ـــ 20 ـــ

بدأت المظاهرات السلمية المنددة بالسلطات، ثم راحت تتوسع شيئاً فشيئاً، حتى تمددت وغطت الأحياء الهامشية المحيطة بالمدينة، راحت تتدافع كل يوم في بعض تلك الأحياء، وتسري فيها كالنار البطيئة، حين تشتعل دون استعجال. تكاثرت سيارات الحكومة ورجال الأمن، الذين لم يكن أحد يراهم يعبرون هذا المكان إلا صدفة. وصاروا يتوقفون عند بعض قارعات الطرقات وزوايا الأزقة. أحياناً كانوا يراقبون كل شيء بانتباه وهم ملثمون، وأحياناً كانوا يظهرون حاسري الوجوه، دون لثام. لكن قبضاتهم الممسكة بالأسلحة النارية كانت متحفزة دائماً، وهم جاهزون للرد على أية حركة غير عادية، أو تصرف مريب.

في ذلك الوقت كان المقهى، الذي لا يبعد أكثر من مائتي متر عن خمارة، أو دار قَتِيْلْوْهْ اليزيدي، قد افتتح رسمياً. وصارت أعداد ومجاميع من الحي ومن جواره، تزدحم على الطاولات الخشبية، وفوق المقاعد المسرجة بالجلد والقش. لم يكن التلفزيون قد صار جزءاً من برنامج المقهى بعد، وإنما اكتفى الشبان الثلاثة الذين كانوا يديرون المقهى، بوضع مسجل أغاني كبير، له مضخمات صوت على جانبيه. ولقد جرت مراسم تدشين المسجل في احتفالٍ مهيب، لا يقل عن فخامة مراسم اليوم الذي جرى فيه افتتاح المقهى نفسه.

عُلّقت لوحة خشبية في صدارة المكان، مكتوب عليها بخط رديء عبارة: (من ﻻ يجيد ﺍلاﺑﺘﺴﺎﻣﺔ ﻓﻼ يفتتح مقهى). وتحتها كُتب: (ونحن نجيد الابتسامة). كما علقت بضعة لافتات في داخل المقهى، تنبه الزبائن بأن المقهى لا يقدم سوى الشاي والعصائر المبردة، وأن القهوة والمتة غير متوفرة حتى تاريخه. كما عُلّقت لافتة أخرى، تنبه بأن المراحيض غير جاهزة حتى الآن، وعند الحاجة يمكن للزبائن الذهاب إلى الخرابة المجاورة، يمين المقهى. كما شرحت لافتة أخرى بأن المكان (غير طاهر لتأدية الصلوات)، وأنه قريباً سوف تجهز حجرة جانبية مخصصة للصلاة. وأن المشروبات الكحولية لا تُقدم في المقهى، مع أن واقع الحال يؤكد بأن البيرة فقط، ما كان يقدم إلى جانب الشاي والعصير البارد. وإن يكن بطريقة غير رسمية أو معلنة.

   

ولأمر ما غير واضح، وَقَرَ في تصور معظم أهل الحي، أن جل مصائب الحرب التي بدأت مقدماتها على شكل مظاهرات منددة، سوف تنبعث من هذا المقهى. والأنكى من كل ذلك، أن رجال السلطة، من رجال أمن ومخبرين انتشروا في كل مكان، يراقبون كل قول وحركة وتصرف؛ رجالُ السلطات هؤلاء، كانوا يشاطرون الأهالي نفس مشتركات تلك المشاعر الباطنية الخاصة، ونسبة دور “تخريبي” للمقهى يكاد يقارب الأسطورة. حتى كأن المظاهرات والحرب الموعودة، لم تكن سوى دائرة، لا يمكن تخيلها أو رسمها إلا بعد جعل المقهى مركزها الثابت، ومحركها الذي سوف يحدد قطرها واستدارته.

أبو تامر الخضري، وحده دون بقية أهل حارة الصفيح أرادامس، تفاءل خيراً من كل هذا الذي يجري. ولقد عَبّرَ عن تفائله قائلاً:

ــ لن تقع الحرب. إنها مجرد مظاهرات، أو هي بعض الغضب والصراخ الذي سرعان ما سوف ينتهي خلال أيام. وسوف يعود الناس إلى شراء الخضار والفواكه بشكل طبيعي، كما اعتادوا في السابق. هذا كل شيء..

قَتِيْلْوْهْ اليزيدي أيضاً شاطره الرأي، في شيء من التردد:

ــ المهم أن منام الحارث قد فُسِّر. وهذه المظاهرات، ورجال الأمن المنتشرين بأسلحتهم، هي الحرب التي تنبأت بها تلك المرأة الساحرة اللئيمة حليمة. لا أقل ولا أكثر.

وبعد مرور أكثر من شهر على بدء المظاهرات، أقبل جمعة الساحر، وطرق باب دار دحام، ثم طلب رؤية زيدان على وجه السرعة. وحين حضر دحام وزيدان، هتف جمعة الساحر منتشياً، كمن أنجز بعض تقدم في القضية:

ــ لقد وضعتُ خطة احتياطية. أعرف كثيراً من الرجال المجرمين و”الوَسَخَات”، من ذوي السوابق الإجرامية، والذين لديهم استعداد تام لأن يقتلوا أي إنسان مقابل مبلغ من المال. ولقد اتفقت مع أحد أصحابي، ممن أثق بهم من هؤلاء “الوَسَخَات”، على أن يتولى تصفية هذا المدعو مصعب أبو الحكم. والذي لا نعتقد حتى هذه اللحظة أنه كائن موجود، إلا في خيالات زيدان. هذه الخطة الاحتياطية البديلة، سوف نلجأ إليها، في حال لم ينجح

السحر الأسود الذي أُحَضِّرُه.

قال دحام:

ــ ولكن إذا نجح السحر وتخلصنا منه؟

ــ إذا نجح السحر، وظفرنا بأن نَضْبَعَهُ بفرج الضبعة، فلن نكون بحاجة إلى الاستعانة بصديقنا الوَسَخَة. وبالمناسبة أقول؛ فَرْجُ الضبعة سوف يكون عندي خلال أقل من أسبوع. فإما أن نضبعه بفرج الضبعة، أو نلجأ إلى الخطة البديلة: صاحبي الوَسَخَة.

قال زيدان:

ــ ولكن ألا تعتقد أن كلفة كل ذلك، سوف تكون فوق ما أطيق دفعه من المال؟

ــ لا. لا أعتقد. صديقي الوَسَخَة طلب، في بادئ الأمر، ثمناً عن كامل الخطة المطلوبة، مبلغ خمسمائة ألف ليرة. هذا إذا نجح في تصفية المدعو مصعب أبو الحكم، وترحيله إلى الدار الآخرة. أما إذا لم ينجح سوى في إعطابه، والتسبب له بعاهة دائمة، فالثمن سوف يكون نصف هذا المبلغ. لكنني لم أوافق على عرضه. قلت له:

ــ يا صديقي؛ أيها السيد وَسَخَة.. إنّ الرجل الذي نتعاون أنا وأنت لمساعدته، شخصٌ ضعيف جداً، ومتشرد مسكين، وهو لن يقدر على دفع مثل هذا المبلغ. وكل ما يملكه وما يجنيه من مال، هو ما يحصل عليه من بصطته، التي يعمل عليها في بيع الأشياء المستعملة في سوق الجمعة.

ــ هذا صحيح. ذلك مبلغ طاقتي، وما أحصل عليه من مال.

ــ وقلت له أيضاً: أنت يا صديقي الوَسَخَة، دائما تقتل الناس أحياناً لوجه الخير، ولدوافع وأعمال خيرية، أو تعمل أعمالاً هي خالصة لوجه الله، ومن أجل فعل الخير ونيل الثواب في الآخرة. ولن تتردد هذه المرة، في إسداء هذا الفضل وهذا المعروف لصديقنا زيدان. إنه شخص طيب، ويجب أن نتعاون جميعاً لمساعدته.

قال دحام:

ــ بارك الله بك أخي جمعة. وكثَّر اللهُ من أمثالك لفعل الخير، أنت وصديقك الوَسَخَة.

ــ الرجل انتهى أخيراً إلى الاستعداد للعمل معنا، مقابل تلقي مبلغ مائتي ألف ليرة لا أكثر. وهذا كل ما أقدر على فعله. أما بالنسبة لأتعابي الخاصة، بشأن مفعول السحر الأسود، فإنني سأعتبر عملي كله مجاناً، ولوجه الله. وبلا مقابل. فقط أريد منكم مساعدة بسيطة، في دفع جزء من كلفة فَرْج الضبعة الذي سوف يصلني بعد أيام. وسوف أعتبر كامل تعبي، في حال نجح السحر الأسود، هو تبرع شخصي، ومساعدة مني للأخ زيدان. وعملي كله خالص لوجه الله، وجزائي لا أريده إلا من الله في الآخرة.

قال زيدان متأثراً تأثراً شديداً من كلمات الساحر:

ــ شكراً لك يا أخ جمعة. لن أنسى لك هذا المعروف ما حييت.

فأجاب جمعة:

ــ لا شكر على واجب. هذا واجب تمليه أخلاقي عليّ. والمهم في الأمر أن ننجح في مسعانا قبل أن تنشب الحرب.

فبادر دحام يقول:

ــ وحتى لو وقعت الحرب. لن تثنينا الحرب عن بذل كل ما في وسعنا، للتخلص من هذا الشر الذي يتجول، والذي اسمه مصعب أبو الحكم.

ــ صحيح أخي دحام. وحتى لو اتضح بأن هذا المصعب أبو الحكم، ما هو إلا وهم موجود في رأس زيدان، وتهيؤات مرضية لا أساس لها، فإننا في هذه الحال، نكون قد أخذنا بكل الأسباب والذرائع، ولن نخسر شيئاً.

*صورة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

                             

Leave A Comment