-18-
بعد زيارة زيدان ودحام لمنزل الساحر جمعة بيوم واحد، جاءت دورية من عناصر “الأمن العام”، كما عرَّفوا أنفسهم، وراحوا يسألون الناس سراً، عن العمل المتواصل الذي بدأ في تشييد المقهى في هذا الحي، من الفخار والتنك وأعواد الزل، وتحرُّوا إن كان هنالك أعداء من خارج البلاد، يكيدون مكراً للأمة، ويتربصون بالدوائر للدولة، هم من يدفع إلى تشييد المقهى، وذلك لتجميع الشباب الناقمين في المدينة، على السلطات في البلاد.
كانت الدورية مكونة من رقيب أول وثلاثة عناصر، يستقلون سيارة قديمة الصنع. وكانوا يسجلون ملاحظاتهم على أوراق خاصة، ويحققون مع السكان، أو يستفسرون عن أشياء وأحداث قديمة، ربما نسيها معظم الناس. ولقد استفسروا كثيراً عما يتم تبادله من أحداث وأحاديث في خمارة قَتيْلْوْهْ اليزيدي، وعن المرأة ـ ذات الجمال الساحرـ سعاد الأرملة، التي تسكن وحيدة مع ابنتها الطفلة الوحيدة دعد، وهل هي تمارس الدعارة سراً أم علانية؟
ولقد تحققت دورية الأمن من حقيقة أخرى أشد غرابة. فقد تكشف لهم بأن سعاد كانت، في حقيقة الأمر امرأة مطلقة، وليست امرأة أرملة، كما هو معروف وشائع في الحي. وتأكد لهم بأن سعاد، إنما هي من أشاعت عن نفسها ذلك، لأن أهل الحي يبجلون الأرملة ويحترمونها كثيراً. بينما لا يضمرون المشاعر نفسها للمطلقة، بَلْهَ أنهم قد ينظرون إليها باحتقار.
وأكثر ما أدهشَ أهل الحي في أسئلة الرقيب أول ومساعديه، أنهم كانوا يدوِّنون بعض المعلومات عن أناسٍ ماتوا منذ زمن بعيد. فلفت بعضهم نظر الرقيب أول، إلى أن هؤلاء قد ماتوا منذ عشر سنوات، أو حتى خمس عشرة سنة. فأجابهم الرقيب أول باعتداد نفس:
ــ نعلم أنهم ماتوا منذ زمن. لا تتفاصحوا وتتذاكوا علينا. المسألة أننا نريد أن نستكمل ملفاتهم، والمعلومات الناقصة في أضابيرهم منذ سنين. قبل أن نختمها ونحفظها في
المستودع. هذا كلُّ ما في الأمر.
فصاحت فيهم امرأة مشتهرة بالنفاق بين أهل الحارة:
ــ أطلبُ من الله أن يُكثِرَ من أمثالِكم في حارتنا.
فحدجها الرقيب أول بنظرة مُزْوَرَّة، وقال ممتعضاً:
ــ إنكِ تطلبين من اللهِ شططاً يا امرأة.
كما استفسروا مطولاً عن غريب الرداد، الذي يخرج كل صباح للبحث عن ابنه الذي أضاعه قبل نصف قرن، وهو يمتطي حصانه حين يخرج من بيته صباحاً، فلا يعود إلا بعد غياب الشمس. أما عبادة، شيخ الجامع، فلقد أبدوا شكوكاً وريبة زائدة بأمره، حتى خُيِّلَ لمعظم الناس، لكثرة ما استجوبوهم عنه، بأن إمام الجامع يقود مؤامرة سرية خطيرة، سوف تشعل الحرب، وتقود البلاد إلى حافة هاوية.
ومع أن الناس جميعاً أبدوا دهشتهم، وأجابوا بأن إمام الجامع شخصٌ بسيط، ولا يكاد يعرف أحداً خارج الحي، ولا يُتصور منه أي شيء من هذه الشكوك التي تدور حوله، إلا أن رجال الأمن قد سجلوا الشهادة الوحيدة عن الشيخ عبادة، والتي ادلى بها فرهود الحمامجي حين قال لرجال الأمن:
ــ نعم كنتُ أشك بذلك. وكنتُ أتوقع منذ زمن طويل، أن الشيخ عبادة يقود مؤامرة يدبرها مع متآمرين حاقدين، من خارج البلاد.. للأسف.
ولما سألوا فرهود:
ــ وهل تتوقع أن هنالك صلةً ما، بينه وبين الحركات الوهابية، أو الاستخبارات الأمريكية؟
أجاب متأسفاً:
ــ نعم. هذا صحيح، ولقد كنت أشك في ذلك منذ زمن بعيد.. للأسف.
وحين بلغ الشيخ عبادة أن رجال الأمن قد أفاضوا في السؤال عنه، أكثر من سؤالهم عن الآخرين، اضطرب. وانفتحت عيناه انفتاحة تجمع ما بين الخوف والغضب. ثم أسرع نحو منزل عويصة وهو يلهث، وطلب منه بطريقة تشبه إصدار أمر محتم التنفيذ:
ــ أريد منك أن تعطيني الكتاب السري الذي اشتريتَه من الغجر، والذي دُوِّنَ فيه كل شيء عن المستقبل. سأطّلع عليه الليلة، وأرده لك فور الانتهاء منه.
وحين استفسر منه عويصة عن سبب كل هذا الهجوم، وكل هذا الاضطراب، والرغبة المباغتة في الاطلاع على الكتاب، لم يزد الشيخ عبادة على أن قال بلهجة راثية وباكية:
ــ أريد أن أطمئن على مستقبلي، وماذا يخبىء لي القدر.
ثم أضاف:
ــ الموضوع لم يعد مزحة. ملفي كاملاً صار في متناول رجال الأمن والدولة والسلطات.
فأصر عويصة، بعناد شديد، على أن لا يعطيه الكتاب، بل ولا حتى مجرد أن يسمح له أو لغيره بلمسه، أو حتى رؤيته من بعيد. وحجته في ذلك أن يميناً عظيماً سبق منه أن لا يُطلِع أياً من البشر عليه. فصرخ الشيخ عبادة من اليأس، وهو ينظر إلى السماء، كمن يخاطب الله:
ــ يارب! هل خلقتنا اعتباطاً بين الغباء والدناءة؟ ثم أسلمتنا لكل هذا السير السريع، والتخبط في المجهول وعدم الوصول؟
فانكسر قلب عويصة قليلاً. شاطره كل ذلك الحزن والإحباط الذي شعر به، وقال مردداً:
ــ لو كان اللهُ رجلاً مثلنا، يسمعُنا ويتحدثُ إلينا، إذن لتحدثنا إليه. ولشرحنا له كل ظروف هذه الحرب التي سوف تجتاح حارتنا، وتقتلعنا بلا شفقة؟
ثم إنه، حين وجد كل هذا الجزع، قد تبدى على معالم الشيخ إمام الجامع، بادر لأن يتعاطف معه قليلاً. فقال بإيجاز:
ــ إذا وقعت الحرب حقاً، فسوف أبيح الكتاب السري لجميع أبناء الحارة. يقرأون فيه مستقبلهم ويطلعون عليه.
ثم أضاف:
ــ هذا إذا لم أبعْهُ قبل ذلك التاريخ للغجر. مدفوعٌ لي فيه، حتى اليوم، ثلاث نعجات وببغاء وتسع مسابح من خرز الكهرمان الطبيعي. ومع ذلك، لم أوافق على الثمن.
ورغم شهادة الشيخ حمزة، التي نفى فيها مزاعم فرهود وأكاذيبه، وقوله لرجال الأمن، بأن فرهود، إنما صرح بهذا القول لأنه، هو و”معلمته” الساحرة حليمة، يضمرون كراهية لشيخ الجامع منذ وقت طويل، إلا أن عناصر الأمن لم يتراجعوا عن تسجيل شهادة فرهود كتابة في أوراقهم، وتثبيتها كشهادة مهمة.
وأكثر ما كان يقلق عناصر الأمن كما بدا واضحاً، هو أنهم علموا بأن عويصة يتبادل بيع وشراء كل أنواع البضائع والمشتريات، مع الغجر المحليين والغجر العابرين، وتساءلوا طويلاً إن كان من بين الأشياء التي يتم تبادلها أو شراؤها أسلحة أو ذخائر. وما الصلة التي تربط شيخ الغجر، عباس القرباطي بعويصة؟
وحين كان عناصر الأمن يستفسرون عن أسلحة محتملة، تم بيعها أو شراؤها من الغجر، تأكد الناس جميعاً، وبما لا يقطع بريب، أن الحرب قادمة لا شك فيها. وأن منام الحارث قد قاربت أيامه، وهو على وشك التحقق. أما زيدان، وبعد أن تأكد لهم بأنه كان طالباً في الجامعة على وشك التخرج، وأنه قضى في المعتقل بضعة سنوات، تحت شبهة قضية سياسية لا يُعرف ماهي؛ بل ولا هو نفسه يعلم حتى اليوم ماهي تهمته، فلقد فتحوا معه تحقيقاً مطولاً دام أكثر من ثلاث ساعات قبل انصرافهم، وقد وعدوا أهل الحي بأن التحقيق لم ينتهِ بعد، وأنهم سوف يتابعون التحقيق لتسعين يوماً آخر بعد ذلك اليوم.
*صورة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
