ــ 21 ــ

في ذلك اليوم نفسه، عاد عويصة من المدينة، وصرخ أمام الناس جميعاً، قائلاً بصوت جهوري، جمع بعض أبناء الحارة المتواجدين في المكان حوله، وراحوا يصغون إليه. قال عويصة:

ــ بخصوص المظاهرات، والحرب التي يتحدثون عنها. الأمر ليس كما تظنون. الأمور

أخطر من ذلك بكثير.

أجابه غريب الرداد، الذي يبحث عن ابنه الذي ضاع منذ خمسين عاماً:

ــ وهل هنالك ما هو أخطر من الحرب؟

ــ أجل. فلقد ظهر الشيطان الرجيم فجأة في المدينة. رأيته شخصياً بأم عيني. واستقصيتُ عن كل أسباب المشكلة التي تسببت بتلك المظاهرات، والتي قد تتسبب بالحرب.

عند هذا الحد، برز أمام عويصة حوّاس، مرافق الشيخ حمزة. واندفع في وجه عويصة وهو يصيح بلهجة تجمع بين الجد والغضب:

ــ يجب أن تصمت يا عويصة. آمرك أن لا تتحدث هنا بشيء مما سمعت. يجب أن يقال كل هذا الكلام في دار الشيخ حمزة، ويجب أن يحضر جميع وجهاء الحي وأبنائه، ليسمعوا الحديث. لا تنسوا جميعاً، فالشيخ حمزة طلب اليوم من كل شيوخ العشائر ووجهائها، أن يحضروا إلى مضافته. ولسوف يكون جميع أهل الحي مدعوين إلى هذا الاجتماع.

ــ قد يَندسُّ بعض المخبرين الذين نشرتهم السلطات في اجتماعنا، في دار الشيخ حمزة؟

ــ فليفعلوا. المسألة لم تعد تحتمل، فحياتنا جميعاً، ومستقبلنا صار لعبة في غبار الأحداث التي ستعصف بالحي وبالمدينة وبالبلاد كلها. يجب أن نناقش مستقبلنا، وما الذي ينبغي عمله إذا قامت الحرب. فحياتنا كلها أصبحت في فوهة الخطر. 

تداعى زيدان ودحام ناحية الصياح الذي بدر من الجمهور المتحلق، وسمعا طرفاً من حديث عويصة. وتساءل زيدان وهو يحك رأسه وأسفل اذنه:

ــ الشيطان؟

قال عويصة:

ــ نعم. إبليس اللعين نفسه. ولقد رأيته اليوم بأم عيني.

قال دحام:

ــ لا غرابة. كل شيء بدأ في هذا المكان بداية غير مثيرة للإعجاب. والمنطق يحتم أن ينتهي كل شيء نهاية غير مثيرة للإعجاب أيضاً.

فتدخل فرهود الحمامجي، يقول بلهجة الواثق مائة بالمائة:

ــ كل ما قاله عويصة صحيح.. للأسف. أعلم بكل ما جرى اليوم في القصر العدلي، في المدينة، والموضوع لم يعد سراً على كل حال، فالمدينة كلها تعرفه وتتحدث عنه. لقد خرجت الأمور من يدنا.. للأسف.

انسحب زيدان ودحام من بين الجمع المتحلق حول عويصة. شعر زيدان بإحباط وتعب مفاجئ، وقرر أن يذهب ليستريح في خلوته، في ذلك الكوخ الذي يشبه القبر. كان يحكي لنفسه، كالذاهل عمن حوله:

ــ قريباً يحين الشتاء. قريباً تدلهمُّ العتمة. وتبدأ رحلة تبخرنا جميعاً، وذوباننا في جو العدم الذي رسَمَتْه الشمسُ. وغَمَّقَت ألوان استطالاته إلى جانبي، فصار ظلاً لي. لولا هذا السفر الشاق تحت حر الشمس ولفحة الهجير، لما كان لك من وجود أصلاً أيها الظل الذي يسير بجانبي. عندئذٍ سوف ألوب وحدي، في متاهة الدروب التي لا نهاية لها.

قال دحام متدخلاً بين زيدان وحديثه الخاص:

ــ بل لها نهاية. ما من شيء بلا نهاية من حسن الحظ. وجميع الدروب تقود وتوصل إلى الطاحون.

ــ هذا إن بقي ثمة طاحون أصلاً فيما لو وقعت الحرب.. إلا في كتب الأمثال.

اكتمل اجتماع جميع الناس القاطنين في الحارة، في الدار الكبيرة التي تسمى مضافة الشيخ حمزة. ولكي يبعث الشيخ بالطمأنينة في أنفس الجميع، سارع إلى إبلاغهم بالخبر المهم:

ــ ثانياً: لقد حصلت على موافقة وترخيص لاجتماعنا هذا، وذلك حتى لا تظن السلطات أننا نتجمهر، أو نتحضر للخروج في مظاهرة معادية للحكومة.

فسمع أكثر من صوت يردد:

ــ هذا أمر جيد، وتصرف حكيم من الشيخ.

وبادر حواس ليجيب على الملاحظة الأخيرة بالقول:

ــ كبير عشائر المنطقة لا يقدم على تصرف، مالم يكن حكيماً وفطناً.

فسأل أحدهم:

ــ هل بقي أحد لم يحضر؟

ــ العاهرة سعاد رفضت أن تحضر اجتماعنا هذا.

ــ وذلك الإنسان الكبير في السن، علي عليوي، الذي تجاوز عمره المائتي سنة. إنه يسير نحو مضافة الشيخ ببطء السلحفاة، متوكئاً على عصاه.

ــ وهل تسمي هذا إنساناً؟

ــ لنسمع عويصة. نريد أن نسمع من فمه كيف رأى الشيطان اليوم في المدينة.

ــ ولكن ما علاقة الشيطان بالمظاهرات والحرب؟ ما نعلمه هو أن الشيطان لا يتدخل في الحروب. وليس لديه أسلحة؟

وقف عويصة فوق مصطبة عالية، حتى يراه ويسمعه الجميع. وقد شعر بانتشاء وشمم،

وهو يراقب تحلق عشرات النساء والرجال والأطفال من القوم حوله. ثم ابتدأ بالقول:

ــ يا أخوتي وجيراني في هذا الحي الذي يسمونه أرادامس، لقد جاء الشيطان، إبليس اللعين، إلى المدينة في هذا اليوم بالذات. ولقد حدثت أمور غريبة وفظيعة جداً، يصعب تصديقها. ولو لم يُعَرِّفْ الشيطانُ عن نفسه لما عرفناه أصلاً.

لقد رأى كل الناس رجلاً غريباً طِوالاً هائل القامة، هائمَ النظرات في كلِّ اتجاه، وفيرَ العظمِ واللحمِ، متلاحمَ الأكتاف والأطراف، وذا عينين سوداوتين وشعرٍ سبطٍ.. التقاه، باديَ اللقاء، قرب مبنى المحكمة الكبير، رجلٌ معروفٌ من كل من زار القصر العدلي في المدينة. رجلٌ ينادونه صالح الأسمراني، وهو يشتغل مُعَقِّب دعاوي بجانب المحكمة، ويقدم خدمات ومساعدات قانونية لأهل الأرياف الوافدين إلى المدينة، لمتابعة شؤونهم في المحكمة والدوائر الحكومية. وأنا شخصياً كنت أتردد عليه في الماضي كثيراً، وما أزال. كثيرٌ من الأمور القانونية المعقدة، التي لا أستطيع فهمها، كان صالح الأسمراني هو من يستطيع تفكيك عقدها القانونية وحلها لي.

صاحت عدة أصوات بلهجة موبخة لعويصة:

ــ أوجز واختصر. من أين جاء الشيطان؟

ــ وكيف عرف هذا الأسمراني أنه الشيطان؟

ــ إن كنت ستقصُّ علينا حكاية مسلية وطريفة، فمن الأفضل أن ننصرف.

ضحك عبدو السكير ضحكة عالية، وهو يصيح في الناس:

ــ عويصة يكذب في اليوم الواحد، أكثر من نفثات الشهيق والزفير التي يتنفس بها ملء صدره.

ــ أكمل يا عويصة. أكمل الحكاية. هاه؟ وماذا جرى بعد؟

تابع عويصة:

ــ تحرشَ به صالح الأسمراني فوراً كعادته، عساه يقعُ على معاملةٍ يسعى الرجل الغريب

حثيثاً لاستكمالها أو متابعتها، وحين سأله الأسمراني مبادراً:

ــ أهلاً وسهلاً أستاذ. نورت أستاذ. هل أستطيعُ أن أقدم لك خدمة، أو أساعدك في شيء..؟ قال الرجل الغريب:

ــ بكل تأكيد تستطيع.. فأنا أنشدُ من يساعدُني في قضيتي العالقة. هل لنا أن نتعرف ببعضٍ أولاً؟

قال صالح:

ــ أنا صالح الأسمراني. مجاز في تسيير المعاملات القانونية، ولدي خبرة سنوات عديدة.

فقال الرجل الغريب:

ــ  وأنا الشيطان.

*صورة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

            

Leave A Comment