ـــ 19 ـــ
جاءت العمة، المعلمة ليلى، صباحاً إلى بيت دحام. لم تلج إلى الغرفة التي جعلها دحام صالة رئيسية، وإنما وقفت في فناء الدار، وهتفت قائلة بطريقتها الصارمة التي تعود دحام عليها:
ــ سوف أتغيب عن بيتي بضعة أيام. عليك أن تنتبه إلى ابنك الطفل خلال فترة غيابي.
وقبل أن يستوعب دحام ما الذي ينبغي عليه أن يقوله أو يفعله، كانت المعلمة ليلى تفسر له الكلام:
ــ أدري بأنك سوف تقترح عليَّ بأن أصطحبه معي. لكنني لن أفعل. سأزور أخوالي في مدينة بعيدة، ومن الصعب أن أصحبه معي في سفري هذا.
لم يزد دحام على أن تمتم بخضوع واستسلام:
ــ حسناً.
ــ لا تقل حسناً. فأنا أدرك سلفاً كم سيجوع ويتعذب هذا الصبي، بسبب وجوده معك خلال هذه الثلاثة أو الأربعة أيام.
ــ أفهم ما تقولين.
ــ لا تقل أفهم ما تقولين. فأنت لا تفهم شيئاً في الحقيقة. ولكنني أضع كل الملامة على الطبيعة والقدر. ليس عليك أنت، ولا على أمه؛ تلك التي..
ــ صحيح.
ــ لا تقل صحيح. وهل أمثالك يفرقون بين الصحيح من غير الصحيح؟ كنت ألوم نفسي في الماضي أنني لا أكلمك أبداً. والآن أصبحت ألوم نفسي لأنني كنت ألوم نفسي.
ــ كلنا نلوم أنفسنا أيتها العمة. كلنا..
ــ ترى ما سوف يكون مصير هذا الصبي المسكين، فيما لو وقعت الحرب حقاً؟
في ذلك الصباح نفسه، عاد رجال الأمن أنفسهم، الرقيب أول ومرافقوه الثلاثة، إلى الحي، ليستكملوا “دراستهم الأمنية” التي بدأوها عن الناس هنا. لكنهم قضوا سائر هذا اليوم عند مضارب الغجر. دخلوا خيام الغجر خيمة خيمة، ولم يتركوا تفصيلاً صغيراً أو كبيراً يتصل بشؤونهم لم يسألوا عنه ويدونوه.
أثناء ذلك، كان عباس القرباطي، شيخهم وكبيرهم، وأقرب أصدقاء دحام، قد نزل من على دراجته النارية، ودخل بيت دحام ليشربا القهوة معاً، كما اعتاد دوماً. وما إن صار داخل فناء دار دحام حتى هتف، وكأنه ينقل بشارة مفرحة:
ــ انتهى التحقيق معنا. لقد ذهب رجال الأمن.
ثم أضاف باستبشار:
ــ يقولون بأن المقهى الجديد في الحي، سوف يُفتتح بعد أسبوع.
تذكر دحام في هذا اليوم، كيف بدأت معرفته بهذا القرباطي النبيل، قبل سنوات طويلة خلت، وذلك بعد أن دفع للشاب، مالك الأرض، ثمن أرضه، قال له هذا الأخير:
ــ أنت يا دحام، سوف تكون وكيلي عن المقاسم، في تصريف أي عمل حالَ غيابي، وفي كل بيع يحدث في هذه البرية الخالية. ولك مطلق الحرية أن تساوم، وأن تنهي الاتفاقات مع الراغبين بالشراء. ولسوف أهبك مبلغاً من المال، سيكون حصتك من كل بيع تنجح في إبرامه.
وحين عرَّفه أحد الأصدقاء على عباس، قال له:
ــ هذا هو عباس القرباطي الذي حدثتك عنه. رحبْ بالتعرف على مثل هذا الرجل، ولن تندم أنك عرفته يوماً ما.
فرحب دحام بالرجل الخمسيني الهادىء والبسيط، وخلال دقائق، كانا قد دخلا في مساومة سريعة وشكلية، حول رغبة عباس في شراء أحد المقاسم لبناء دار عليه، انتهت
بسرعة نسبية، بقبول الطرفين على توقيع عقد شراء مقسم سكن معد للبناء في الحارة، وأرسلا في طلب الشاب صاحب الارض، ثم وُقع العقد، ودفع عباس ثمن المقسم كاملاً، فتم تسليم المقسم لعباس.
وقد شرح عباس القرباطي أوضاعه التي يعيشها، بعد أن انتهوا من إبرام العقد، قائلاً:
ــ أنا رجل غجري قرباطي. أسكن مع عائلة كبيرة في خيمة على أطراف المدينة، والخيمة لا تكاد في الوسع تتسع لنصفنا. فلديّ أولاد كبار متزوجون، ومعهم زوجات وأولاد. وأنا مضطرٌ إلى البناء والسكن بالسرعة القصوى.
تفهم الجميع موقف عباس، وسلموه المقسم محدداً بحدوده المتفق عليها. في ذلك اليوم، كان ينتظر دحام في الحارة شيء أشبه بمظاهرة احتجاج، أخرجت معظم السكان المجاورين للمقسم الذي اشتراه عباس القرباطي، احتجاجاً على هذا البيع.
خرج الناس غاضبين، وتجمعوا بجوار المقسم الذي تم الاتفاق على بيعه لعباس، قبل ساعات. ثم انتحوا جانباً بدحام، وصرخ فيه أحدهم على حدة، قائلاً:
ــ الناس جميعاً غير موافقين على البيع الذي أبرم قبل قليل مع هذا القرباطي. وهم يرفضون مجاورته تحت أي ظرف.
وسمع دحام آخر يقول:
ــ لن أسمح له أن يجاورني، أو يسكن بجانب بيتي، إلا على جثتي. سأجعل الرُكَب تغوص في الدماء قبل أن أسمح بذلك.
وقال ثالث:
ــ كيف نأمنُ على بناتنا وأعراضنا، وقد أصبح لنا جيران من القرباط؟
وقال رابع: ــ هؤلاء لصوص، لا مورد لهم للعيش، إلا من سرقات المنازل. فهل سيجبرنا على قتله ودخول السجن حمايةً لبيوتنا؟
وقال خامس، وقد انتحى جانباً بالشاب صاحب الأرض ودحام، ثم همس قائلاً:
ــ هذا موقفي الشخصي، وموقف جميع أهل الحي. إذا كنت محتاجاً إلى المال، أو محرجاً بسبب إنفاقك ثمن مقسم الأرض الذي أعطاه لك هذا الغجري، فسوف نجمع لك ثمن المقسم منَّا جميعاً، حتى يأتي صاحب النصيب فيشتريه. وعندئذ تسدد لنا مالنا. فردَّ له مالَه وافسخ عقد البيع.!
وقال سادس:
ــ سوف يزدهر البغاء، ويعلو شأن الدعارة في حارتنا بعد اليوم، ولسوف ننام على أصوات الطبل والمزامير حتى طلوع الشمس.
وقال سابع:
ــ أَنُسَاكِنُ الغجر ونصبح جيرانهم آخر العمر؟ يالها من نهاية تستحق إشفاق المشفقين ورثاء الراثين.!
تذكر دحام كل تفاصيل ذلك اليوم. وكيف شعر عباس القرباطي بالاضطراب والانكسار والحرج الشديد، ثم قال لدحام بعد أن انتحى به جانباً:
ــ لا تثريب عليك. سأرفض السكن إلى جوار أناسٍ يرفضون جيرتي، ولا يرحبون بأن أكون بينهم.
قال دحام رافضاً تردده وتراجعه:
ــ أما أنا فسوف أصرُّ على أن تسكن. ولسوف أساعدك حتى في تأمين العمال ومواد البناء، والاشتغال على بناء المنزل بسرعة، من أجل إيواء عائلتك.
قال الغجري، وقد بدا منكسر الخاطر حزيناً:
ــ إذا كان مالك الأرض مُكرهاً، أو مضطراً لهذا البيع، أو تصرف بثمن المقسم وأنفقه، نستطيعُ أن نتفق على تمزيق العقد وإلغاء البيع، والمبلغ لا أريده منه في الوقت الحاضر. ليسدده لي متى شاء. لكن كرامتي تأبى أن..
أجابه دحام:
ــ بل إن ثمن المقسم ما يزال على حاله، وكما استلمه المالك. لكنني، أنا شخصياً، سأرفض الاستجابة لنزواتهم، ولن أتراجع عن البيع.
تم البيع على كراهية وفساد نفوس جميع جيران عباس القرباطي، ووفى له دحام بما وعد به، وصار دحام بعد ذلك عوناً وظهيراً له في مرحلة بناء منزله، حتى انتهى من مراحله الأخيرة بيسرٍ وسهولة، وانتقل ليسكنه هو وعائلته الكبيرة المؤلفة من أولاده وزوجات أولاده وأحفاده.
بعد ذلك، مضى أكثر من سنة على الحادثة، وبالكاد عاد يتذكر دحام شيئاً من تفاصيل ذلك اللقاء الأول الساخن. لقد نسي معظم التفاصيل الصغيرة التي أشعلت مشاعر احتقانٍ وغضبٍ بين مجاميعَ من ذلك الحي الصغير وبين عباس القرباطي. وبعد مرور العام الأول على إقامة عباس في الجوار، لمس دحام أن شيئاً ما، بل ربما أشياء كثيرة، قد تغيرت فيما يخص عباس القرباطي وجيرانه المجاورين. ليس يُدرى ما الذي تغير، لكن الانطباع الأولي يقول بأن أهل الحي باتوا أكثر من مرتاحين، أو متوافقين في انسجامهم مع جارهم عباس.
وصادف أنَّ أحدهم كان يتحدثُ إلى دحام، عن موظفي الكهرباء، وكيف جاؤوا إلى بيته ذات يوم، بعد العصر، وبسبب تراكم أجور فواتير الكهرباء، فككوا العداد وقطعوا عن منزله الكبل الرئيسي. فقال له ذلك الرجل:
ــ لم أعرف كيف سأتصرف حتى اليوم التالي، فلقد قُدِّرَ عليَّ أن أمضي الليل في ظلام دامس. لم يتحمس أحد ليوصل لي خطاً احتياطياً مؤقتاً من بيته إلى منزلي، حتى أقطع ذلك الليل بطوله على نور وخير. وحده عباس القرباطي، وفقه الله في الدنيا والآخرة، هو من جاءني، وعرض عليّ أن يوصل لي الكهرباء من عداد منزله إلى منزلي مباشرة. لا.. بل أكثر من ذلك، فلقد جلب كبل الكهرباء الطويل جداً من عنده، وأحضر معه الكهربائي الذي قام بالتوصيل. نوَّرَ الله قلبك وقبرك يا عباس القرباطي.
وقال له آخر أيضاً، وهما على حدة:
ــ منذ أيام، كانت زوجتي تعاني من آلام المخاض، وتعسَّرَ لديها الوضع. هُرِعْنَا إلى مشفى خاص للتوليد في المدينة. وكان الوضع حرجاً ومعقداً، فلقد أخبروني بأنها تحتاج إلى عملية قيصرية. ولم أكن أمتلك في جيبي حتى أجرة التاكسي التي أقلتنا إلى المشفى. وشعرت بقهر وجزع قلما شعرتُ بهما في حياتي. أوشكتْ روحي أن تفارق بدني من شدة ضغطها. حتى فوجئت بعباس القرباطي مفاجأةً. لست أدري كيف شعر بي، ولا كيف أحس بمحنتي. انتحى بي جانباً، وبعيداً عن الناس، ودسَّ في جيبي ـ في الظلام ـ رزمة أوراق مالية، وهو يهمس محاذراً أن لا يسمعه أحد:
ــ هذه خمس وعشرون ألفاً.. تدبرْ أمر زوجتك فيها على وجه السرعة. وسوف تردها لي متى ما تغيرت عليك الأحوال، وسهل الله أوضاعك المالية. أسرعْ إلى المشفى ولا تتباطأ أكثر من ذلك.
وقال له رجل آخر:
ــ منذ أشهر وَلَدَت زوجتي طفلة مريضة، ما لبثت أن توفيت الطفلة في اليوم التالي. تصور يا أخي أن الناس لا يعدُّون الخدج والولدان الحديثي الولادة، المتوفين، شيئاً يذكر. لم يساعدني أحد في الحي في دفنها إلا عباس القرباطي. لم يعزِني أحدٌ بها إلا عباس القرباطي. لم يُولم لي، أنا وعائلتي، طعاماً أحدٌ من جيراني، إلا هو..
وقال له آخر:
ــ هل تعلم أن أهل هذه الحارة أحفاد زنادقة؟ لا أحد يرافقني وقت صلاة الفجر منهم إلى الجامع. ولا أحد يوقظني من النوم قبل الصلاة إلا عباس. فهو طارق بيتي الوحيد كل فجر، ليتأكد من استيقاظي، وهو رفيقي الوحيد فجر كل ليلة إلى الجامع.
وقال رجل آخر:
ــ حدثت مشاجرة بين أهل الحارة منذ شهور، وحمل فيها الناس السلاح ضد بعضهم بعض، ولم تكد تجد من يتدخل لإصلاح البين بين القوم. كادوا يقتلون بعضهم لولا عباس القرباطي، الذي حجز بينهم وأصلح ما بين الجميع. عباس القرباطي رضي الله عنه.
وسمع دحام حكاية أخرى من أحدهم تقول:
ــ داهمتْ دورية الشرطة العسكرية بيتنا. كانوا يبحثون عن ابني الذي فرّ من الجيش، فاختبأ الشاب في المنزل، وأيَقَنَّا أنهم سوف يفتشون المنزل، وسيعثرون عليه لا محالة. لم أدرِ كيف أختفى من المنزل. لقد أفلت من بين أيديهم كما يذوب الملح في الماء. ثم لم أعْتِم إلا وعباس قد بعث زوجته وأولاده يلهونهم قليلاً عنه، حتى تمكن من إخراجه خلسة من وراء الحائط، وأدخله إلى منزله وأخفاه.
بعد أن مضت بضع سنين، جاء عباس لمقابلة دحام، واستشاره في موضوع بيع منزله الذي بناه.. قائلاً:
ــ عائلتي أصبحت كبيرة بشكل لا يطاق، ولم يعد البيت يتسع لنا جميعاً. ولابدّ من حل لهذه المعضلة؛ إما بيع المنزل وشراء منزل أكبر منه، ليتسع لي ولأبنائي، أو.. شراء منزلين صغيرين بثمنه، يتسعان لي ولأولادي. ولستُ أرى خياراً سوى ذلك، لحل معضلتي.
وحين سمع أهل الحي بأن عباس يريد بيع المنزل، هاجوا جميعاً، وتظاهروا قريباً من تظاهرتهم الأولى، يوم قرر السكنى بجوارهم. ورفضوا أن يرحلَ من جوارهم بأي ثمن، وتحت أية ذريعة وسبب. يومذاك وصل دحام برفقة عباس إلى الجمهور الذي احتشد قريباً من منزل عباس. وإذا بالناس قد اجتمعوا على رأي ومشورة، وقد قرَّ قرارُهم الأخير على القول:
ــ سوف نشتري بيتاً صغيراً لعباس القرباطي، يُسْكِنُ فيه بعض أولاده. وسنساعده إذا كان ينقصه بعض المال لشرائه، لكننا نرفض أن يغادر جوارنا تحت أي ظرف. عباس جارنا حتى نهاية العمر، ولا يمكن أن نتخيل حارتنا، وقد استمرت فيها الحياة على وضعها الطبيعي من دونه.
يومها مال عباس على أذن دحام، وهمس فيما يشبه التأثر:
ــ إنا لله.. كيف يمكن للمرء أن يدَّعي، وهو واثق كل الثقة بنفسه؛ أنه يعرف الناس معرفة وثيقة؟
فابتسم دحام طويلاً، وأجابه:
ــ آفة البشر في النسيان. وأخشى يا عباس، إن طال بنا العمر، وامتدت بنا هذه الحياة أكثر، أن تتحول أنت في مخيلتهم إلى مسيح موعود أو مهدي منتظر.
*صورة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
