة إلى الله. ولكن.. هيهات هيهات …صرخ به عبدو:
ــ هل قلتَ هيهات يا عدو الله؟ هذا اعترافٌ صريح بأنك سمعت القصة كلها، وتستحقُ أن أطَوِّحَ برأسِكَ بسببه.
ثم صاح بهم جميعاً:
ــ هل بقي أحدٌ آخر، ستعترفون عليه من أفراد العصابة التي علمت بالقصة؟
قال أحد الشابين:
ــ لا لقد اعترفنا لك جميعنا. فهل تكافئني بالذهاب إلى بيتنا بضعة دقائق، على الأقل
لرؤية ابني الوحيد للمرة الأخيرة يا أخ عبدو؟
قال عبدو:
ــ أنا سوف أبعث من يُحضرُه لك، لكي تراه للمرة الأخيرة أيها الأسير. هذا من حقك قبل إنزال القصاص العادل بكم. ولكن هل بيتكم بعيدٌ من هنا؟
رد الشاب الآخر:
ــ يجب عليك أن تنتظره بعض الوقت يا أخ عبدو، حتى يرى ابنه.. إذ.. عليه أولاً أن يتزوج وينجب ولداً، فهو ما يزال عازباً بعدُ.
ـ ماذا..؟ هو عازب وليس له ولد؟ هل تسخران مني أيها الوغدان؟ لكنني مع ذلك سوف أمنحكم جميعاً فرصة. ستكون فرصة العفو الأخيرة. فأنا سوف أعفو عن أيِّ شخصٍ منكم أيها الأسرى المعتقلين، فيما إذا وافق أن يُسمعني أغنية (يا ام العباية حلوة عباتچ).. من يعرف أن يغني هذه الأغنية فقد نجا، ومن لا يعرفها فقد هلك. شريطة أن يكون صوته جميلاً. انتبهوا إلى الشرط جيداً. فوالله إن كان المغني ذا صوتٍ قبيحٍ فإنني سأفلق رأسَهُ بهذه الشنتيانة.
هتف أبو تامر:
ــ الخضرة.. رجاءً يا عبدو. دعني أذهب لأغطيها ثم أرجع إلى مكاني.
قال عبدو:
ــ إرجع يا منافق يا عدو الله. إرجع ولا تبارح مكانك. بسطة الخضرة يا أبو تامر أصبحت منذ هذه اللحظة غنيمة للمسلمين، ولن تنال منها ربطة بقدونس واحدة بعد
اليوم.
أخذ عبدو يترنح ويتمايل، وقد بدا عليه التعب والإجهاد فجأة، حتى أنه أوشك أن يسقط أرضاً، لولا أن استعاد رباطة جأشِهِ بمزيدٍ من الكلفة والجهد، فقال أحد الشابين، وقد تطوع لمساعدته:
ــ هل هنالك من بأسٍ يا أخ عبدو؟ هل تحتاج إلى مساعدة من أي نوع؟
واستأنف الشاب الآخر قائلاً:
ــ نراك لست على ما يرام يا أخ عبدو. بل يا أيها البطل الصنديد عبدو.
جلس عبدو إلى جانب المصطبة مجهداً كليلاً، وطحنته موجة من تعب مفاجىء. وراح يردد بصوت خائر:
ــ لا أيها الأخوة. أبداً. أنا على ما يرام وفي أحسن حال. إنني متعبٌ قليلاً فيما يبدو، وأريدُ أن أخلدَ إلى النوم بعض الوقت. أريد منكم أن لا تغادروا هذا المكان يا أخوتي الأسرى. حتى أستيقظ بعد قليل. سوف أخلد إلى الرقاد لحظات. وبصراحة، لقد بدأت أفكر بالصفح عنكم وإطلاق سراحكم، إذا برهنتم لي على حسن السيرة والسلوك، ولم تهربوا بعد أن أنام. أخلاقي لا تسمح لي أن أؤذي أحداً من الناس.
صاحوا جميعاً:
ــ لك علينا ذلك. لك علينا يا أخ عبدو. تكرم أيها الشهم. أيها البطل الحقيقي. من حقك أن ترتاح قليلاً. نمْ في أمان الله وحفظه قرب بصطة خضار أبو تامر. لنتعاون جميعنا على البر والتقوى أيها الأخوة.. لا على الإثم والعدوان.
تعاونوا جميعاً حتى مددوا عبدو وأرقدوه متساندين قرب بصطة الخضار، وأسرع أبو تامر الخضري ليحضرَ شوالَ قِنَّبٍ كان مرمياً في زاوية البسطة. حيث جعلوه وسادةً وثيرةً ومريحة، تحت رأس عبدو السكير. وخلال دقائق، كان عبدو الذي انطفأ من السكر والشراب وكثرة الصراخ، يغط في نومٍ عميق.
استل أحد الشابين الشنتيانة من يده، وصَدَعَ بالقول، وهو يقلبها بين يديه متفحصاً:
ــ أما أنا فسوف أعتبر هذه الشنتيانة غنيمة لي.
قال الدرويش مَلّوح، معلقاً على الشنتيانة التي انتقلت إلى قبضة الشاب:
ــ إنها أولى الغنائم التي تغنمها قبل أن تقع الحرب.
ــ أستودعكم الله وأترككم في حفظه، وتصبحون على خير جميعاً.
ولحق به رفيقه الآخر، وهو يودع الدرويش مَلّوح، والخضري أبو تامر بالقول:
ــ تصبحان على خير يا زميليْ المعتقل.
فقال الدرويش مَلّوح:
ــ رافقتكما السلامة أيها الشابان، ولتكونا في حفظ الله ورعايته. أما أنا، فسوف أحضرُ الهشيم. عارياً من الأسئلة، مدججاً بالحنين للقاء الله. بعد أن.. بعد أن أتوضأ برماد المدن التي سوف تحرقها الحرب، وبعد أن أسجد في محراب القرى التي سوف تُنهب وتُهجر، وحين سيحجزني عن العبور إلى الوطن برزخُ التيه على صراط العشقِ.
أدنايَ أزلٌ من السجود في وقفتك. وأقصايَ أبدٌ في المعراج إليكَ. لا التيهُ ينجيني من ضرامِ الشوق في الأحداق لرؤياك، ولا أنتَ، كما أراكَ، تراني.
وقيل لي: حين آنسوا في الحيِّ ناراً، لم يبشروا أهلهم. بل اقتحموها. لعلهم يأتون منها بقَبَسٍ أو جذوةٍ. فحفرَ شواظُها جِلدَهُم ولَحمَهُم وعظْمَهُم. ورجعوا دون أن يجدوا على النار هدى.
وقيلَ لي: حَرِّمْ الظلمَ بينك وبين الآخرين فلا تظالموا. وحينَ التفتُّ، إذا بي أرى الآخرين قد غرِقوا جميعاً وصاروا في لجة البحر. ولم يبقَ إلا الظالمين وحدهم من حولي. وأنا وأنت.. كلانا لبعضنا هادمٌ وكلانا باني. وكلانا لبعضنا منصفٌ وجانٍ.. وكلانا مبعِدٌ ومبتعدٌ ودانٍ. وكلانا مريضٌ ومسعفٌ. تقودني إليكَ ضلالتي وغفوتي. وتُبعدني عنك صحوتي وصلاتي وصبوتي. لم يبق لي إلا شبح الحرب يلوح، وإلا أن أشهدَ بأنّي أنت. وأشهدَ بأنّك أنا. وأني واحد وثاني. وأنّكَ واحدٌ وثاني.
وقيل لي: إذا ارتثت الحال فاذهبْ إلى كلِّ ما هو غيرُ ممكن.
ثم التفتَ الدرويش ملّوح إلى أبو تامر الخضري قائلاً له:
ــ لا تغضب مني، ولا تنزعج. فإنني أفتش عن هدوء الضمير وسلامة الإيمان وراحة
القلب.
فقال أبو تامر الخضري:
ــ إذن فلتفتش عن هذه الأشياء بعيداً عن بصطة خضاري.
ــ وأين برأيك أجد باب السكينة والرجاء، والرحمة التي تقودني إلى أكناف الله ورحابه الواسعة..؟
أشار له أبو تامر الخضري بسبابته اليمنى، بعيداً، نحو منعرجات حارة الصفيح التي يسمونها أرادامس، والتي جللها ظلام الليل، قائلاً:
ــ أنظر هناك.. هناك.. إذهب من هذا الاتجاه. حتى آخر منعطف على اليمين.
*صورة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
