ــ 22 ــ
أجفل صالح الأسمراني. ولم يفهم الاسم من أول مرة. وظلَّ مشدوهاً ينظر في تفاصيل الرجل الذي استأنف القول:
ــ نعم. أنا الشيطان. إبليس اللعين، هل تعرفه أو سمعت به يوماً يا صالح الأسمراني؟ أنا إبليس كما اعتدتم أن تسموني في أحاديثكم. ولاشك أنك سمعتَ عني كثيراً يا أخ صالح؟
قال صالح الأسمراني، بعد أن استرد عافيته المترنحة، واستوى فوق ذهوله الغالب قليلاً:
ــ أنا أعرفُ أنك أنت الذي أخرجت سيدنا آدم من الجنة. كما سمعت من الناس، وكما سمعنا مذ كنا صغاراً.
فأجابه الشيطان وهو يضحك:
ــ أما تزالون تتذكرون وترددون هذه الحكاية السخيفة؟ نعم هذا صحيح. هذه حكاية قديمة لا شأن لنا بها الآن. بل إنما وفدت زائراً إلى هذه المدينة، لأن لي قضية عالقة في
المحكمة منذ سنين، ورغم أن حقي فيها ثابت وواضح وضوح الشمس، إلا أن القضاة، أبناء العاهرة هؤلاء، والمتعاقبين على مسك القضية، يرفضون الحكم لي فيها.
فقال صالح الأسمراني متعجباً:
ــ قضية؟ أية قضية لك هنا؟
قال إبليس:
ــ قضية حصة إرثية. لديَّ كل المستندات القانونية، وكلّ الأوراق التي تثبت حقي القاطع في الأرض. ولقد وكَّلتُ حتى الآن، أكثر من ثلاثة محامين ليرافعوا في الدفاع عن حقي. غير أن القضاة، أبناء العاهرة، وكلما وصلوا إلى القناعة التامة بثبوت حقي بالأدلة والبينات الدامغة، وتحققوا من أن القضية محسومة لصالحي لامحالة، يعمدون في اللحظة
الأخيرة إلى تأجيل القضية مرة أخرى. واليوم كما أبلغوني، هو موعد الجلسة التي يجب أن تكون حاسمة للنطق بالحكم. وهو حكم محسوم لصالحي كما أظن. مهما حاول هؤلاء القضاة المراوغة والالتفاف، وتأجيل الحكم النهائي.
هتفت الساحرة حليمة:
ــ عويصة؛ ما هذه السخافات التي تتفوه بها؟ وهل جمعت الناس لتقول كل هذا الغثاء والثرثرة المجنونة؟
ــ أكملْ عويصة.. أكملْ ولا تحفل بكلامها. أكمل، فنحن جميعاً نصغي إليك.
ــ ولكن ما علاقة هذا الذي تقوله بالحرب؟ فالحرب هي أهم ما نبتغي أن نسمع من أخبارها طرفاً؟
تابع عويصة مستأنفاً الحكاية:
ــ هرش صالح الأسمراني أنفه، ونكش شعره متفكراً غارقاً، ولعب بأذنيه ودَعَكَ عينيه مرات، ثم عَبَسَ وبَسَرَ، وشَخَرَ ونَخَرَ، وسبَّ الشمس والقمر، قبل أن يجهر بالقول للشيطان:
ــ ولكن يا أستاذ إبليس اللعين. أنت إنسانٌ واعٍ، وفهمان جداً، كما سمعت عنك. فضلاً عن كونك ميسور الحال ومقتدر. نعم مقتدر. هكذا يقولون عنك في كتب الأولين والآخرين. سيارتك، كما جاء في بعض الروايات، من نوع “رولز رايز”، وأحوالك المالية طيبة، وعال العال والحمد لله، كما أظن.. وعلى خير ما يرام.. فهل تجدُ أنَّ احتمال مشقة السفر إلى هذا المكان المتوحش، وهذه البلدة الجافي مناخُها، والظالمِ أهلُها، كان ضرورياً من أجل حصة إرثية في عقار أو أرض. لا تشبع ولا تغني؟
تدخل الشيخ عبادة زاجراً وموبخاً:
ــ الخير لك أن تعود إلى النهر الذي جئت منه يا عويصة. وأن تبحث عن أهلك من الأسماك، وعشيرتك وأقربائك الحيتان، ومجتمعك المائي الذي جئت منه. إذ لا أحسب أن من المفيد، لنا ولك، أن تبقى تحيا بيننا.
لكن الشيخ حمزلة نفسه، تدخل بصرامة وحزم، ناهياً الناس أن يقاطعوا عويصة، أو أن يلوموه كلما مضى في سرد الحكاية، خاتماً بالقول:
ــ تابع عويصة. تابع حديثك. وثانياً: نريد أن نعرف الحكاية كما حدثت بالفعل.
استأنف عويصة القول:
ــ كنت أقول؛ بأن صالح الأسمراني كان يتصدى للشيطان ويلومه قائلاً: لماذا لا تتخلى يا سيد إبليس اللعين عن هذه الدعوة كلها؟ وما أحوجك إلى مثل هذا التصرف؟
فقال الشيطان:
ــ لن أتخلى عن الدعوة، فهي حقي الطبيعي، والقضاة أمام خيارين لا ثالث لهما؛ فإما أن يحكموا لي بالعدل والقسطاس المبين، وإما أن يجوروا ويميلوا إلى الباطل والظلم، فأخسرَ الدعوة والقضية. وهذه سندات التمليك والشهادات والوثائق. ولسوف أفضحهم أمام العالم كلِّه إنْ تجرأوا على الحكم بصورة غير قانونية. إن الله يأمركم أنْ تؤدوا الأمانات إلى أهلها. وهذه أمانة بين أيديهم، وأنا من أهلها.
قال صالح:
ــ صحيح. وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. لقد أفحمتنا حقاً بالحجة البالغة. ولكن في ماذا أستطيع أن أخدمك يا سيد إبليس اللعين؟
كذلك سأل صالح الأسمراني. فقال إبليس:
ــ سوف أعرض عليك حيثيات القضية، وتستطيع أن تكون شاهداً ومستشاراً فيها. سأدفع لك أجورك وأتعابك أضعاف ما يدفع بقية الناس. أما القضية، يا سيد صالح، وبما أنك على وشك أن تغدو من وكلائي الرسميين المتابعين لملفاتها، فهي باختصار شديد، تتلخص في ملكيتي الكاملة لهذه المحافظة التي تسمونها محافظتكم. إنني أملكها، كوريث شرعي، أباً عن جد، ومن جهاتها الأربع، فهي وكل أرضها وأنهارها ومبانيها وبساتينها وثمارها ملك لي. ولديَّ ما يُثبتُ ويؤكد هذه الملكية بالسندات والوثائق الدامغة والأدلة القانونية الحاسمة، التي لا تقبل مراجعةً أو تأويلاً لأي إمكانية قد تحرف مجرى العدالة، أو تُفَوِّتُ عليَّ فرصة كسب القضية.
هذا هو الأمر الذي لم يستطع هؤلاء القضاة الساذجون أن يتفهموا بأنَّ تمديدَ زمن القضية، وتأجيل البتِّ في الحكم بها، لن يفيدهم كثيراً. قضيتي رابحة من الناحية القانونية. شاؤوا أم أبوا. ولسوف أكسبها باسم العدالة والقانون.
فقال صالح الأسمراني:
ــ المسألة معقدة غاية التعقيد. لا بد أن تتنازل فيها عن ثغرة ما، أو تجدَ فرجة أو ثلمة في جدار القضية حتى تتقاضاها صلحاً مع الجميع، فنخلص جميعاً من هذا الحرج. الشعب والقضاة، وقبل كل شيء، أنت.. يامن تزعم أنك تملك الأرض كلها؛ بأنهارها وسهولها وحقولها ومبانيها.
فقال الشيطان:
ــ سوف أزيدك من الشعر بيتاً جديداً؛ فحالَما سوف أنتهي من كسب قضيتي في محافظتكم هذه، فإنني سوف أرتحل إلى محافظة ثانية فثالثة فرابعة. وهكذا سوف أطوف في طول البلاد وعرضها، وأكسب نفس الدعوة في ملكية سائر المحافظات الأخرى، وهي نفس القضية الرابحة التي هي قيد دعوتي اليوم.
لا تنازل في الحق، الأرض كلها أرضي. فإذا تردد القضاءُ في الحكم لي، فقد دخلوا في حُكم البغاة والظَلَمَة. ونكثوا نكوثاً عن الحكم بما توجبه العدالة ويوجبه القانون، وإذا حكموا لي، فلسوف آمرُ بإخلاء أرضي من جميع الناس. أعني محافظتكم. سوف آمر القاضي وهيئة المحكمة وموظفيها بالخروج فوراً من هذا المبنى، الذي هو مبنى المحكمة. أليس هو في ملكيتي الشرعية؟ ولسوف أطردُ حتى المحافظ وموظفي الحكومة، ومؤسساتها وجميع دوائر الأمن. سأطرد الفلاحين من حقولهم، والسكان من بيوتهم، وكل القاطنين على مساحة قلامة ظفرٍ من هذه الأرض التي هي أرضي.
فقال له صالح الأسمراني:
ــ طولْ بالك قليلاً، واستعذ بالله من الشيطان.. لابد أن تهدأ حتى نجد فرصة حلٍ للقضية.
ثم تابع عويصة مستأنفاً رواية حكايته:
ــ سمع الناس في أرجاء المدينة بقضية الشيطان، ودعوته العالقة في المحكمة، والتي يُتَوَقعُ اليومَ أن يبتَّ القاضي في الحكم النهائي فيها. بل إن أخبار الشيطان وقضيته قد طارت إلى سائر الأرياف المحيطة بالمدينة، فتوافد الناس؛ وقد أوجسوا خيفة أن تحكم المحكمة في القضية، مما سوف يرتب عليهم انتزاع بيوتهم وأعمالهم وأراضيهم منهم، ومغادرتها إلى حيث لا يدري أحد. كما سمعوا بما أزمع الشيطانُ عليه، من نية مبيتة بوضع القرار المنتظر الصدور قيد التنفيذ، وتسليمه كامل المحافظة، بعد تقديمه أمراً بإخلاء الأرض من كل قاطنيها وسكانها الذين يعيشون عليها.
تقاطروا أفراداً وزرافاتٍ، وتجمعوا حول الشوارع المؤدية إلى المحكمة. لا، بل أكثر من ذلك، فإن بعضهم وصل به الغيظ والغضب موصلاً كاد أن يحولها إلى مظاهرة، وهتافات ضد الشيطان وضد الدولة، وضد السلطات العليا والقضاة والقانون، وضد العالم أجمع. لولا أن تدخل العقلاء من الأهالي في الجوار، وطالبوا الغاضبين بالتوقف عن إطلاق الهتافات، خشية أن تستفزَّ تلك الهتافات الشيطانَ والقضاء وأولي الأمر، فيتعقد المشهد أكثر، ويتدهور الحال أشد مما آلت إليه الأمور.
*صورة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
